كَرْمول

 

 

  فيصل سليم التلاوي

 

08/09/2009

 

     عهدنا بذلك الضريح منذ أيام طفولتنا الأولى ، إنه ينتصب عاليا متميزا على ما حوله من قبور في الطرف الشرقي من مقبرة قريتنا المحاذي للبيادر ، وعندما كنا نؤخذ بهيبة الضريح وضخامته ، فنسائل بعضنا بعضا :

 

- قبر من هذا ؟

 

فيصدمنا الجواب الذي يحيرنا أكثر من السؤال ذاته :

 

- قبر كَرْمول .

 

ولا ندري من هو كرمول هذا ، إذ لم نسمع عن اسم شخص آخر ، أوعائلة في قريتنا تحمل هذا الاسم ، فيزيدنا الاسم حيرة ، ونظن أن هذا الشخص مقطوع من شجرة ، وأنه لا قريب له ، ولا أحد يحمل اسمه في قريتنا.

 

ويظل القبر المهيب الشامخ يبعث الحيرة في نفوسنا ، فنتمادى بالسؤال :

 

- وكيف مات ؟

 

 فلا نحير جوابا سوى همهمات متقطعة ، و نتفٍ من القول متضاربة :

 

- مات مقتولا .

 

- قتله شخص من قرية أخرى .

 

- ولم يأخذ أهله بثأره ؟

 

- الله انتقم من القاتل ، فقد أصيب بالأمراض والقروح التي أكلت سائر بدنه ، حتى أن كامل بدنه المتقيح كان ملفوفا بالقطن والشاش يوم وفاته . هكذا روى من شاهدوه .

 

- يستحق ذلك وأكثر ، فالقاتل جزاؤه القتل .

 

     وكبرنا قليلا ، وصرنا نتهجى الحروف ، وقرأنا اسم صاحب الضريح كاملا ، فعرفنا أنه ينتمي لعائلة من بلدتنا ، وأن كرمول ماهو إلا لقب قد التصق به .

 

وعندما عاودنا سؤال بعضنا بعضا هذه المرة عمن قتله ، جاءنا الجواب :

 

- لقد قتله الإنجليز ، أعدموه رميا بالرصاص على صخرة الموت في عقبة الباذان شرقي نابلس ، بعد أن وشى به جاسوس من القرية الفلانية ومن العائلة الفلانية ، ودلهم على مكان اختبائه .

 

وأضاف زميل يكبرنا سناً ومرحلة دراسية ، يبدو أنه قد قرأ شيئا عن تاريخ بريطانيا، -  واللقب الحقيقي ليس كرمول كما نلفظه ، بل إنه ( كرِيمويل ) باسم الثائر الإنجليزي ، الذي ألغى النظام الملكي في بريطانيا ، وأعلن الجمهورية عام ألف وستمئة وثمانية وأربعين ، ويبدو أنه قد لقب بذلك من قبل بعض رفاقه الثوار تشبيها له بالثائر الإنجليزي في محاولة لإغاظة الإنجليز .

 

 وبعضهم يقول بل لقبه بذلك بعض الضباط الإنجليز ، تندرا وسخرية في تشبيهه بالثائر الإنجليزي الذي انتهى أمره .

 

     كان كرمول هو الشخص الوحيد الذي التحق بالثورة من بين جميع أبناء قريتنا ، في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي ، يوم كانت بلادنا فلسطين تخضع للانتداب البريطاني ، الذي مهد لقيام الكيان الصهيوني على أرض بلادنا ، بينما كان عشرات غيره يعملون جنودا و ضباط صف في الجيش الإنجليزي ، في وحداته وتشكيلاته المختلفة على مدى سنواته الثلاثين ،التي هي طول المدة التي أمضاها الإنجليز محتلين لبلادنا ، وحتى بعد مغادرتهم غير مأسوف عليهم عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين ، وتسليمهم البلاد لليهود ، فقد بقي من أمضى الخدمة العسكرية الكاملة ، واستحق الراتب التقاعدي ، يتقاضى راتبه بعد ذلك عشرات السنين ، من خلال السفارة البريطانية في عمان ، حتى وفاة آخرهم قبل سنوات معدودة ، للدلالة على عدل بريطانيا ، وزنتها بالقسطاس المستقيم ، الذي يبيع الجمل ، لكنه يحتفظ لصاحبه بالرسن حتى آخر يوم .

