مدينة الله' رواية جديدة لحسن حميد:

العدو لا يمكنه منع الفلسطيني من انتاج الثقافة


26/09/2009

*يوسف سامي اليوسف


يذكّرني هذا العنوان لرواية حسن حميد الأخيرة، 'مدينة الله' وهي الصادرة في بيروت سنة2009، بكتاب للقديس أوغسطين ألفه بعد سقوط روما في أيدي البرابرة سنة 410م، ولكن لا بد لي من أن أؤكد بأن اشتراك الكتابين بعنوان واحد لا يعني شيئاً البتة، وذلك لأن لكل منهما محتوى يباين محتوى الكتاب الآخر تمام التباين.
وعلى أية حال، فإن المضمون الصميمي لهذه الرواية يتلخص بأن القدس، أو مدينة السيد المسيح، قد صارت مدينة الشيطان، أو مدينة البغالة والجنود والكلاب. وفي مذهبي أن معظم لحظات الرواية هي تنويعات على حقيقة واحدة، وهي أن القبح يحكم الجمال، والشراسة تحكم الوداعة. وخلاصة القول أن الغيتو الصهيوني (وهذا هو اسمه لدى الاحتكام للمنطق ) هو سجن أو مشفى للمجانين، وسكانه اليهود، يكابدون القلق والخوف البالغ حد الهلاع . إنهم أناس عصابيون مكانهم الصحيح في المصحات العقلية. ولعل في الميسور القول أن النص هو رواية مكان بالدرجة الأولى. فروح المكان حاضر فيها إلى حد فوّاح، وذلك على الرغم من الهستيريا المنتشرة في أدق تفاصيله. فالمكان هو البطل الفعلي للرواية. والسيد المسيح حاضر في نصفها الأول حتى لكأنه شخصية من شخصياتها الكبرى فالتضاد في هذه الرواية قائم بين المسيح ونبله وإنسانيته من جهة، وبين الصهاينة ونذالتهم وهمجميتهم المعهودة، من جهة ثانية.

وفي الحق أن النص قد استطاع أن يصور المدينة التي تتوارث الجمال جيلا ً عن جيل، مأهولة في الطور الراهن، أعني في الطور الصهيوني، بقبح شنيع جاء به أولئك الأوغاد الطارئون عليها والزائلون عنها ذات يوم، لا محالة، وذلك لأنهم متطرفون في الشناعة والقبح فلا ريب في أن الديمومة ليست من نصيب أي شيء جامح أو متطرف. فبما أن البغال والبغالة هم أكبر ظاهرة سلبية في القدس، وفقا ً لصورة الرواية، فإنهم يصلحون رمزاً، لا للقسوة وحدها، و لا للوحشية وكفى، بل إنهم إشارة جهرية إلى أن الحيوانية، وليس نواميس الله، هي التي تحكم 'مدينة الله' أو مدينة الجمال والتقاليد العريقة التي تتوارثها الأزمان زمناً عن زمن . إنهم يبغّلون المدينة المقدسة وينشرون فيها النغالة والسفالة ويغيّرون جمالها الموروث ويحيلونه إلى قبح وبشاعة تعافهما الأنفس.

و مع ذلك، فإن الرواية، في الجانب الآخر تصور عالما ً جميلا ً، ولا سيما عالم الريف والقرى والفلاحين والأشجار والأطيار والرعاة وأغانيهم، و ما إلى ذلك من كائنات فاتنة، ولا سيما النساء التي يصفها النص وكأنها الحياة نفسها أو تجسيدها الحي.

