قراءات

حقوق الانسان. الصورة والظل لزكريا شاهين ، عرض و قراءة نادر سلامة

الدستور الامريكي واقع على طرفي نقيض , لان قواعد القانون لا تتوافق ومصالح الصفوة الأمريكية الحاكمة

اسم الكتاب: حقوق الانسان.. الصورة والظل

المؤلف: زكريا شاهين

عرض وقراءة: نادر سلامة

بعد كتابه تفاحة قابيل " ثقافة القتل"، يخرج علينا الكاتب الاستاذ زكريا شاهين في كتابه الجديد حقوق الانسان .. الصورة والظل، وهو كتاب يرصد الانتهاكات التي ترتكبها الولايات المتحدة الامريكية في مختلف انحاء العالم ، والمعززة بشريط وثائقي يترافق مع الكتاب.

يرى المؤلف، انه ليس هنالك دولة في هذا العالم، تدعي انها حريصة على حقوق الانسان، وتضع نفسها شرطيا لمحاسبة الاخرين، اكثر من الولايات المتحدة الامريكية.

ان السياسة الامريكية في مجال حقوق الانسان، سياسة فاضحة، منافقة، ذلك ان انتهاكات حقوق الانسان التي ارتكبتها الولايات المتحدة الاملايكية على مر تاريخها، ولا زالت تمارس نفس الدور، ليس لها حدود، ولا يمكن لاية احصائيات ان تجمعها دون بذل مجهود كبير لحجمها الكبير.

انتهاكات حقوق الانسان، ليست وقفا على السياسة الخارجية الامريكية، وانما ايضا تطال الداخل الامريكي، الذي توالت على حكمه نخب ذا مصالح خاصة قدمتها على مصلحة تالوطن، ناهيك عن ان الثقافة السائدة لدى هذه النخبة، تبيح لها ارتكاب انتهاكات حقوق الانسان وكانما هي ممارسات عادية.

من المفترض ان  دستور الولايات المتحدة يكفل الطمأنينة من حيث السياسة الداخلية لتحسين أحوال المصلحة العامة,  ورفاهية المجتمع وضمان حرية المواطن الامريكى لان الحرية هي القيمة الأساسية للأمريكيين, و التي تعنى العيش ضمن المبادئ.

الواقع الأمريكي لا يبدو مبهجا كما ثبّت في الدستور ولكنه إلى حد كبير مثار للجدل و الخلاف, و مما يبدو أن ألولايات المتحدة تنتهج سياسة الكيل بمكيالين , في الوقت الذي تطرح فيه نفسها راعية للديمقراطية و حقوق الإنسان .

يمكننا الاستشهاد بالمثل القائل أن ( فساد السمكة يبدأ من الرأس), ذلك أن القيادة الأمريكية , وبالرغم من ارتباطاتها والتزامها بموجب معاهدة الأمم المتحدة ، فقد تابعت القيادة الأمريكية  انتهاكاتها الدستورية وسياساتها الاعتباطية وممارساتها فيما يتعلق بحقوق الإنسان وحياة وحريات المواطنين , إن القوانين والمعايير الدولية التي ترفض الولايات المتحدة تطبيقها و احترامها , هي نفس القوانين التي تركض و تلهث وراء تطبيقها على الآخرين, بما في ذلك نشر ثقافة القوة و العسف والفوضى وعدم احترام القانون الدولي , متذرعة بترقية الحريات و الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وبذلك فان الدستور واقع على طرفي نقيض , لان قواعد القانون لا تتوافق ومصالح الصفوة الأمريكية الحاكمة, وعلى وجه التحديد مسؤولي الحكومة وأعضاء الهيئة التشريعية , المتورطون في شبكة الجريمة المنظمة , وهم أكبر رموز مجمعات الصناعات العسكرية- هؤلاء الذين لديهم الاستعداد في الذهاب إلى ابعد مدى لتحقيق بسط نفوذهم وغطرستهم , في الوقت الذي تتباهى فيه الولايات المتحدة بدستورها المستنير , والمواطن الامريكى وحدة الضحية والمتضرر جراء هذه الانتهاكات الدستورية.

ظهور النموذج الامريكي

لقد ظهر النموذج الامريكى  إلى الوجود قبل ما يقارب الـ 500 سنة بادئا بالغزو الامريكى ذو النمط الغربي- عندما بدا المستوطنون وبحماس شديد في  إبادة السكان الأصليين لأمريكا , وطردهم عن أرضهم , وبذا بدأت ثقافة الرجل الأبيض, حيث استمرت هذه الظواهر طوال مسيرة التاريخ الامريكى لتعود وتزدهر اليوم , بفضل الإدارة الأمريكية المدعومة ماليا و عسكريا.