 

     تسمية الوحدات التي خدموا فيها ، والتي تواترت إلى أسماعنا عبر حكايات جداتنا وأمهاتنا تسميات عجيبة مدهشة .

 

      والدي كان أول أمره متطوعا ، حاله حال غيره من أبناء قريتنا ، فقد كان اسمهم ( المتطوعين ) ، بما تحمله كلمة التطوع من طهر وقداسة وعمل خير دون طمع في أجر ، وتذكرك بصدقة التطوع وصوم التطوع ، ( ومن تطوع خيرا فهو خير له ) ، فحتى الأسماء التي أطلقناها لاحقا على الانخراط في سلك الجندية ، بعد أن صارت لنا دول وطنية مستقلة ، مثل ( الخدمة الوطنية و خدمة العلم والجندي المكلف ) ، كل هذه التسميات لا تقترب ولو قليلا في طهرها و نقائها من كلمة التطوع ، فتخيل نفسك متطوعا في الجيش الإنجليزي بملء إرادتك ، لا تريد جزاء ولا شكورا ، وهو الجيش الذي خطط ونفذ وسلم وطنك لليهود .

 

     لقد تسللت كلمة المتطوع إلى نفوسنا ، وانغرست في تراثنا الشعبي ، و علقت بذاكرتنا ، فأنا لازلت أذكر وأردد أحيانا بعض المقاطع الشجية ، مما علق بذاكرتي من ( ترويدات ) جدتي وأمي في أيام طفولتي الأولى في سنوات الخمسينات ، وحتى بعد أن انفض المولد وولت بريطانيا وأيامها ، وانحل عقد المتطوعين ، وأمهاتنا لا زلن يرودن :

 

طاب الحنينِ ، حنني لـــــــي يَمّا  ، تعودوا سالميــــــنِ

صفي شجر خوخ يا طريق المتطوع

صفي شجر لبلاب يا طريق الغّياب

 

لقد تطوع آباؤنا ، ولكن إلى أين ؟ لقد تطوعوا جنودا في جيش بريطانيا العظمى ، ليخوضوا حربها العالمية الثانية ، فقد قاتل أبي في معركة العلمين تحت قيادة الماريشال مونتغمري ، وساهم في أول هزيمة للألمان في الحرب العالمية ، وأسر غيره من أبناء قريتنا ، وما عادوا من أسرهم إلا بعد سنوات من انتهاء الحرب ، وبعد أن يئس ذووهم من عودتهم .

 

وعندما لقيت والدي مرة في أواسط السبعينات ، وحدثته عن سفري برا من ليبيا إلى مصر ومروري بالعلمين ، استرسلت ذاكرته وراح يصف لي الأماكن والمعالم التي مررت بها قبل شهور فقط ، فيسألني عن ( برج العرب والضبعة وسيدي براني ) وكل تلك الأماكن التي عسكر بها قبل نيّف وثلاثين عاما من حديثنا ذاك ، وكأنه مربها بالأمس ، وأحيانا كان يصف لنا ( عاليه ) في جبل لبنان وبرودة شتائها وغزارة تساقط ثلوجها ، وقد عسكر فيها حينا ، متطوعا لنصرة حكومة فرنسا الحرة الديغولية ، ضد حكومة فيشي الموالية للألمان .

 

    وأنا لا ألوم أبي ولا أبناء جيله على ما فعلوا ، فقد كان ذلك مبلغهم من العلم ، وتلك كانت وسيلة العيش الوحيدة المتاحة أمامهم ، والتي ورثوها عن آبائهم .

 

ألم يكن جدي وأبناء جيله جميعا يساقون بالإكراه وليس بالتطوع ، قرعة بعد قرعة كل عام من قبل قوات ( الأخذ عسكر ) الانكشارية ، ليخوضوا معارك السلطان في القرم والبلقان وترعة السويس ، وفوق كل أرض وطأتها أقدام الإنكشارية .

 

    ولسنا في ذلك بدعا من الشعوب ، فشعب المليون ونصف المليون شهيد في  الجزائر ، خاض أبناؤه حروب الهند الصينية ، وتجرعوا من هزيمة ( ديان بيان فو ) أكثر مما تجرع الجنود الفرنسيون . فقد كان معظم جنود الجيش الفرنسي من الجزائريين والمغاربة والسنغاليين وسائر الأفارقة ، وحتى القوات التي حررت فرنسا من الغزو النازي كانت في معظمها من الأفارقة أبناء المستعمرات .