وفي الحق أن الرواية نفسها قد لخصت صورة الوضع بقولها: 'هذه البلاد محتشدة بالمكاره قدر ما هي محتشدة بالجمال'. (ص 417)
فلعل مما هو ناصع لكل قارئ مستأن أن بنية هذه الرواية قد صيغت بحيث تتألف من مثنويات أو متضادات تفصل بينها هاويات لا ردم لها بتاتاً، ولا يتوقف الأمر عند القول بوجود صراع دائم ومميت بين قوتين، أولاهما مؤصلة في المكان منذ زمن الكهوف، والثانية طارئة أو غازية ولا صلة لها به لأنها ملفقة جاءت من ثلاثة وثمانين بلداً ولا يربط بينها سوى رابط واحد وهو كومة الخرافات الزائفة التي تسمى التوراة، أقول لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل هو يتعداه إلى وجود رموز لا يبدو عليها، للوهلة الأولى، أنها وثيقة الصلة بالتناقض المحوري الدائر على الأرض بالفعل، ففي الرواية ثمة ظاهرة ترافقها على امتداد صفحاتها الأربعمئة والخمسين، وهي المطر الذي يطل عليك بين الفينة والفينة، وفيها ظاهرة أخرى وهي أن الشخصيات تحتسي من القهوة كميات كبيرة جداً، حتى كادت القهوة تصير البطل الحقيقي للرواية، أو أن تتقاسم البطولة مع المطر.

ولكن النص، في الوقت نفسه، كثيراً ما يتحدث عن العطش الروحي بل هو يصف سيلفا، بطلة الرواية، بأنها 'امرأة من عطش' (ص298)، فمما يجوز التصريح به أن ثمة مطراً في الخارج وعطشاً في الداخل، وذلك على الرغم من احتساء الشخصيات للقهوة بإفراط منقطع النظير، وفي الحق أن كلمة 'العطش' تتواتر في النص كثيراً، ولكن ليس من دون دلالة. ومن شأن هذه المثنوية الرمزية، أو اللا شعورية، أن ترفد المثنوية الكبرى التي هي نزاع دموي بين قوتين لا صلح بينهما يلوح في الأفق.

والمطر رمز هو الآخر، فبينما تشرب الأرض مياه الأمطار المتكررة كثيراً، فإن الواقع التاريخي أو البشري، بالمقابل، يشرب دماء الناس التي تسفك عدداً من المرات لا يحصى. وهذا تضاد آخر يسهم في تعزيز البنية المثنوية للرواية التي هي صورة عن البنية المثنوية للواقع، فالواقع أن مدينة الله، أو مدينة الكنائس والجوامع والصلوات، قد استحالت إلى مدينة للأبالسة يعيثون فيها فساداً على هواهم دون أن يردعهم أي رادع، ثم إن للماء رمزية أخرى في هذا النص الذي يقول صراحة بأن الصهاينة هم البارود، أي النار، ولولا البارود لما استطاعوا أن يهزموا الفلسطينيين، بل لما كان لهم أي وجود في هذه البلاد، ولدى التدقيق يمكن للمرء أن يلاحظ ما فحواه أن الفلسطينيين يمثلون الماء والنبات والطيور والجمال في هذا النص. وبذلك يكون الصراع الذي يؤسس قاع النص هو صراع بين النار والماء، النار الحارقة للحياة والماء المنعش لها. وبذلك تتوضح رمزية المطر المنتشر في الرواية كلها تقريباً.

ويبدو أن الفصل الخامس والثلاثين، وعنوانه 'باحة المسجد الأقصى' لا يهدف فقط إلى تصوير الفلسطينيين بوصفهم شعباً له تقاليد موروثة عن غابر الأزمان، بل أرى أن له هدفاً رمزياً خلاصته أن النار التي يكوي بها الدراويش أجسادهم دون أن تؤثر فيها هي إشارة إلى أن نيران الصهاينة الذين يملكون الجحيم نفسه لن يكون لها أي أثر على مسار الواقع، ولن تفيدهم في شيء، وذلك لأن الكائن يدوم بفضل ما ينطوي عليه من صحة وليس من مرض. وربما جاز الظن بأن الكاتب لم يقصد إلى هذا الهدف في وعيه، ولكن الأمر قد هندسه اللا شعور بهذه الطريقة الرمزية.
وحين راحت الرواية تهتم كثيراً بالصوفيين وطقوسهم ونذورهم، ولا سيما في ذلك المكان المجاور لحي سلوان، فقد صاغت مثنوية أخرى خلاصتها امتلاء الشخصية المقدسية بالتقاليد والمحتويات الموروثة عن الأسلاف، في مقابل الخواء الرابض في داخل الشخصية اليهودية التي لا تملك سوى البغال والسلاح والبارود وكلاب الحراسة، فاليهود ههنا بلا تقاليد ويعيشون في بيوت مغلقة كأنها القبور، ولا يساكنهم فيها أي شيء سوى الخوف من مصيرهم المجهول.