لقد تحولت الثقافة إلى الآلة المحركة للعديد من الانتهاكات الخطيرة وخصوصا , التمييز العنصري والتفرقة ، فالأفارقة الأمريكيين والملونين وباستخدام اللقب العنصري , تتم معاملتهم  على أساس أنهم مواطنون من الدرجة الثانية , وتقليديا يتم اختزالهم إلى قاع المجتمع , والنتيجة ، ذلك التدني  الشديد في مستوياتهم المعيشية ، أن دخل الامريكى الأبيض اعلى بما يعادل 64% عن دخل الأمريكيين الأفارقة, والفقر والعازة في أوساط البيض تبلغ 8% بالمائة بينما تبلغ في أوساط الأفارقة الأمريكيين لتصل إلى 25%, كما تقل استفادتهم من  نظام الضمان الاجتماعي ثلاثة مرات عن البيض, ومن الملاحظ إن معاملة التمييز العنصري تتجلى حتى في خطط إدارة الطوارئ حيث أن عمليات الإنقاذ  حسب  قوائم الحصر توضح أن  فرص الأفارقة الأمريكيين هي الأدنى على الإطلاق, كما وضح ذلك في مضاعفات ما بعد إعصار كاترينا..

إضافة إلى ذلك فانه يتم تعرض الأفارقة الأمريكيين إلى التمييز العنصري في العمل وفرص الحصول عليه – و كما تقول الاحصائيات بما فيها الرسمية ، فان معدل البطالة في اوساط الأفارقة الأمريكيين  تبلغ ضعف ما هو بين الأمريكيين البيض- اذ تتلقى المفوضية  الوطنية للتشغيل ستة وعشرون الف شكوى سنويا بشان عدم المساواة في توزيع فرص العمل  , فمثلا، من المعروف والمدهش جدا أن فيريل لينش ، وهي واحدة من اكبر شركات الأموال , تقع على رأس قائمة أسوأ أرباب العمل فئ ممارسة التمييز العنصري.

عام 2006 وفي تقرير لمركز الدراسات السياسية والاقتصادية تم الكشف على ان الحكومة و الإعلام الأمريكي ، كان لهما اثر سلبي فئ تعليم الشباب  الأفارقة الأمريكيين ، فالتمييز العنصري سلوك شائع في أوساط طلاب المدارس الثانوية العليا وأيضا الكليات والجامعات ،  وحتى الكليات العسكرية ، لذلك ، فان اكثر من نصف الطلاب  الأفارقة يغادرون المؤسسات التعليمية قبل الحصول على شهاداتهم بسبب التحرش العنصري من جانب الطلاب والمدرسين البيض ، حيث يتبين ان 17% فقط من الطلاب الأفارقة ، يكملون دراساتهم العليا بالمقارنة إلى 30% من البيض.

لقد وصلت ظاهرة التمييز ضد المسلمين إلى حد الهوس بعد هجمات 11/9 , حيث أصبحوا عرضة للاعتقال , في اى زمان ومكان بحجة أن مظهرهم مرتبط  بالإرهاب- هنالك الكثير من الحقائق التي تسفر عن الإبعاد الاعتباطي والفصل عن العمل خاصة على خطوط الطيران التجارية, على أسس عرقية و دينية.

في نوفمبر 2006 وعندما كانت مجموعة من العلماء المسلمين عائدين  في رحلة لهم من مؤتمر اتحاد أئمة شمال أمريكا , تم إبعادهم من الرحلة و اعتقلوا واقتيدوا مقيدين واخضعوا للاستجواب – كل ذلك بسبب آن احد المسافرين ادعى إلى طاقم الطائرة بان لهم نشاطات مشبوهة.

الممارسات العنصرية

ضباط الشرطة  في معظم الولايات المتحدة وخصوصا فى ولاية لوس انجلوس- يركزون انتباههم و بدون سبب على السائقين الأفارقة والسائقون من أمريكا اللاتينية  ويخضعونهم  للتفتيش غير المبرر وغالبا ما يكون تحت الاستخدام المفرط  وغير الضروري للقوة.

وبعد كل هذه الممارسات المذلة يتم إخضاع هؤلاء إلى المحاكمات المتأصلة والمتجذرة في النظام التشريعي  والقضائي الامريكى  , و لقد ثبت انه تم تنفيذ المزيد من الأحكام التأديبية و العقابية في حالات مشابهة على الأفارقة, ثم يليهم البيض , مع النظر في اختلاف ظروف السجن في حد ذاتها , التمييز العنصري المنتشر, و لذي لايمكن تفاديه , أصبح واحدا من المصادر الرئيسية للجريمة , تعدد منظمات العنصريين المتشددين و منظمات النازيين الجدد , تضاعفت ثلاثة مرات مما كانت عليه خلال السنوات الخمسة الأخيرة حيث بلغت في مجملها 1000  منظمة.