 

    صحيح أنهم أبعدوهم عن الواجهة الأمامية ساعة اقتحام باريس ،  وقدموا عليهم الفرنسيين والأوروبيين والأمريكيين ، حتى لا تظل سُبة في جباه الفرنسيين أن الأفارقة هم من حرر لهم باريس ، فيطالبوهم بأن يتركوهم وشأنهم بعد الحرب ، ويمنحوهم استقلالهم مقابل هذه التضحيات .

 

    ذلك أمر هين وعادي بمقاييس ذلك الزمان ، وكانت تسمياته تتطور تبعا لتغير المهمات المنوطة بجنوده ، فمن ( المتطوع ) إلى ( الزنار لِحمر ) إلى ( الإضافي ) فيقول الناس :

 

- فلان خدم في ( الزُنار لِحمر ) ، وهو فرع من فروع الشرطة ، يميزه أهل بلادنا بالحزام الأحمر الذي يطوق صاحبه ، ثم خدم ( إضافي ) ، دون أن يفطنوا أن هذا الإضافي يعني قوات الشرطة الإضافية ، التي احتاجت بريطانيا لتجنيدها لقمع ثورة أهل فلسطين احتجاجا على استمرار الهجرة اليهودية ، فالقوات الإضافية التي كانت أمهاتنا تتباهى بانتساب أزواجهن لها ذات يوم ، هي القوات التي كانت مكرسة للقضاء على الثورة وإخمادها .

ثم تتطور القوات ليصبح اسم بعض وحداتها ( قِوِة لِحدود ) بترقيق القاف وقلبها كافا مع كسرها وكسر الواو بعدها ، دون تحديد أية حدود هي المقصودة بذلك  . فقوة الحدود كلمة مجردة ، تعني حماية حدود الوطن من أطماع الطامعين وكيد الكائدين .

 

 و فيما علمناه فيما بعد ، أن حدود بلادنا الغربية على طول شاطيء البحر المتوسط ، هي التي كانت مستهدفة من قبل أعدائنا المهاجرين اليهود ، الذين واصلوا الزحف عبرها كأسراب الجراد طيلة عهد الانتداب البريطاني . لكننا أدركنا لاحقا أن

( قوة لحدود) كان اسمها الكامل ( قوة حدود شرقي الأردن ) .

 

فما لنا ولحدود شرقي الأردن يومها ؟ ونحن أعجز من أن نحمي حدود فلسطين ، بل ونخضع لنظام الانتداب والحماية ،أليس لشرق الأردن من يحمي حدودها ؟

 

فإذا تلك القوة كانت مهمتها حماية حدود فلسطين الطويلة مع شرقي الأردن ، من بلدة الحمة بجوار بحيرة طبريا شمالا ، وحتى أم الرشراش على شاطيء خليج العقبة جنوبا . وحمايتها ممن ؟

 

حمايتها من مجاهد وهب نفسه للدفاع عن فلسطين ومسجدها الأقصى ، ربما باع أرضه وكل ما يملك ، واشترى بها بندقية ، وجاء عابرا البراري والفيافي من المغرب أو الجزائر أو اليمن أوالحجاز أو العراق ، وربما أبعد من ذلك من الهند أو أندونيسيا أو البوسنة ، جاء باذلا نفسه وما يملك ، مجاهدا في سبيل الله ملبيا دعوة الجهاد ، لنصرة فلسطين ومسجدها الأقصى وأهلها ، فإذا نحن ( قِوِة لِحدود ) تقف له بالمرصاد لتحول بينه وبين مبتغاه ، بصده أو أسره أو قتله .

 

    كل ذلك كان مفهوما و مبررا ويمكن استيعابه بمقاييس ذلك الزمان و مفاهيمه وسذاجة أهله ، لكن ما يضع العقل في الكف هو تكرار تلك الحالة في أزمنة لاحقة ممتدة حتى زماننا ، وبمسميات تتجدد كل آن .

 

 

صفحة الشاعر والقاص والروائي : فيصل سليم التلاوي على صفحات غوغول هي :

http://tellawifs.googlepages.com