أجندة "ليبرمان" الافريقية ... نهب وتخريب

 

 محمد العبد الله

 

22/09/2009

 

      انتهت زيارة وزير خارجية العدو الصهيوني للقارة الافريقية التي استغرقت تسعة أيام، جال خلالها على خمس دول أفريقية "اثيوبيا، أوغندا، كينيا" الواقعة في شرق القارة، و"نيجيريا وغانا" في غربها، بحصيلة جديدة من الاستثمارات، تمخّض عنها توقيع اتفاق في مدينة "يوجا" النيجيرية للتعاون الإقتصادي بين حكومة العدو والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "اكواس" من أجل معالجة قضايا ومشاكل الأمن الغذائي والفقر والجوع والتصحّر وقلة المياه. علماً بأن مصادر في وزارة الخارجية ومعهد التصدير في كيان العدو، يقدرون بان الطاقة التجارية الكامنة لافريقيا تساوي نحو مليار دولار آخر للاقتصاد "الاسرائيلي"، اضافة الى ثلاثة مليارات من البضائع والخدمات التي يصدرها الكيان إلى القارة.

 
    وقد ترافق مع هذه الهجمة التجارية و"الإنسانية" لرمز القتل والجريمة المنظمة وصاحب نظرية "قصف السد العالي لإغراق مصر" جهد غير منظور، تجلى في تشديد الحصار على الدول والقوى الرافضة لسياسة الابتزار الصهيونية، ولدور حكومات العدو المتتالية في دعم الحركات الانفصالية في أكثر من قطر عربي في القارة. ومن هنا لايستقيم تقييم الزيارة في بعدها "الدبلوماسي" فقط، خاصة وان الدافع المعلن للزيارة هو (استعداد "اسرائيل "مساعدة دول القارة في حل أزماتها: المجاعة، نقص المياه، التغذية، الاوبئة) كما كتب "يوسي ميلمان" في صحيفة "هآرتس" الصهيونية في الحادي عشر من هذا الشهر. لكن الوجه الحقيقي لها والذي لم يتم التركيز الإعلامي عليه كما يقول الكاتب (أن تََُفتح بوابات هذه الدول امام تصدير مزيد من السلاح والمنتجات الأمنية). وإذا "كان المكتوب يقرأ من عنوانه" فإن تركيبة الوفد الصهيوني، كشفت عن المهمات المنوطة به، فبالإضافة إلى طاقم موظفي وزارة الخارجية، ضم الوفد ممثلين عن دائرة المساعدات الأمنية في وزارة الحرب، وشخصيات أساسية في جهاز "الموساد"، وكبار تجار السلاح ومنتجي السلاح "شركة سلطم الصناعات العسكرية، الصناعات الجوية..."، ومندوبين عن شركات ومؤسسات تهتم بالبنية التحتية والزراعة والسدود المائية وشبكات الري.

 

   لقد استهدفت زيارة وفد حكومة العدو عدة دول افريقية ذات موقع جيواستراتيجي في شرق افريقيا وغربها. فاثيوبيا وأوغندا وكينيا تتمتع بأبعاد متعددة الأهمية للكيان الصهيوني: القرب من القرن الافريقي الذي يتحكم بمداخل البحر الأحمر، وامتلاك هذه الدول لخزانات مائية تتحكم في منسوب مياه نهر النيل الذي يعبر أراضي السودان ومصر بكل ماتعنيه متطلبات الحياة من اعتماد على مياهه، خاصة وأن سياسة "اغراق مصر بمياه النيل" ترتبط بالعقل الاجرامي/الفاشي لذلك الوزير، الذي لايتردد خبراء مشاريع الري والسدود الذين شاركوه زيارته في وضع المخططات الكفيلة بتخفيض كمية المياه عنها في مراحل لاحقة. أما نيجيريا، العائمة على بحر من النفط، فإن عين الهيمنة على ثرواتها، لايغفلها صاحب شركات "غسيل الأموال"، وعصابات "المافيا" الدولية.

 

   في بند أساسي تضمنته أجندة الزيارة، كانت ايران حاضرة في الرؤية الصهيونية للمهمات الدبلوماسية/الأمنية/الاقتصادية داخل القارة السوداء، فقد كشفت بعض المصادر في وزارة خارجية العدو عن "أنه سيتم التطرق إلى المسألة الإيرانية خلال هذه الزيارة في ضوء الجهود التي تبذلها إيران لتثبيت أقدامها في المنطقة والعمل فيها"، خاصة وأن لإيران مشاريع واستثمارات عديدة داخل بعض الدول الافريقية، التي زارها الرئيس الايراني في شباط/فبراير من هذا العام.

 

 

 

 

      كما أشار ميلمان في مقاله، إلى أن الجانب غير المعلن من زيارة ليبرمان إلى إفريقيا، أن "إسرائيل" تأمل بأن تفسح الزيارة المجال أمام إبرام صفقات أسلحة مع بعض الدول الغنية _ باع كيان العدو خلال السنوات الاخيرة لحكومة نيجيريا أسلحة ومعدات حربية، بقيمة نصف مليار دولار تقريباً_ مع معرفة حكومة العدو بالعجز الذي تعاني منه ميزانيات العديد من الدول الإفريقية، والتي يمكن لها أن تكون سوقاً للسلاح القديم الذي يتكدس في مخازن وزارة الحرب الصهيونية، والذي يمكن بيعه بأسعار تنافسية. لكن الأهم  في مقال "ميلمان" المشار إليه والمنشور تحت عنوان "زيارة ليبرمان الى افريقيا: يتحدثون عن القضاء على المجاعة ويهمسون عن صفقات سلاح" هو (الأمل في تطوير علاقات استخباراتية وتعاون ضد العناصر الجهادية الدولية، وخصوصاً مواجهة نشاطات إيران في بعض هذه الدول الإفريقية).

 

    لقد أنعشت زيارة ليبرمان لافريقيا الذاكرة العربية التي مازالت تحتفظ لمصر الناصرية بدورها التحرري والانساني في دعم شعوب القارة التواقة للحرية والاستقلال، لكن الحقبة السياسية التي أعقبت اغتيال تلك التجربة العربية في مركزها أفرزت قوى مرتدة، أخرجت مصر من مواجهة العدو الصهيوني ومركز الامبريالية، بل وفتحت بوابات القاهرة لتعبر منه تلك القوى للقارة، مما أعاد لقوى الهيمنة الاستعمارية والصهيونية وظيفتها في نهب خيرات القارة وتفتيت دولها، وإغراقها في فوضى سياسية ومجازر عرقية وحشية، تتيح لها مجدداً العودة لاستعمار القارة الافريقية.

 

   مع النشاط الدبلوماسي لليبرمان وطواقمه في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وبعض الدول الأسيوية، تتوضح خطط التحرك الصهيوني على أكثر من مجال، وفي سبيل تحقيق أكثر من هدف. فماذا  عن تحرك "دبلوماسية" قوى المقاومة العربية لمواجهة غزو الصهيونية للمواقع الصديقة والحليفة لقضايانا؟