عن القلم والشطب ولطخة الحبر

 صلاح بن عياد

25/09/2009


القلمُ، هذا الذي يبرد الآن بلا مهنة. لا حياة له ربّما سوى تحت الإملاءات المدرسيّة. هذا الذي تراه مائلا على إحدى الضفائر يشدّ كعكة الشََّعر إلى نفسها يقوم بدور دبّوس الشعر. القلم الآلة التي في طريقها إلى الانقراض أو إلى المتاحف رفقة الريشة والقرطاس والمخطوط والدّواة، أبناء جلدته. سوف لن نصدّق بسهولة الذي يبدأ كلامه بكلام من نوع: 'أخذت قلمي'، 'أخطّ'، 'أكتب'، بعد التثبّت من مادة( ك ـ ت ـ ب ) في القواميس، بل لن نصدّق إلا بعد تنازل ما، الذي يُمضي نصّه المنشور أيّا كان بـ 'كاتب من (الأرض)'.

القلم، دبوس الشعر الحاليّ (في الغالب)، كان استعارة الشعر (في الأغلب). لسان اللسان أو أخ اللسان، لطالما كان الجمع بينهما كقولنا سليط اللسان في حال الشفوية أو سليط القلم في حال الكتابة. القلم ذاك الذي تعطيه الحضارة الإسلاميّة صفة المخلوق، بل هو أوّل مخلوق عندما كان العرش ماء، (الحديث الشريف). إنه اليوم كمخلوقات عديدة في طريقه إلى الاختفاء.

لنا وليكن خارج سياق مادّتنا أن نبسط للقارئ فقرة عن أشكال القلم التي كانت تتجدّد إلى حدود أشكاله الفخمة والمتطورة إلى حدود القلم الالكترونيّ كآخر نسخة له اليوم، فمن شكله المدبّب لحفر ألواح بلاد الرّافدين حوالي أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، في وقت كان فيه المصريّون القدامى يستخدمون 'القلمة' القصبيّة calame لكتابة نصوصهم.

ريشة الطيور تلك التي يسمّيها الفراعنة 'المسطّرة لكلّ شيء'، قد تكون الآلة التي تعود إليها مزيّة كبرى في تخليد ذاك الكمّ الهائل من النصوص العظيمة، معظم أرشيف الأرض المكتوب الذي يعجّ بآثار دبيبها. بدأت الكتابة باستخدام الريشة المدبّبة أو المعالجة في مستوى طرفها بشكل يسمح بالاحتفاظ ما أمكن بالحبر منذ القرن الرّابع الميلادي. ولنتخيّل كاتبا يمسك ريشته - تلك الناعمة- ليكتب فعلى المحبرة أن تكون مليئة دائما حتى تستطيع آلتنا النيل من المداد، ولنتخيّل مفكّرا تتقافز في مخيلته الأفكار مسترسلة وكيف ينبني لا توازن بين بطء الرّيشة وسرعة الذهن الذي تتوالد فيه كم فكرة في الثانية. سيتوجّب عليه كلّ مرّة - بعصبيّة أحيانا- إعادة تلك الريشة إلى المحبرة. وسنتخيل كم مرّة علينا معالجة طرفها المحبرّ إثر تآكله من فرط خبطها على المحمل أيّا كانت مادته. ولن ننسى طبعا لطخات الحبر الواقعة على الكلمات، والنقاط الجزاف، لكن الشكل البصريّ الجميل الذي يتشكّل في هدوء إنساني منقرض.

الخطوط وجماليّاتها كانت بحسب الآلة. سننتظر إلى حدود القرن التاسع عشر ماسكين تلك الريشة مع محاولات لم تكلل بنجاح حقيقيّ لتغييرها أو للاستغناء عنها، فقد حاول الإنسان تغيير ذاك الطرف الحامل للحبر واستخدم الطرف الأخير من قرون الحيوان، كما استخدم قشرة السلحفاة إلخ...

خلال القرن التاسع عشر أصبح بأيادي مبدعينا ريشات من معدن، جزءان في الريشة طرف معدنيّ وحامل لذاك الطرف. هي الريشة التي درس بها آباؤنا وقد استخدمت في أوروبا إلى حدود سنة 1965، ترك لنا العديد من الرسّامين صورا لها نستطيع تكوين فكرة ولو عامّة عن شكلها منذ عصر النهضة ودافنشي من أولئك الذين تركوا لنا تصميما دقيقا لمكوّناتها الرسم متوفر في كتاب 'مخطوط أطلنتيكا لدافنشي' codex Atlantica de l'onard de Vinci. سنة 1827 ترك مخترع رومانيّ يدعى بيتراش بواينارو Petrache Poenaru كلمة في العاصمة باريس متحدّثا عن 'قلم- ريشة' قائلا: 'إنّها ريشة لا ينتهي حبرها، نستطيع حملها أينما ذهبنا، وتمدّ الحبر نفسها بنفسها' كانت مجهزة بمحبرة تضخ شيئا فشيئا تلك الآلة بمدادها.