ومن المثنويات الواضحة ههنا أن بطل الرواية الروسي، أعني فلاديمير الذي يمثل الكاتب نفسه، يعشق فتاة صهيونية تعمل سجانة، أي قاتلة، وحين يكتشف ذلك، فإنه يتسامح معها بعض التسامح لأنها أكدت له أنها تكره ذلك العمل وتتقزز منه. والحقيقة أن سيلفا تلك فتاة مجرمة، فقد مزقت أصابع رجل فلسطيني اسمه عارف الياسين، وقد كان على فلاديمير أن يطردها فور معرفته بتلك الحقيقة.

والغريب أن جو الارلندي، وهو البطل الثاني للرواية، يعشق سجانة صهيونية أخرى اسمها ليلى. ويقف جو الموقف نفسه منها عندما تؤكد له تقززها من عملها الإجرامي، وبالمناسبة، فإن موت ليلى بالصدفة ليس بالشيء المستحب في الروايات، كما أن اختفاء سيلفا في النصف الثاني من الرواية هو أمر من شأنه أن يثير التساؤل.

وأياً ما كان جوهر الأمر، فإن في الميسور الذهاب إلى أن الرواية تقدم عالم الشراسة والعنف في مواجهة عالم الجمال واللطف، تماماً كما كان الأمر أثناء المحنة التي عاشها السيد المسيح، إنه عالم الحياة يواجه عالم الموت. فالرواية قدمت الصهيوني بوصفه كائناً ميتاً ولا يجيد سوى صناعة الموت، وفي الصلب من مذهبي أن اليهودي كائن ميت وقد أحياه الغربيون، شياطين العصور الحديثة، ولولا الغربيون لما كان هناك يهود على الأرض في هذه الأيام.

وفي المقابل فإن النص قد صور المدينة المقدسة وكأنها تجسيد للجمال واللطف، فكل شيء فيها ناعم رقيق، أترع بالحنان والمحبة، فكأن كل شيء يحنو على كل شيء آخر ويتعاطف معه ويكمله ويهبه المزيد من الحيوية والجمال. ففي الحق أنها برهة رائعة تلك الزيارة التي قام بها بطلا الرواية، فلاديمير الروسي وصديقه جو الإرلندي إلى حي الأرمن، حيث شربا شراب الورد الذي توزعه بالمجان حسناء اسمها ميرنا، وذلك التزاماً منها بالتقاليد الأرمنية العريقة، أما زهية وابنتها فضة فتوزعان أقراص الزعتر الساخن على الناس إيفاء بنذر نذرته الأم ونفذته لأن الله قد شفى ابنتها من داء موجع.

ولكن هذه الأفعال اللطيفة يقابلها ما يجري في السجون من تعذيب لا تصفه اللغة لأولئك الأسرى الفلسطينيين الذين وقعوا في قبضة اللؤم التوراتي المتطرف في إثارته للتقزز. ففي الحق أن النص قد أجاد في تصوير هذا التعذيب، كما أجاد في تقديم الفلسطيني بطلاً شجاعاً لا يهاب الموت، ويصف أعداءه بأنهم 'كلاب' أثناء التعذيب، وذلك بدلاً من أن يذعن ويرضخ ويذل (راجع خاصة ص345، وص347)، بيد أن النص قد نسي أن يقول بأنها بشرية خسيسة هي تلك التي سمحت للتوراتيين الأنذال بأن 'يحرموا الفلسطينيين للرب'، على حد عبارة التوراة نفسها.

