القيروان عاصمة الأغالبة  عامرة بعظمة الإسلام
 

جوهرة تونس

11/09/2009

تونس- مدينة القيروان هي أول المدن الإسلامية المشيدة بالمغرب العربي بفضل الإيمان الهادئ منذ ثلاثة عشر قرنا وكانت قاعدة انطلقت منها الجيوش الإسلامية وعسكرت فيها وقد اتخذها الأغالبة عاصمة لهم ما بين (800 م 910م) . وكل شيء في القيروان يذكر بعظمة وجلال الإسلام المنتصر ففي كل عام تأتي الجموع الغفيرة في الأعياد والمناسبات الدينية لزيارة البقاع المقدسة هناك والصلاة بالمسجد الجامع وهو أعظم المعالم الإسلامية بإفريقية.

اختلف العرب في لفظ القيروان فقيل هي موضع اجتماع الناس والجيش وقيل محط أثقال الجيش وقيل هي الجيش نفسه والمعنى متقارب.

أما تاريخ تأسيس المدينة فقد كان سنة 670 م على يد الفاتح الصحابي عقبة بن نافع وحسبما ويروى انه وبعد عديد المحاولات التي خاضها القائد الفاتح معاوية بن حديج لبناء قاعدة متينة لنشر الرسالة المحمدية الكريمة بالمغرب العربي وافريقيا أنشأ بن حديج موقعا أطلق عليه القيروان وبحلول الصحابي الفاتح عقبة بن نافع ذلك المكان لم يرق له فركب وجنده حتى أتى موضع القيروان اليوم وكان واديا كثير الشجر، كثير القصب، تأوي إليه الوحوش والسباع.. وفي راوية مثيرة حول تأسيس القيروان جاء بكتاب معالم الإيمان للدباغ أن عقبة بن نافع حين جمع أهل القيروان عليها، كان معهم في عسكره خمسة وعشرون من الصحابة ويقولون في دعائهم : "اللهم املأها علما وفقها، وعمرها بالمطيعين لك والعابدين واجعلها عزا لدينك وذلا لمن كفر بك، واعز بها الإسلام، وامنها من جبابرة الأرض، اللهم حببها لساكنها وآتها رزقها رغدا من كل مكان، اللهم لا تطفئ لها نارا، ولا تهتك لها حريما".

وقد اتفقت للصحابي عقبة بن نافع حين وضع القيروان، كرامات واجابات مشهورة، منها ما رواه علماء أهل التاريخ أن عقبة رضي الله عنه لما غزا افريقية في زمن معاوية بن أبي سفيان، وذلك سنة خمسين من الهجرة، وقتل من بها من الروم وأصناف البربر والأفارقة، قال لأصحابه: ان افريقية إذا دخلها أمير تحزم أهلها بالإسلام، فإذا خرج منها رجعوا إلى الكفر، وإني أرى أن أتخذ بها مدينة نجعلها معسكرا وقيروانا، تكون عزا للإسلام في آخر الدهر.

ومنذ ذلك التاريخ عرفت القيروان عهودا من العز والترف خصوصا خلال عهد الأغالبة فقد كانت المدينة مركز علم وثقافة يتقد حيوية وإشعاعا وكان سكانها من هواة العلم لا يترددون في شد الرحال نحو المدينة المنورة وإلى بعض المدن العراقية كبغداد والكوفة والبصرة لإثراء وتركيز ما تعلموه في مختلف الميادين من فقه وعلوم وضعية فنخبة من أبناء القيروان تتلمذوا على مالك بن أنس إمام المدينة مما يسر انتشار المالكية في تونس والمغرب العربي الكبير وكان أبرز أولئك الرجال الإمام القيرواني الشيخ سحنون ولعل أهم انجاز تبناه الأمراء الأغالبة في فترة امارتهم الافريقية هو تأسيس بيت الحكمة ومساهمتهم المادية والمعنوية في أنشطتها العلمية والفكرية وتقول كتب التاريخ أن مؤسسها الأول ابراهيم الثاني الذي تولى الإمارة بين عامــي (261هـ-289هـ) كان يتمتع بثقافة عالية وبمعرفة دقيقة بعلوم اللغة والآداب كما كان يتقن اللغة اللاتينية أثناء إقامته في صقيلية، امام ابنه عبد الله الذي اغتيل عام 290 هـ فقد جلب لبيت الحكمة بالقيروان علماء افذاذا من بغداد والفسطاط وحتى من بلاد اليونان.

