سعي سوريا لإعادة العراق - الوطن والشعب - الى الإطار العربي

صبري حجير
 

31/08/2009

من العراق، تعالت صيحات تنطوي على تهديدات مباشرة لسوريا، بدءاً برأس الحكومة العراقية، مروراً بجميع أطراف التكوين الحاكم، وخاصةً هوشيار زيباري، ما يسمى وزير الخارجية في حكومة المالكي، تهدد وتتوعد سوريا باللجوء للأمم المتحدة لهدف تشكيل محكمة جنائية دولية، للضغط عليها كي تستجيب لطلب الحكومة العراقية وتسلمها محمد يونس الأحمد وسطام فرحان - وهما من قيادات حزب البعث العراقي- اللذين تتهمهما حكومة المالكي بلعب دور مباشر في تفجيرات الأربعاء بتاريخ 19 أغسطس/آب 2009 في بغداد، التي جاءت على مقار وزارة الخارجية والمال ولدفاع، ومبنى محافظة بغداد، وعدد من الأهداف المؤثرة في المنطقة الخضراء.

بات معروفا للجميع، أنّ حرف الإتهامات العراقية اتجاه سوريا، بعدما كانت باتجاه السعودية، جاء ليحقق أهدافاً سياسية متعددة، تسوّقها الحكومة العراقية خدمة لاجندات دولية وإقليمية، تدخل في باب ممارسة حجم من الضغط، يأتي في سياق إملاء الشروط على سوريا، من أجل أن تستجيب للتوجهات الأميركية الجديدة، الرامية الى تهيئة جديدة للمنطقة العربية، قد تساهم نتائجها الاستراتيجية في تحقيق الأهداف الجديدة للإدارة الأميركية الجديدة، محددة في تسخين وتنشيط محاور الصراع الباردة، وضخ دماء الدبلوماسية الأميركية في عروقها، في محاولة أميركية جادة، لإنهاء حالة الإعتراض العربية، وتبديد السياق الممانع في المنطقة ومن ثمّ تفتيته، أو كحدٍ أدنى، إخراج بعضاً من مكوناته من معادلة المجابهة الدائمة في الواقع، وعزل البعض الآخر.

انّ توجيه أصابع الإتهام لسوريا، في هذا الوقت، لهُ تداعياته القانونية والدبلوماسية ضدّ دمشق، الهدف منه إبقاء القيادة السياسية السورية في حالة دائمة من التوتر السايكولوجي والسياسي للوصول بها الى منطقة فتح الملفات الإستراتيجية والتنازل عنها، وأهمها الملفين الفلسطيني والعراقي.

الدعوات التي جاءت من العراق تحمل سيف المحكمة الجنائية الدولية، هي ليست بالأمر الجديد على سوريا، فقد رفعه تحالف قوى14 أذار في لبنان، تحت بقعة سوداء كانت تغطي سماء المنطقة، غيوم المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية البائدة، التي مارست أقصى درجات الضغط على سوريا، من أجل إخضاعها لشروطها في العراق بالتحديد! تكسرت تلك الأصوات واختنق زفيرها، ولا يكاد يسمعها أحد هذه الأيام، وخرج المشروع الأميركي الإسرائيلي خائباً من لبنان، وتلاشت معه تلك الأبواق.

يبدو أن المالكي صدق أنهُ رئيسٌ للعراق، ونسي أنّه دخل العراق ضمن جوقات العملاء على متون الدبابات والعربات الأميركية التي احتلته ومزقت أجزاءه وحطمت أركانه، ونسي أيضاً ان العراق باتساعاته المترامية مازال يخضع للإحتلال الأميركي، باعتراف الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية! انّ أي عملية سياسية يتناطح فيها العملاء ليست شرعية لأنها تحت مظلة الإحتلال الأميركي، وكلّ ما يفرزه الأحتلال من حكومة وبرلمان ومؤسسات هو باطل! لا يؤصله الزمن، ولا تشرعه قوانين الأمر الواقع.

باسم العملية السياسية في العراق المحتل ترتكب الخطايا وتنتهك الأعراض وتغتصب الكرامات، وتنعقد ألوية المجازر، وتمتلئ المعتقلات والسجون الطائفية بمئات آلاف العراقيين والعراقيات.

العراقيون يملأون الشوارع في سوريا، والأردن والعالم، هرباً من جرائم الإحتلال الأميركي وعملائه، الذين يضعون العراق كله على صفيح التطهير الطائفي، تحت ذرائع ملاحقة القاعدة والإرهابيين، وتنفيذ البرامج الأمنية التي لا تتوقف !

لقد أنشأ العراقيون في الخارج جمعياتهم ومؤسساتهم وهيئاتهم المدنية، مّما يخولهم جرّ كل عملاء الإحتلال الأميركي أمام المحاكم الدولية بتهمة إلحاق الضرر بالمجتمع العراقي، وارتكاب جرائم الإبادة والتطهير الطائفي المتواصلة بحقّ الشعب العراقي. مَن الذي يطالب بالعدالة والقانون والمحاكم الدولية؟

انّ المحاكم الدولية ستأتي على رأس الإدارة الأميركية، وعلى رأس عملائها الذين زوّروا الحقائق.

اعتقد أنه لا يقلق سوريا الصيحات والدعوات الى محاكم دولية، لأن سوريا ليست هي مَن يحتلّ العراق. وليس من مصلحتها أن يبقى العراق في توتر دائم تتحكم فيه شركات الأمن والمرتزقة، وتعبثُ فيه المشاريع والبرامج الدموية التي تهدر أموال العراقيين وحياتهم الطبيعية.

كانت المصلحة السورية ومازالت تتوجه الى التعامل مع ما يسمى حكومة المالكي، أو أي حكومة أخرى، من أجل اتاحة فرصة للتعاون المثمر، في المجالات المختلفة، يعود بالفائدة على الشعب العربي في كلا البلدين الشقيقين، وأعتقد أن متطلبات الأمن القومي السوري، يفرض على القيادة السورية السعي الدائم والدؤوب لإعادة العراق - الوطن والشعب - الى الإطار العربي، لأن إخراج العراق بعد مصر من الإطار العروبي هو مصلحة اسرائيلية، أولاً وآخيراً. لكن الوقائع أثبتت أنه لا يمكن أن يعيد العراق الى العرب إلاّ عروبيين وليس طائفيين وعملاء.

صبري حجير، كاتب فلسطيني مقيم في السويد