سميـر القنطـار فـي عامـه
الثانـي محـرراً

سنتان على حريته
عشية إطلاق سراحه في 16 تموز 2008، استضافت القناة الأولى الإسرائيلية، مجموعة
من الخبراء لمناقشة وضع سمير القنطار بعد تحرير أسره، وقد جزم أكثرهم خبرة بالحركات
الإسلامية و«الإرهاب الدولي»، بأن وجوده في المعتقل سمح له برفع سقف مواقفه، إذ ما
كان يملك شيئاً ليخسره، ما يدفعه لقول ما يريد، وإن كان يدري أنه قد يدفع الثمن.
لكن في النهاية، وفور خروجه إلى «العالم الآخر»، سينسى كلّ الشعارات التي أطلقها،
أسوة بالعديد من الأسرى الذين استعادوا حريّتهم. كان الرهان، على تحوّل القنطار من
أسير، إلى إنسان يبحث عن متع الحياة، للتعويض عن سنيّ المعتقل.
في إسرائيل يعيدون اليوم مناقشة هذه «النظرية»، وإن كان سمير لا يعترف بفرادة
واستثنائية نموذجه. بعد ثلاثين سنة من الاعتقال، وسنتين على الحرية، لا يزال هو
نفسه، على أفكاره ومبادئه، وفي «موقعه الأم».
رفض الكثير من فرص العمل والمواقع، اختار العودة إلى «الوراء»، إلى العمل المقاوم،
«ليحقق ذاته والالتزام بقناعاته، لا يزال على الخطّ ذاته، الذي شبّ عليه، وفي سبيله،
وسخّر حياته من أجله». اختار المساهمة في «المقاومة الإسلامية» بعدما عبر عن رغبته
هذه، خلال لقائه الأول مع «السيّد»، مصرّاً على العمل الميداني، ليترجم أفكاره
أفعالاً.
بين قضبان المعتقل وخارجه، الآف الأمتار، إلا أن سمير لم يجد صعوبة في اجتيازها، «ولكن
قبل أن يتحرّر الإنسان، عليه أن يحرّر نفسه من قيود السجن، وأن يُخرج السجن من
أعماقه، بكل ظروفه الصعبة، بسواد ليله. الإنسان لا يستطيع الخروج إلى الفضاء الرحب،
ويمارس حياة يومية بشكل طبيعي من دون أن يتحرر من أعباء الظروف القاسية التي كان
يعيشها. لا يفترض به أن ينساها، ولكن في المقابل لا يجب أن تكون هاجساً مسيطراً على
أفكاره اليومية».
لا مكان في أوراق روزنامة حياته، للخوف من العودة إلى المعتقل، أو حتى من الاستشهاد.
«تجربة الأسر تُغني اكتشاف الذات، وتختبر الإرادة، هي مدرسة يتعلّم منها الإنسان
كيف يصمت، كيف يواجه الظروف الصعبة، كيف يقوى على الانهيار، كيف يقوّي المحيطين به.
عندما يتحمّل مسؤوليته تجاه نفسه والآخرين، يزول الخوف من الأسر».
ولكن لا بدّ لمعاناة الأسر أن تنتهي، وهي لا تزول، برأيه، عندما يتحرر الإنسان
بمفرده أو برفقة مجموعة، ولكن عندما تُزال أسباب الأسر، وهو الاحتلال.