ولهذا، يقول النص: 'وصار الحزن رفيقاً أبدياً لنا' (ص403) أنا لست مع مبدأ الحزن الفلسطيني، وإنما أنا مع الغضب والاحتقار، ماذا نحتقر؟ الأوروبيين والأمريكتين والافريقيتين (البيضاء والسوداء) والكوريتين واستراليا والهند والصين واليابان، وقبل كل شيء هذا العالم الإسلامي الهامد التافه الذي ما عاد يصلح لأي شيء، ولكن الأهم من هذا كله أن نحتقر الحياة والموت على السواء. وعندي أن الفلسطيني النموذجي هو الذي يزدري الحياة والموت دون تمييز.

ذات يوم قالت لي فتاة يابانية تعمل في سفارة اليابان بدمشق: أنتم عدوانيون وتستحقون هذا المصير الذي أصابكم. هكذا علمها الصهاينة الذين يغتصبون المزيد من أرضنا كل يوم. فنحن المقتلعين من ديارنا بالمجزرة وقوة السلاح عدوانيون، أما الذين شردونا تحت كل سماء فملائكة هبطت من السماء. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن!

وبعد الاحتقار، يجب أن نعمل على صيانة الذاكـــرة من التفتــت أو التفسخ والنسيان، وأما المبدأ الثـالث الذي ينبغي أن نتبناه فهو المقاومة المسلحة وغير المسلحـــة، نظل عليها حتى يرحل آخر صهيوني من بلادنا كلها.

تتميز هذه الرواية بميزتين ناصعتين، أما أولاهما فهي أنها مكتوبة من موقع المحبة والتعاطف مع مدينة انتهكتها الأيدي التوراتية البربرية اللئيمة، وأما ثانيتهما فهي سلاسة الأسلوب، أو تدفق اللغة على نحو تلقائي حر.

إنها لغة شاعرية مشرقة زاهرة يانعة. فحين تقرأ 'مدينة الله' لحسـن حميد فلن يفوتك أنك تقرأ قصيــــدة نثر شديدة القدرة على الإمتاع. فلغتها الحساسة مصقولة وناضجة وناجية من الفجاجة.

إن ما يضفي على هذا النص الأدبي (مدينة الله) من قيمة هو ما يختزنه من الحرارة أو من الصدق الجواني الحي، بل حتى من التأجج أو التوهج، وكذلك من الرقة الشاعرية في الأسلوب، وهي التي صنعت منه أدباً حقيقياً بالفعل. فالحياة هي الحرارة، ولا يكون النص أدبياً إلا بمقدار ما يختزن في نسيجه من حرارة وتألق ولطف، والذي أراه أن تآزر الحرارة المتوهجة مع اللغة الشاعرية السلسة الحساسة قد استطاع أن يجعل من هذا النص رواية ناجحة، بل جد ناجحة بالفعل، وحسبها أن لغتها الحساسة منسوجة من اللطف حصراً كي تصير أدباً جميلاً قابلاً للمطالعة ولإنتاج المتعة الأدبية. ففي مذهبي أن الجمال هو اللطف وأن اللطف هو الجمال.
وما أبتغي تأكيده في نهاية المآل هو أن يكتمل نضج الرواية الفلسطينية المقاومة (بالكسر)، أو أن تقترب من النضج والكمال، ففي تقديـــري أننا نحن الفلسطينيين غيــــر مسموح لنا أن نفعل أيما شيء ذي بال سوى أن ننتج ثقافة وحسب، فالعدو، وهو الشديد التنوع، لا يملك أن يمنعنا من إنجــاز هذه المهمـــة الجليلـــة، ولهذا، أود أن أذكّر بقول واحــد من قدمـــاء الشعراء التراثيين: 'ترجى لقسوتها يد الجراح'.

كاتب و ناقد فلسطيني- سوريا