|
|
|
على الرغم من أنه كان قد أصدر العديد من المجموعات الشعرية اللافتة، التي جعلت منه واحدا من أبرز الشعراء العرب، إلا أن كتابه النثري الأول "رأيت رام الله" (الصادر في طبعته الأولى العام 1997 عن "دار الهلال" في القاهرة) هو الذي فتح أمام الكاتب الفلسطيني مريد البرغوثي أفق العدد الأكبر من القرّاء. الكتاب هذا، صدر العام الماضي (2008) في طبعته البيروتية الثالثة عن "المركز الثقافي العربي"، بالإضافة إلى طبعات أخرى عن "دار الشروق" (رام الله) و"الهيئة العامة لقصور الثقافة" (القاهرة)، ناهيك عن ترجماته المتعددة (الفرنسية، الاسبانية، الهولندية، النرويجية، البرتغالية، الأندونيسية، التركية، الصينية..). ربما في ذلك، سمة من سمات العصر الحديث: إقبال القراء على قراءة "النثر" والسرد، والابتعاد عن قراءة "الشعر". في أيّ حال، لا ينفي أمرٌ أمرًا آخر. ففي تعاقب النوعين، بنى مريد البرغوثي حضورا جميلا في الكتابة العربية الراهنة، ليُصدر مؤخرا كتابا جديدا "ولدتُ هناك، ولدتُ هنا" عن منشورات "رياض الريس للكتب والنشر"، الذي يمكن لنا أن نعتبره، "جزءا ثانيا" من كتاب "رأيت رام الله" (أو تكملة له)، إذ نقع على السرد الفاتن نفسه الذي تميّز به كتابه الأول، كما نقع أيضا على المناخات عينها، هي المناخات التي تغلف مناطق "السُلطة الفلسطينية"، لا فلسطين التي حلم بها طيلة سني المنفى التي استمرت لأكثر من ثلاثين عاما . في "رأيت رام الله"، تحدث مريد عن زيارته الأولى إلى الضفة الغربية، تلك الزيارة التي أصبحت ممكنة بعد اتفاقيات أوسلو، ليروي لنا سيرة الرحلة والاكتشاف، بالأحرى سيرة إعادة التذكر. تذكر مرتع الطفولة والصبا اللذين غادرهما ذات يوم، للذهاب إلى القاهرة كي يكمل دراسته الجامعية، إلا أنه لم يستطع العودة، بعد حزيران 1967، إذ أقفل كل شيء أمامه، ليعيش في الحلم والمنافي، إذ كما نعلم، تم طرده من مصر أيضا، ولم يستطع العودة إليها إلا بعد سنين عديدة . "رأيت رام الله" كان كتاب مريد البرغوثي، أقصد أنه كان بحاجة إلى هذه الرحلة كي يستعيد ما بقي له من أحلام تركها منثورة على جدران المدن التي عاشها قبل النكسة، كما كي يستعيد ملامح قريته "دير غسانة"، بكل تفاصيلها، كما بكل وجوهها ووجوه أقاربه الذين تكاثروا وتوالدوا. الرحلة بهذه المعنى، كانت إعادة ولادة، وإعادة ترتيب حياة، ولو بشكل "افتراضي" إذا جاز التعبير. إعادة ترتيب أشبه بعملية فتح لهذا "الصندوق العتيق" الذي يحوي العديد من الصور القديمة. وعند كل صورة كان يتوقف، ليخبرنا قصصا ومرويات وحكايات، ولكن أيضا ليطلعنا على موقفه الراهن عبر تماسه المباشر مع كل حدث. بهذا المعنى، لا يأخذ الموقف السياسي الذي كان يبثه من خلال السرد، موقفا سياسيا صافيا، بل تأخذ "السياسة" التي كان يكتبها موقفا أخلاقيا واجتماعيا، هي موقفه ونظرته ورغبته ككائن إنساني أولا وآخرا . اكتشافات وخيبات كانت رحلته مليئة بالاكتشافات، وكانت أيضا مليئة بالخيبات. ومع ذلك، لم يقطع حبل السرة مع المكان، إذ قرر أن يعود إليه. نقرأ في نهاية كتاب "رأيت رام الله" التالي: "أهيئ حقيبتي الصغيرة استعدادا للعودة إلى الجسر، إلى عمّان فالقاهرة، ثم إلى المغرب حيث سأقرأ شعرا في أمسية بالرباط. أقضي في الرباط أقل من أسبوع. ثم إلى القاهرة لأعود وبصحبتي رضوى وتميم لقضاء الصيف مع أمي وعلاء في عمّان. في عمان سأنتظر تصريح تميم. سأعود معه إلى هنا. سيراها. سيراني فيها. وسنسأل الأسئلة بعد ذلك". هذه الأسئلة هي التي تشكل كتابه الجديد "ولدت هناك، ولدت هنا". إذ نحن أمام رحلة جديدة، يقوم بها الكاتب، لكنها هذه المرة برفقة ابنه تميم (الشاعر تميم البرغوثي)، إلى مناطق السلطة. بيد أن الكتاب لا يبدأ من الجسر إلى الداخل، بل يبدأ من رام الله في طريق العودة إلى الأردن لاصطحاب تميم من هناك للعودة إلى الداخل. للحظات تشعر بأن عودته هذه، هي وصف لنهاية رحلته السابقة . إحساس لا يعمل الكاتب على نفيه. بل ثمة "منطق" خاص يفترضه السرد يجعلنا نذهب عميقا إلى هذه الفكرة. في أيّ حال، يستطيع السائق محمود أن يوصله بسلام إلى الجسر، في ظلّ الأخبار التي تحدثت عن بداية الاجتياح الإسرائيلي لرام الله. وفي الطريق، مسافة لاكتشاف الأشخاص الذين كانوا يرافقونه في سيارة الأجرة. هي أيضا مسافة للتفكير بالمتغيرات العديدة التي طرأت على كلّ شيء. مسافة لمعرفة أحوال من يعيش بعد، تحت الاحتلال، ولمعرفة ما يشعرون به . تدهور