ولا نستطيع التحدّث عن القلم في شكله الجديد إلا ابتداء من سنة 1884 بعد تجديده من طرف لويس إدسون وترمان Lewis Edson waterman . هذا الرجل لم يكن سوى موظف تأمين، في إمضائه لأحد العقود المهمّة تساقطت لطخة حبر هائلة أفسدت إمضاءه وأجلته إلى وقت لاحق. كانت الحادثة هذه دافعا إلى أن ينكبّ ليطلع علينا بالقلم في شكله الجديد، السريع ومخلص الكتاّب من مشاكل فنيّة ناتجة عن استخدام الريشة لذلك سمّي قلم واترمان بـ'السّوي' the regular.

أمّا القلم المتكوّن من تلك الحبيْبة الفولاذية الصغيرة فقد بدأ بالتشكل سنة 1888 على يد الأمريكيّ جون ج. لود John J Loud ومن الحكايات المتداولة أن هذا الرجل قد خامرته الفكرة وهو يتأمل أطفالا يلعبون لعبة 'الكجة' الشهيرة قرب مجرى مياه، كانت الكجة وهي تجري على الأرض الوعرة تخلف أثرا دقيقا ومستويا على الأرض النديّة.

القلم جزئيّة من ورشة الكاتب الكبرى، فلعلّ علاقة ما حميميّة طالما جمعت هذا الأخير بالقلم، حتى أنّنا نعثر على أقلام عديدة (وريشات الرسامين أيضا) في متاحف عالميّة، فنقول هذا قلم فلان كتب به كتابه الفلانيّ، والكتابة في نسختها اليدويّة الصّافية قد تنتج نصوصا خاصة تتدخّل فيها طرق وظروف تلك الكتابة، فليس من يكتب في حديقة عموميّة كمن يكتب على مكتب فخم في منزله حتى أن لويس الرّابع عشر كان قد هيأ للكتاب مكانا مزوّدا بمناضد للكتابة، ومكاتب مزوّدة برفوف للكتب غاية في الأناقة تغري القلم، علاوة على النقوش والألوان المزدهرة في عصره.

قد يكون العرب أكثر الشعوب وفاء للقلم في نسخته 'الريشيّة'، وهم أيضا من برعوا في تفجير تلك الممارسة اليدويّة إلى درجة أنهم يميّزون ريشة الجناح الأيسر عن الأيمن، لذلك كانت خطوطهم متعددة أكثر من غيرهم بتفانينه وتعقيداته. ولم يفوّت عديد الشعراء العرب فرص استغلال الكتابة كفعل مادّي شعريّا، ولنلحظ تمجيدهم للكتاب أو النسّاخين والورّاقين فيقال 'حسن الكتابة'، 'مليحها'، 'جيّدها'، 'ماهر فيها'، 'حلوها'. فهي صناعة تعلو إلى مرتبة الفنّ والكاتب كان بدءا خطّة يوكلها الحاكم لمن عرف بخفة يده، مهارته، علاوة على نزاهته وأمانته وكتمانه السرّ.

ورد على سبيل المثال في كتاب 'السلوك لمعرفة دول الملوك' لصاحبه المقريزي قوله عن الشيخ بدر الدين محمد بن إبراهيم بن محمد البشتكي الذي 'وجد في حوض الحمام ميتاً، وكان أحد أفراد الزمان في كثرة الكتابة، ينسخ في اليوم خمسة كراريس، فإذا تعب اضطجع على جنبه، وكتب كما يكتب وهو جالس. فكتب ما لا يدخل تحت حصر'، وآخر كان يعيش من نسخه لديوان المتنبّي وهو عيسى بن أحمد الهمذاني الذي يقول: 'كنت أشتري كاغدا بخمسة دراهم فأكتب فيه ديوان المتنبي في ثلاث ليال وأبيعه بمئتي درهم وأقله بمئة وخمسين درهماً' (المنتظم لابن الجوزي).

الكتابة في شكلها اليدويّ قد تكون مؤثرا هامّا على المادة المكتوبة، التهيّؤ لها، الجلسة، أخذ القلم، الورق ولونه، وقع القلم، لون الحبر، الدواة كانت قادحا للشعر فها هو أحدهم يقول متعجبا من قدرة القلم:

عجبت لذي سنّين في الماء نبته له أثر في كل مصرٍ ومعمر
ويقول ابو تمام في القلم أيضا:

له ريقه طلٌّ ولكنّ وقعهم بآثاره في الشرق والغرب وابل
فصيح إذا استنطقته وهو راكبٌ وأعجم إن خاطبته وهو راجل
إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت عليه شعاب الفكر وهي حوافل.