وقد تواصلت هذه النهضة الفكرية والمعمارية في العصر الفاطمي، الصنهاجي وأبرز ظاهرة تميز بها هذا العصر هي ظهور حركة نقدية عميقة ومؤثرة تجسدت بالخصوص من خلال "ممتع" ابراهيم النهشلي و"عمدة" ابن رشيق القيرواني. وخلال العهد الفاطمي الصنهاجي ظلت القيروان منارة للعلم والمعرفة ومدينة مزدهرة، كثيرة البشر متقنة البناء والمعمار متمسكة بالقيم الروحية التي اشاعها في أرجائها العلماء والصلحاء وابتداء من القرن الثاني عشر، توالت عليها خطوب وفواجع أفسدت حياتها وأخرجت معالمها وأشاعت فيها وحشة الموت والكساد.

المدينة العتيقة.. روائع معمارية أصيلة

عند انتقال قاعدة الحكم إلى تونس في العهد الحفصي ابتداء من القرن الثالث عشر فقدت القيروان قيمتها تماما ولم تعد غير مدينة دينية لا تعرف الحركة والنشاط الا في المناسبات الدينية مثل شهر رمضان المبارك والمولد النبوي الشريف.

ومن بين أهم المعالم التاريخية التي تفخر بها القيروان إلى حد هذه الساعة يمكن أن نذكر الجامع الكبير أو مسجد عقبة بن نافع ومقام الصحابي أبي زمعة البلوي حلاق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي شاهد وقانع الحديبية وشهد فتح مصر مع عمر بن العاص ودخل افريقية في جيش معاوية بن حديج في خلافة عثمان بن عفان ثم استشهد في احدى المعارك قرب القيروان.

وما ان تبرز معالم المدينة للزائر حتى تخطف انظاره تلك الصومعة الضخمة المشيدة على قاعدة واسعة .. صومعة تمنح المكان والزمان شهادة ميلاد تؤكد ان البقاء للابداع المعماري رغم كل الحروب والهجمات التي شهدتها المدينة حيث حطمت الصومعة سنة 688 م أثر الهجمات البربرية وأعيد بناؤها خلال القرن الثاني عشر.

وفي أيام الأغالبة شهد الجامع الكبير التحويرات الأولى التي أدخلت عليه ومن يومها لم يكف الأمراء والوزراء ورجال الدولة عن تطوير هيكلة وتجميل واجهاته وزينته ولم تتوقف فيه التحسينات الا سنة 1970 بعد انتهاء الأشغال الكبرى لترميمه.

وحيثما حللت اليوم بالقيروان تعترضك الصفة القديمة للمدينة سواء بمقامات الأولياء أو المساجد الصغرى من ذلك مقام سيدي الصحبي (أبو زمعة البلوي) بصومعته الأنيقة ورواقه الرائع وجليزه المزخرف البديع وقد انصهرت فيه العديد من التأثيرات المعمارية الأندلسية والعثمانية ممتزجة بالتقاليد المحلية في تناسق بديع . وحسب الأساطير فان هذا الولي يحتفظ بثلاث شعرات من لحية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وهذه الصفة جعلته يشترك مع سيدي بولبابة ولي قابس في كونه حلاق الرسول عليه الصلاة والسلام . أما مقام سيدي عمر عبادة فقد شيده أحد الحدادين وقد صنعت له خصيصا أدوات من المعدن مفرطة في الكبر وهي في شكل مراسي حتى يشد القيروان إلى الارض.

ويعتبر مسجد "الأبواب الثلاث " بدوره أحد المعالم القديمة بالمدينة وقد شيده سنة 866 ميلادية رجل صالح قدم من قرطبة ولهذا المسجد واجهة رائعة زينت بالخط العربي وبزخارف بارزة . ويستحق مقام سيدي عبيد الغرياني وهو رجل صالح عاش خلال القرن الثالث عشر ميلادي زيارة كاملة وذلك لجمال سقفه المزركش ولرواقه ذي الطابع العربي المرفوعة على أعمدة بيزنطية.

بئر بروطة.. زمزم القيروان


الزائر للمدينة العتيقة لابد وأن يصاب بالدهشة لمدى حضور الماضي في كل شيء من ملابس أهل القيروان وخاصة الجبة الحريرية والحايك وهي عباءة نسائية من الصوف الجيد يميل لونها إلى الأصفر وفي حركة الحرفيين التي ترجع إلى العهود الماضية وهم منحنين حول صينية النحاس التي يزركشونها بخيوط الفضة.

