ذكرى رحيله الثانية والعشرون تصادف اليوم

ناجي العلي مازال أحد مهندسي المزاج الوطني الفلسطيني

 السبت ,29/08/2009


الشارقة-  حمد ولد محمد سالم:

تحل اليوم الذكرى الثانية والعشرون لرحيل رسام الكاريكاتير والمناضل الفلسطيني ناجي العلي الذي لم يفارق أصبعه الزناد منذ أن خرج من قرية الشجرة في الجليل الشمالي بين الناصرة وطبريا والتي ولد فيها عام ،1936 ونزحت عائلته بعد النكبة إلى مخيم عين الحلوة في لبنان، وكانت ريشته هي البندقية التي قاتل على صفحات الصحف والمجلات في لبنان والكويت ولندن.


ابتعد كثيرا عن القرية والبحر والجليل وفلسطين، لكنها هي سافرت معه، بقيت في قلبه وملكت خياله، فلم يستطع التخلص منها ولم يحاول ذلك، بل عمل على ترسيخها، في كل وجدانه، وجعلها عدوى يصيب بها كل من يتأمل رسوماتها، كان الهيام بالرجال الطيبين البرآء والنساء الطاهرات والمناضلين الشجعان والبندقية والكوفية وشجرة الزيتون والقدس هو الهدية التي قدمها ناجي للمواطن العربي الذي يتحرق كل صباح للاطلاع على جديد هذا الفنان المبدع والصادم.


كان لا يتوانى عن تجديد تلك الهدية لتكبر أكثر وأكثر وتصبح قوة وثورة، فألف في مسيرته القصيرة ما يقارب 50 ألف رسم كاريكاتيري وأصدر ثلاثة كتب ضمت مجموعة من رسوماته المختارة، وحصلت أعماله على الجوائز الأولى في معرضي الكاريكاتير للفنانين العرب أقيما في دمشق في سنتي 1979 و،1980 واختارته صحيفة “أساهي” اليابانية كواحد من بين أشهر عشرة رسامي كاريكاتير في العالم.


توفي في لندن في 29/8/1987 متأثراً بجراحه في محاولة الاغتيال التي استهدفه بها الموساد “الإسرائيلي” قبل ذلك بأيام. وكان عزاؤه وهو يرحل بتلك الطلقة الغادرة أن ثورة ريشته قد آتت أكلها انتفاضة عمت جميع أرجاء فلسطين.


وبعد عام من وفاته وصفه الاتحاد الدولي لناشري الصحف في باريس بأنه واحد من أعظم رسامي الكاريكاتير منذ نهاية القرن الثامن عشر، ومنحه جائزة “قلم الحرية الذهبي” لسنة ،1988 فكان أول صحافي ورسام عربي ينال هذه الجائزة.


كان ناجي العلي في كل ما رسمه مناضلا فلسطينيا لا يعرف المهادنة ولا يرضى بأنصاف الحلول وجزئياتها، آمن بطريق واحد للنضال هي حمل البندقية، ولم ترق له مناورات السياسة التي كان يخشى أن تحيد بالفلسطينيين عن هذا الطريق وكأنه كان يرى المستقبل بحدس فنان لا يخطئ، لذلك رفض كل أشكال الحوار واللقاء مع اليهود واعتبرها خيانة، وهاجم كل من رأى منهم ميلا لذلك الحوار حتى وصل به الأمر إلى مهاجمة صديقه الحميم شاعر فلسطين الأول محمود درويش حين غير شطر عبارة درويش “بيروت خيمتنا” إلى “محمود خيبتنا”، وذلك على خلفية الاتصالات التي كانت قائمة بين درويش وبين بعض المثقفين “الإسرائيليين” ممن يناوئون السياسة العنصرية “الإسرائيلية”، فلم ترق لناجي الفكرة، فقد كان شديد الحساسية في ذلك لا يقبل أي رأي مخالف له، فكأن فلسطين له وحده، ولا يحق لغيره أن يقول فيها برأي أو أن يتصرف تصرفا غير الذي يراه هو من مواجهة مع العدو. وانتهت به تلك الحساسية إلى أن يختلف مع الجميع، ويقف وحده مناضلا برسوماته اللاذعة.


رسم الواقع العربي والفلسطيني ببساطة شديدة، جعلت شخوصه تنبض بالحياة وبالوعي التام بمعاناتها، فعيونها مفتوحة بقوة، ترى كل شيء وتعيش مأساة الذل والألم، وهي في بساطتها ومأساتها ووعيها صادمة ومفارقة لأنها تعكس الصراع والتناقض في الواقع بتجرد، فحنظلة الذي ابتدعه يراقب الواقع بحياد طفل بريء، لكنه يرى كل التفاصيل الدقيقة في هذا الواقع ولا تغيب عنه أدنى فاصلة، وقد أعطى بذلك أول معنى لما يدعى “الموقف المحايد” في الفن الكاريكاتوري. وفي الموقف المحايد تجري الأحداث وتنكشف المواقف بتجرد وموضوعية تامة، وكأن الرسام لا يفعل شيئاً في الوقت الذي يفعل فيه كل شيء، وكأن البشر مدفوعون إلى ما يفعلون بعوامل داخلية قاهرة، والقوة والبساطة والضرورة القاهرة هي العناصر التي يقف أمامها المتأمل لرسوم ناجي العلي الكاريكاتيرية مبهوراً، وهي التي تعطي لرسومه دلالتها وعمقها.


وكانت “إسرائيل” محروقة القلب من لهب ريشة هذا الفنان المبدع الذي لا يعرف المهادنة والذي اختلف مع الجميع لأنه لم ير في “إسرائيل” إلا عدوا لا يمكن الحوار معه، كما رأى في “إسرائيل” أيضاً دولة عنصرية يجب اقتلاعها بقوة البندقية، فترصده جهازها الأمني حتى اغتاله بدم بارد وفي صباح لندني بارد، لكن رسوماته هو لم تبرد بل بقيت وستظل ألسنة نار حارقة تأكل من جسم العدو حتى تأتي عليه كله.


كان ناجي في حياته وإبداعه وموته عنوانا من عناوين القضية الفلسطينية ورمزا من رموزها، حفظ في رسومه التاريخ والهوية والأرض والإنسان ودافع عنها جميعاً، وكما قال عنه درويش “إنه أحد مهندسي المزاج الوطني الفلسطيني”.
 

 

 

الخليج