وتصف قينة في رسائل الجاحظ حبهّا لرجل مستعيرة الدواة تقسم له في رسالة كتبتها إليه أنها 'مدت الدواة بعينها'. وهنا سيصحّ القول إن القلم أحد اللسانين وهو كما يقول ابن عبد ربّه في العقد الفريد هو 'المخاطب للعيون بسرائر القلوب' ليؤكّده البحتري في قوله عن القلم:

وإذا تألّق في النَديّ كلامُه الـْ مصقول خِلْتَ لسانَه مِن عَضْبِه(من عضب أي قطع)
عومل القلم على أنه كائن حيّ، الحبر منه ريق، برأسه وقامته يجري على أرض خاصّة، من اللوح إلى القرطاس إلى السعف فالجلد فورق البردي الاختراع المصريّ القديم إلى الورق الحالي اختراع الصينيين القدماء والذي لم يصل أوروبا مثلا سوى خلال القرن الثالث عشر. فيقول أحدهم (من العقد الفريد):

يَنْطِق في عُجمة بلَفْظته نُصَمُّ عنها وتسمع البَصرا
إذا امتطى الخِنْصرين أذكرَ مِن سَحْبان فيما أطال واختصرا.

ومما يقال في الكتاّب في نفس المصدر الذي خصص فيه ابن عبد ربّه كآخرين فقرات طوالا لما قيل في القلم والدواة والكتابة والكاتب هذه المرّة قول الشاعر:

يا كاتباً نقشت أناملُ كفّه سحرَ البيان بلا لسانٍ يَنْطِقُ
إلا صَقيلَ المَتن مَلمومَ القُوى حُدّت لها زمُه وشُقَّ اْلمَفرِق
فإذا تكلّم رغبةً أو رَهْبَةً في مَغرب أصغَى إليه المَشرْق

ها هنا يؤمن العرب بالكتابة وبالقلم كسلاح يجاري السيف أو يتجاوزه، لذلك سنلقى تقاليد للاعتناء بتلك الآلة المبجلة، ففي رسالة بعث بها جعفر بن يحيى إلى محمّد بن الليث الكاتب يقول فيها: 'أما بعد، فليكن قلمك بحْرياً، لا سميناً ولا رقيقاً، ما بين الرقّة والغِلَظ، ضيّق النًقْب. فابرِه بَرْيا مُستوِيا كمِنْقار الحمامة، اعطِف قطّته، ورقّق شَفْرته. وليكن مدادُك صافيا، خفيفاً إذا استمددت منه، فانقعه ليلة ثم صفه في الدواة. وليكن قِرْطاسك رقيقاً مستوي النَسج، تخرج السِّحاة مُستوية من أحد الطرفين إلى الآخر، فليست تستقيم السطور إلا مِما كان كذلك'.

الأمر الذي ربّما دفع أرسطو قبلهم إلى القول: 'عقول الرجال في سنّ أقلامهم'، الكلمة وردت في كتاب العقد الفريد الذي تتوفر فيه مادّة ضافية تدلّ إن دلت عن قيمة كبرى أولاها العرب للكتابة وفنونها وللقلم بالضرورة وقيمته.

ليس القلم اليوم أكثر من ذكرى لدى العديد من الناس ومنهم الكتاب والشعراء، فلا يخفى على أحد أن ورشة الكاتب تلك قد تغيرت ملامحها من الآلة الراقنة إلى الحاسوب. فلم تعد اليد تتدخل في نوعيّة الخطّ وحجمه وحتى بناء القصيدة، فالورقة الافتراضيّة تلك والمتوفّر من الخطوط السويّة التي لا شائبة تشوبها، الشّاشة، الضوء المنبعث منها، خفة اليد في مدى تمكنها من الآليّات الإعلامية، ما قد يجري من عطب مفاجئ، إفلات الفأرة من اليد، الفيروس والإصلاح الأوتوماتيكي كلها معطيات أخرى على أطرافها وبمقتضاها يتكوّن النصّ. فيما عدا هذا اليد وهي تكتب كتابتها القديمة قد نلحظ اليوم سوء ما تخط على الورقة، التعريقات والانحناءات والانكسارات كلّها أشياءُ ليست في متناول أيادينا. لا لطخة حبر ولا حبر، لا أثر للشطب (بوصفه عودة سهلة للبياض)، بياض دائم ينتظر نقرات اليد، من تلك النقرات يتألف النصّ.

شاعر تونسي*