تحليلات الاف.بى.اى لآلاف حالات الجرائم خلصت إلى آن 55% من الجرائم تعود إلى دوافع عنصرية- ففي نيويورك مثلا فان معدل الجريمة ضد الأسيويين قد تضاعف خلال العام 2008.

من خلال ما سبق يتضح إن القيادة في الولايات المتحدة , تقوم باستعداء متعمد لمعارضيها داخل وخارج الولايات المتحدة.

التاريخ يفضح الأمريكان  

هذه الممارسات الوحشية والانتهاكات الواضحة لحقوق الإنسان من الأمريكان ليست جديدة ، فالمتابع للتاريخ الأمريكي سوف يجد بسهولة أن انتهاكات حقوق الإنسان لها امتداد في  جذور التاريخ الأمريكي، ويلمح بوضوح دور الأنجلو ساكسون في قيام الولايات المتحدة وهم عنصر البيض البروتستانت(المحافظون الجدد الآن) وهم العنصر المسيطر والمتسيِّد على معظم مقاليد الأمور في الولايات المتحدة ولهم نظرة عنصرية مرتبطة بالدم الأنجلو ساكسوني والاستهانة الشديدة بدماء الغير، ويلاحظ  ذلك بوضوح بالرجوع إلى الوراء قليلاً.

عام 1730 م أصدرت الجمعية التشريعية لمن يسمون أنفسهم البروتستانت الأطهار تشريعاً يقنن عملية الإبادة لمن تبقى من الهنود الحمر شمل التشريع مكافأة مقدارها 40 جنيهاً مقابل كل فروة رأس مسلوخة من هندي أحمر وارتفعت بعد 15 سنة إلى 100 جنيه.

ثم وضع البرلمان البروتستاني بعد 20 عاماً تشريعاً جديداً نص على الآتي: فروة رأس ذكر عمره 12 عاماً فما فوق 100 جنيه وفروة رأس الطفل أو المرأة 50 جنيهاً.

في عام 1763 م أمر القائد الأمريكي (جفري أهرست) برمي بطانيات كانت تستخدم في مصحات علاج الجدري على تجمعات الهنود الحمر لنقل الوباء إليهم، مما نتج عنه موت عشرات الألوف من الهنود الحمر، وبعد فراغهم من الهنود الحمر اتجهوا إلى الأفارقة.

في تقرير لليونسكو صدر عام 1987 ذكر فظاعة ما حدث للأفارقة، فقد جاء فيه أن إفريقيا فقدت نحو 210 ملايين في  تجارة الرقيق هلك أكثرهم في عمليات الشحن التي كانت تتم  في سفن للمواشي  قبل أن يصلوا لأمريكا لخدمة الأمريكان، ولم تعتذر أمريكا حتى الآن عما حدث للأفارقة.

في الحرب العالمية الثانية بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر ، كان الرد الأمريكي الهمجي ضد عملية عسكرية هو إطلاق 234 طائرة تلقي  قنابل حارقة على المدنيين في  طوكيو و 64 مدينة يابانية لتقتل نحو 100 ألف شخص في ساعات وتشرد نحو مليون آخر من المدنيين، وكان ختام المشهد الدموي الإرهابي إلقاء القنبلتين النوويتين على مدينة نجازاكى وهيروشيما فحصدت عشرات الآلاف من الأرواح بلا أدنى تفرقة بين مدني وعسكري وامرأة وطفل.

الديمقراطية الامريكية !!

لم تترك أمريكا الشعوب تنعم بالحرية والديمقراطية كما تزعم وتدّعي كذباً، ففي كوريا تدخلت عسكرياً وعزلت الحكومة الشعبية وأغرقت البلاد في حروب طاحنة.

وكما يقول الكاتب الأمريكي نعوم تشومسكي عن نتائج تلك الحرب: أشعلنا حرباً ضروساً سقط خلالها 100 ألف قتيل، وفي إقليم واحد سقط 40 ألفاً من الفلاحين قتلى أثناء ثورة قاموا بها. ويصف بلاده بأنها تدوس على الديمقراطية وكل القيم إذا تعارضت مع مصالحها الذاتية، ويمضي فيقول: أطاح الأمريكان بالحكومات الديمقراطية عندما ظهر لهم أنها لا تخدم مصالحهم الإجرامية كما حدث في إيران عام 1953م  وجواتيمالا عام 1945 وتشيلي عام 1972 وفي الوقت نفسه تتغاضى عن الأنظمة الديكتاتورية طالما تخدم أغراضها ولا تصطدم بمصالحها.