قبل التحرّر وضع سمير لنفسه هدفاً، وهو إخراج السجن من أعماقه، كي ينجح في التكيّف
مع الواقع الجديد. كأن مخلوقاً من عالم آخر، حطّ برجليه في عالم جديد، وإن كان قد
سمع عنه واطلع على مجرياته، ولكن الاحتكاك بالناس، وتبلور الحياة بكلّ تجلياتها،
يضعه في امتحان صعب: كيف سيتصرّف في حياته؟ هل سيخرج بهدف لتعويض ما فاته في سنيّ
الأسر؟ أم سيعتبرها سنوات تضحية ويجب أن لا تذهب هدراً من خلال التزامه بخطّ معيّن،
يمثّل استمراراً لقناعاته التي ضحّى من أجلها؟
الأكيد أن سمير التزم الخيار الأخير، فهو لا يعاني من هاجس تعويض سنيّ الأسر، وإن
كان هناك من قال له إنه يجب أن يسترجع في سنة واحدة ما فاته خلال عشر سنوات من
الاعتقال، لا يفترض أن ينام أبداً كي يتعرّف إلى العالم بتفاصيله. ولكنه لا يحتاج
إلى هذه «البرمة»، لم يتكبّد خسائر أصلاً كي يعوّضها. الاعتقال محطة طويلة جداً،
صعبة وقاسية، لن ينساها، ولكنها ليست هاجساً تمنعه من الانخراط في الحياة، وفي
العطاء.
منحته الحياة الزوجية نوعاً من الاستقرار، «هناك من يجد نفسه أمام مسؤوليات تدفعه
للانتباه إلى ذاته أكثر، إلى كيانه الخاص جداً، أكثر من انتمائه إلى المحيط الأعمق
والأوسع». ولكن سمير شكّل حالة استثنائية، «منزله لن يأسره، سيكون جزءاً من هذه
العائلة، يقوم بواجباته، لكن لن يكون أسيرها». لا تخطفه عائلته الصغيرة من عائلته
الكبيرة، ولن تخطفه. «كثير من المجاهدين الموجودين على الجبهة، لديهم أطفال،
واستشهدوا، ولم يتناقض الأمر مع وجود أطفال في حياتهم».
بتقديره، عندما ينتقل الإنسان من واقع إلى آخر، يفترض أن يكون جزءاً من الواقع
الجديد. تكيّف بسهولة معه، لأنه كان يعرف ماذا يريد من نفسه ومن الآخرين، رفع سقف
توقّعاته من نفسه، وخفّض سقف توقعاته من الآخرين.
الخارج عالم غريب عجيب بنظره. مجتمع الأسرة يعبق بالقيم، لا يشبه غيره، متماسك،
متضامن، عادل. لا يمكن لأسير أن يشبع جوعه فيما زميله جائع. منظومة القيم عالية جداً،
حبذا لو تصلها بقية المجتمعات. كبفية التعاطي مختلفة، حتى مع السجّان، كي لا يميّع
الصراع ويتحول إلى صداقة، تسوده الحدود والضوابط التي يضعها الأسرى.
يفتقد اليوم لهذه المفاهيم، ما سبب له بعض الصعوبات. صُدم ببعض الأشخاص، اكتشف أن
العقل الماديّ يسيطر على أذهان البعض، الجزء الأكبر يبحث عن كيفية تحقيق ذاته
كإنسان وكيفية الاستفادة من محيطه إلى أقصى درجة ممكنة، بشكل مادي وجشع، وليس
الإفادة. هذا الواقع يتناقض مع الداخل، هناك يفكرون كيف يفيدون واقعهم، للصمود،
وليس الاستفادة منه.
الواقع السياسي في لبنان، مزمن، لم يتغيّر، مذ أن رأت عيناه النور، هو ذاته، تاريخه
ينبئ بمستقبله، لأنه نسخة مطابقة للأصل. التناقضات الحادة هي المتحكّمة. مشهد غريب
لا نظير له، التسليم بالاحتلال والمقاومة، في جغرافيا واحدة. لم يستغرب المشهد،
ولكنه لم يفهم كيفية استمراره. هذا الوطن الذي قدّم هذا الكمّ الهائل من الشهداء
والتضحيات، كيف له أن يتعايش مع هذا الواقع السـوريالي؟
يختم القنطار بالتساؤل: هل سنبقى رهائن لهذا الواقع تحت مسميات وشعارات التوازن
والتوافق والعيش المشترك؟ شعارات سخيفة وفارغة في ظلّ تعايش العميل والمقاوم معاً؟
لا بدّ لهذا الواقع أن ينتهي، لأنه سينتج أجيالاً مشوّهة.
كلير شكر
assafir
16/08/2010