كما يندهش الزائر في تعرجات هذه الطرقات الضيقة الهادئة.. وفي ساحة الحلفاوين يمكنه ان يترشف "قهوة عربي" معطرة بماء الورد أو الزهر قبل ان ينتقل إلى بئر بروطة ليحي الجمل الذي يقوم بحركة دائبة حول البئر وعينها معصوبتان وفي حركته المستمرة يستخرج ماء صافية يعتقد أهالي القيروان انها قادمة بعد رحلة طويلة من الأراضي المقدسة بالجزيرة العربية.

وقد علق على أحد جدران المدخل ورقة مما كتب عليها: لكل مدينة زمزمها وزمزم القيروان هو ماء "بروطة".. اذا شرب منه الزائر المحب للقيروان عاد إليها بإذن الله. ولذلك لا تزال هاته البئر القديمة قدم القيروان ولا يعلم لها أصل ولا معنى محقق لأسمها وماؤها يخرج رقراقا في قواديس من الفخار الملون المترابطة فوق ظهر ناعورة. والناعورة يديرها جمل! وهو معصوب العينين من خشية الدوار ومن خشية الزوار.. ".

وقد أحيطت المدينة العتيقة برباط كبير شيد من الآجر المتناسق به عدة فتحات هي بمثابة أبواب للمدينة وهذه الأسوار التي شيدها المعز لدين الله الفاطمي حوالي سنة 1052 ميلادية والتي رممها الحسينيون في القرن الثامن عشر تعطي للمدينة حضورا قويا في القرون الماضية التي حملتها إلى التاريخ المعاصر.

ومن باب تونس يمكن ان يغادر الزائر المدينة وان يتمتع بمشاهدة الفسقية الأغلبية وهي عبارة عن حوض له 48 ضعلا ويبلغ قطره 120 مترا وقد شيده الأمير أبو ابراهيم في القرن التاسع ميلادي وإلى جانب هذه الفسقية حوض صغير مضلع الشكل يبلغ قطره 38 مترا . وبعيدا عن أسوار المدينة العصرية يعود المثال العمراني والمعماري القديم للظهور من جديد مجسدا في المركز التجاري والثقافي الذي شيد حديثا.

وقد ألهمت المدينة العتيقة بالقيروان عددا من مشاهير الرسامين الغربيين وهي تجبر من اراد وصفها على ان يختار بحذر كبير تعابيره الوصفية فحيثما اتجه الزائر يقابله الجامع الكبير ذلك ان البناء العمراني منظم انطلاقا من المسجد.

وقد روعي في بناء الجامع الحرص على الطابع الاسلامي وشمولية تمثيل مختلف الديار الاسلامية فأبواب المسجد وعددها 17 شيدت من خشب أرز لبنان وتميز كل باب على الآخر برسوم ونقوش مختلفة وخشب المنبر المزين بأيات كريمة ونقوش اسلامية استحضرت من الهند والأحجار المزخرفة من العراق والثريات من المغرب (كانت تضاء بالزيت وتحولت إلى الكهرباء أخيرا) أما مئات الأعمدة الرخامية داخل المسجد فهي من غنائم الحرب مع الرومان.

مشروع رئاسي لصيانة المدينة

ونظرا لمكانتها الإسلامية والحضارية وضعت تونس العهد الجديد بأمر من الرئيس زين العابدين بن علي خطة لصيانة مدينة القيروان العتيقة ومعالمها الدينية شملت كامل النسيج العمراني وتحسين المحيط مع الحفاظ على الأنماط المعمارية التاريخية الخاصة بها.

وقد تجاوزت الاعتمادات المخصصة لصيانة المدينة العتيقة بالقيروان سبعة ملايين دينار تونسي تم توظيفها في إطار خطة أطلق عليها "المشروع الرئاسي" لمزيد العناية بجامع عقبة بن ناقع وترميمه وتجديد شبكة الإنارة به . كما تمت إعادة صيانة مقام الصحابي الجليل أبي زمعة البلوي والمدرسة البلوية وتطوير المراكز الروحية.