صحيح أن هذه الرحلة إلى الداخل أعادت إلى مريد البرغوثي وصل أشياء أخرى انقطعت ذات يوم، إلا أن الهدف الحقيقي والفعلي يكمن في أمر آخر: في "رأيت رام الله" أعاد الكاتب اكتشاف جزء من حياته، في "ولدت هناك، ولدت هنا" ثمة رغبة في أن يجعل ابنه يكتشف هذه الحياة، بمعنى آخر، وكأننا أمام أب "يورث" ابنه هذا المكان، كي يبقى حاضرا بدوره، بالأحرى كي يستمر بالحضور بعده، عبر أقرب الأشخاص إليه. بالتأكيد يفترض ذلك أن نكون أمام "مكانين": مكان الوالد وما يمثله من ذاكرة وحياة ماضية، ومكان الابن وما سيمثله مستقبلا في سيرته ومسيرته. قد يفترق المكانان وقد لا يفترقان، لكن الأهم أن تبقى "الفكرة". كل محاولة مريد البرغوثي أن يُبقي هذه الفكرة حاضرة عبر الكتابة، وكأن فلسطين التي "فقدت مكانها الواقعي" ليست في النهاية إلا فكرتها الخاصة. من هنا يبدو هذا الكتاب، كتاب "تميم"، بمعنى من المعاني، بعد أن كان الأول "كتاب مريد" . عبر السرد الجميل عينه، ندخل مع مريد البرغوثي إلى حلقة جديدة من بعض تفاصيل سيرته الذاتية، إلى حلقة جديدة من علاقاته اليومية والفكرية. رحلته ليست حيّزا لكتابة ما يشاهده أو ما يراه فقط، بل هي مناسبة وحيّز آخر لاستدعاءات متعددة وتعليقات وأفكار شتى تمنح الكتاب العديد من الأبعاد الأخرى، كأن يقدم لنا مثلا "بورتريه" آسرا عن الكاتب الفلسطيني الراحل حسين البرغوثي، أو حين يستدعي في الفصل المعنون "ساراماغو" ( الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو) تفاصيل رحلة البرلمان الدولي للكتاب الذي زار "المقاطعة" للقاء الرئيس الفلسطيني (الراحل) ياسر عرفات، إذ كان في حركتهم هذه محاولة لفك الحصار عنه بعد أن حاصره الجيش الإسرائيلي في مكان إقامته. صورة غسان كنفاني وناجي العلي تعود أيضا لتحضر خلال الذكريات والتفاصيل الصغيرة التي يرويها عنهما، أو أيضا الصور المتفرقة التي تشبه لعبة "البازل" التي لو جمعناها (من الكتابين) لاستطعنا تركيب لوحة متكاملة تمثل صورة الكاتبة المصرية رضوى عاشور (زوجة الكاتب)، بالإضافة بالطبع إلى العديد من الشخصيات الأخرى.. لكن بين ذلك كلّه، لا ينسى مريد أنه شاعر بالدرجة الأولى، حيث يبث بين ثنايا الكتاب العديد من القصائد . إلا أن القصائد هنا، لا تقتصر على تذكيرنا بذلك، على تذكيرنا بحبه الكتابي الأول، بل هي تأتي لتكمل الفكرة أو لتوضحها، فحين "يعجز" السرد، على حمل الحدث إلى مستوى أعلى، تأتي الأبيات الشعرية لتصوغ ذلك مانحة إيّاها بعدها الدرامي، أو لنقل التراجيدي . هي تراجيديا أخرى، ذاتية، خاصة، جوانية، تلك التي يكتبها مريد البرغوثي في "ولدتُ هناك، ولدتُ هنا". إنها قبل أي شيء آخر "تراجيديا المكان"، تماما بالمعنى الإغريقي، وكما وجدناه في الأساطير القديمة. نعرف تماما أن غالبية أسماء الأماكن في الأساطير اليونانية، هي أماكن متخيّلة، غير موجودة، أو على أقل تعديل هي أماكن لم تعد معروفة اليوم، اختفت، لكننا نعود إليها، لأنها حاضرة في الذاكرة. ربما في "الهناك والهنا" – (حين يكون خارج الوطن المحتل فهو يمثل له الهناك، وحين يكون داخله يمثل له الهنا) – استعارة باطنية لتراجيديا الأماكن الإغريقية هذه، لكنها استعارة مقلوبة بعض الشيء، ففلسطين على الرغم من أن مكانها على الخارطة معروف، إلا أنها "غير موجودة" في الواقع، ربما بهذا المعنى تحاول الكتابة أن تستردها، حين تعجز الأمور الأخرى عن استردادها .
|
16/09/2009