في جواتيمالا قتل الجيش الأمريكي في الفترة من عام 1966 إلى 1986 نحو 150 ألف مزارع وأكرر مزارع وليس جندياً لتحيا الحضارة  الأمريكية الزائفة.

عندما سُئلت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة عن الحصار الأمريكي  للعراق الذي تسبب في وفاة  نصف مليون طفل حتى عام 1996  قالت بكل استهتار ولا مبالاة: (ثمن كان من الضروري دفعه).

مؤخراً في  الحرب الأمريكية العدوانية على المدن الأفغانية وفي أقل تقدير قتل نحو 50 ألف أفغاني من المدنيين، وقد استخدم الأمريكان قنابل تزن من 5 إلى 7 أطنان لضرب القرى الأفغانية المبنية من الطين، وكان عنوان حربهم الأخيرة عنواناً مفزعاً لكل دول العالم (من ليس معنا فهو ضدنا!).

في حقوق الإنسان، النموذج الامريكي

لا احد يمكن أن يصدق كل هذا الدجل الأوربي المتعلق بفضيحة السجون السرية الأمريكية، إذ لا يعقل أن دولا تمتلك من أجهزة الاستخبارات أقواها وأكثرها زخما بالإمكانيات، لا تعرف ماهية الطائرات التي تستقر في مطاراتها، أو ماذا تحمل وعلى ماذا تحتوي، إذ انه ومهما بلغ التسليم للولايات المتحدة الأمريكية من قبل هذه الدول، بأحقية استخدامها للأساليب وللطرق التي تراها مناسبة لمكافحة ما تسميه الـ"الإرهاب"، فان الخصوصية الأمنية، وخاصة في السياق نفسه، تحتم على تلك الدول التي ترفع عقيرتها الآن، وتشكل لجانا للتحقيق، وتثير التساؤلات ، لا يمكن ان تترك خصوصية وضعها الأمني، خاصة ما يتعلق منه بالمرافق الحيوية كالمطارات والموانئ، لحالات حسن النوايا حتى لو كان الأمر متعلقا بالولايات المتحدة الأمريكية، وبالتحالفات التي تقتضي من هذه الدول، مساعدة الإدارة الأمريكية في مخططاتها.

لكل شئ ثمنه، هكذا تتعامل دول المصالح بعضها مع بعض، ولطالما كانت الاتفاقيات المبرمة بين هذه الدول، تضم بنودا لا يعرف عنها تتضمن مقايضات إما على مناطق النفوذ، أو على الحراك الاقتصادي، أو على المسائل الأمنية.

الكاتب يختتم ليقول : في قانون الغابة، ليس للضعيف مكانا بين جمهورها، فما ان تبدو بوادر الضعف على حيوان ما، حتى يصبح فريسة سهلة للآخرين، بعد ان كانوا يتجنبون مواجهته، هذا الحال، يبدو انه ينطبق على الإدارة الأمريكية التي "شربت حليب السباع" وسط نشوتها بالقوة التي جعلتها تعتقد أنها يمكن ان تتفرد بإدارة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفقا لطريقتها ، فانفلتت في مخططاتها القاضية بالتحكم فيه، بعد أن صنفته إلى أشرار وخيّرين، ثم انطلقت بجيوشها لتعيث فسادا في الأرض وفق أطماعها التي لم تخفها، خاصة تلك التي تتعلق باقتصاد العالم واعتماده على المحرك الرئيسي ألا وهو النفط، ثم ألحقت بذلك رغبتها في تعميم النموذج الفاسد لدولتها من خلال محاولة فرض نمط حياتها على شعوب الأرض تحت دعاوى الديمقراطية التي نراها في العراق الآن وفي أفغانستان وفلسطين ولبنان وفي أي مكان طالته الديمقراطية الأمريكية، بما في ذلك تلك الدول التي خرجت من عباءة الاتحاد السوفياتي، حيث غرر بها تحت مسمى الثورات البرتقالية التي أنتجت نفس المشهد الفوضوي الذي أنتج فرض الديمقراطية الأمريكية بواسطة الجيوش، وبالتالي، وحين ارتد كل ذلك مأزقا على الإدارة الأمريكية، التي انهارت أحلامها ومخططاتها، ولم تعد قادرة على العربدة ، إذ بنا نسمع التساؤلات والاحتجاجات والاستنكارات عنا كانت تفعله أثناء كل حراكها الذي بدأته مع وصول ما سمي بالمحافظين إلى البيت الأبيض، خاصة من حلفائها الأوربيون الذين وصف وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد اتحادهم بـ"أوربا العجوز" التي انتهت صلاحيتها.