ومثلت البرك الأغلبية المعروفة بفسقية الأغالبة نموذجا هاما لعملية الصيانة حسب المعايير العلمية الحديثة وشمل مجهود الصيانة بقية المساجد بمدينة القيروان والزوايا والمزارات القديمة.

ومن أبرز مظاهر الإهتمام بالمدينة إحداث مركز للدراسات بالقيروان منذ سنة 1988 من وظائفه الأساسية التعريف بالحضارة الإسلامية وما قدمته للحضارة الإنسانية في مختلف الميادين وتوفير المعلومات الموضوعية التي تساعد على فهم الإسلام وما يتصل به من علوم ومعارف. ومن أولويات مهام المركز التعريف بأعلام تونس وإفريقية ومؤلفاتهم وإنجازاتهم في كل العلوم لا سيما علوم القراءات والتفسير والسنة والفقه وإحياء التراث الإسلامي ودعم البحث العلمي في ميدان الدراسات الإسلامية ونشر البحوث وتعميمها . كما طالت العناية مجال المخطوطات حيث أمر الرئيس بن علي منذ سنة 1995 باحداث المخبر الوطني لترميم المخطوطات وهو أول مركز مختص من نوعه في العالم العربي وافريقيا.

من جهة أخرى يجري تنفيذ المخطط الاستثماري لمدينة القيروان الذي خصصه المجلس البلدي للارتقاء بنوعية الحياة فيها، وتبلغ استثماراته 12 مليونا و337 ألف دينار خصصت لمد الطرقات بالمدينة وبناء الأرصفة ودعم شبكة التنوير والعناية بنظافة المدينة وحماية محيطها وتنظيم الأسواق فيها وبعث المساحات الخضراء وتجميل مداخل المدينة وإنجاز المشاريع الشبابية والرياضية والثقافية... ويتم حاليا إنجاز القسط الثالث من منتزه بركة الأغالبة وقد قطع المخطط الاستثماري البلدي لمدينة القيروان أشوطا متقدمة على طريق الإنجاز .

ومن أهم ما يميز المدينة الإحتفالات بالمولد النبوي الشريف الذي جعل منها قبلة الزائرين من كل الولايات التونسية وتضفي هذه الاحتفالات البهجة على أسواق المدينة العتيقة التي تتزين بالمناسبة وتلبس أجمل حللها وتختلط أنوار الميلاد هناك بإحياء تقاليد استهلاكية خاصة بالجهة، إذ أن القيروان تختص بنوع من الحلويات يسمى "المقروض" هو عبارة عن عجين السميد مقسمة لقطع متعادلة محشوة بالتمر أو اللوز ومغمسة في العسل بعد قليها في الزيت... وإذا كان هذا الصنف متوفرا طوال أيام السنة فإن أكلة "العصيدة" لا تطهى الا صبيحة المولد الكريم وتعطي اشارة انطلاق الاحتفالات بالمولدية وهذه "العصيدة " نوعان: واحدة بسيطة وشعبية وهي طبخ السميد أو الدقيق الأبيض في الماء ثم تناوله بالزيت أو الزبدة والعسل. أما الثانية فهي أرفع شأنا وهي خليط من "الزقوقو" حب الصنوبر تعلوه كريمة تزركش بحباب البندق والفستق واللوز المطحون والحلوى.

السجاد.. أشهر الصناعات القيروانية

وقد عرفت القيروان منذ القدم بحرفة خاصة بها، فالنقاشين والنساجين والسراجين يبعثون حيوية رائعة لكي تظل صناعة السجاد (الزربية كما يسميها التونسيون) من أهم أسباب شهرة القيروان إلى جانب الجامع الكبير. ففي بهو كل بيت قيرواني تتهافت النسوة والبنات على هذه الصناعة السحرية و"الزرابي" القيروانية ثلاثة هي الزربية ومصنوعة من الصوف الرفيع وألوانها دقيقة جدا . والعلوشة وهي أيضا مصنوعة من الصوف الرفيع وتمتاز بألوانها الطبيعية (الأبيض والأسود والكستنائي) والمرقوم ويصنع من الصوف المصبوغ بلون موحد يحتوي على زخارف في اشكال هندسية . وإلى جانب صناعة السجاد يهتم القيروانيون بصناعات اخرى مثل صناعة الأواني النحاسية وصناعة نقش الحديد والخياطة الرفيعة للبرنس والجبة (لباس الرجل التونسي).

 

 

 

العرب الدولية - لندن