بوستروم - يفسييف: ما أشبه الليلة بالبارحة
16/09/2009
كنت في كلمة الرثاء التي كتبتها عن جورج حبش “الاستثناء في التفاصيل أيضاً” قد أشرت
الى قصة يفسييف، المفكر السوفيتي والمختص بالآيديولوجيا الصهيونية، والذي كان قد
نشر عدة كتب تدحض العقيدة الصهيونية، العنصرية، الأمر الذي ألب ضده “اسرائيل”
و”رأياً عاماً” مناصراً أو منحازاً لها أو متواطئاً معها أو محاذراً منها.
وكانت صحيفة “الثورة” السورية قد أجرت مقابلة مطوّلة معه (قسّمتها الى حلقتين) نشرت
الحلقة الاولى، ولكن الحلقة الثانية التي كان من المُفترض نشرها في اليوم الثاني لم
تُنشر، وقد يعود السبب الى تدخّل السفارة السوفييتية في حينها (1985)، الأمر الذي
حال دون نشر بقية المقابلة. وإذا كان المكتوب يُقرأ من عنوانه كما يُقال، فإن ما
ورد في القسم الأول كان مراجعة ونقداً للموقف السوفييتي من قرار التقسيم، وتخطئة
لمواقف القيادة الستالينية، لاسيما وقد انحاز بعض كبار موظفي وزارة الخارجية الى
قرار التقسيم وانشاء دولة “اسرائيل”، خصوصاً أنهم من اليهود، محاولين اضفاء بُعدٍ
مبدئي عليه بعد تبريرات البُعد السياسي والواقعي، ولعل هذه المساومة جاءت على حساب
شعب شرّد من أراضيه ولا ذنب له.
كان صدور قرار التقسيم بغض النظر عن تقويماته والذرائع المختلفة، ثم كيف سارت
الامور وأي الاتجاهات اتخذتها، إلاّ أنه بكل المعايير قرار مجحف ويتعارض مع قواعد
القانون الدولي، إذ ليس من حق الامم المتحدة، وهذه سابقة خطيرة، اتخاذ قرار بتقسيم
بلد خارج رغبة سكان البلاد الاصليين، كما أن مسؤولية بريطانيا دولة الانتداب كانت
تقتضي تأهيل شعب فلسطين لنيل الاستقلال، لا تشجيع عوامل الانقسام والانشطار والهجرة
اليهودية اليه.
وعندما اتخذ الزعيم السوفييتي غورباتشوف قراراً باتجاه اعادة البناء والشفافية
“البريسترويكا والغلاسنوست” انتعشت الحركة الصهيونية في الاتحاد السوفييتي، ووجدت
في ظروف الحرية، فرصة جديدة للتعبير عن ضيقها وتبرمها بما تعرّضت اليه من كبت طيلة
سنوات طويلة، منذ أن عارض لينين فكرة البوند بتأسيس فرع خاص للشيوعيين اليهود تحت
باب الخصوصية، واعتبرها تقسيماً للطبقة العاملة التي كان الشعار المركزي يدعو الى
اتحادها وجميع الشعوب المضطهدة.
وهنا ينبغي التفريق بين ما تعرّض له اليهود من اضطهاد وهدر سافر لحقوق الانسان في
الاتحاد السوفييتي وبين الموقف من الصهيونية وأساليبها الجهنمية، وهو الموقف
المتوازن، الانساني، الذي لا بدّ من استحضاره دائماً.
كان يفسييف أول من استهدف من الاكاديميين السوفييت بعد البريسترويكا فاتّهم بأنه
معاد للسامية، لمواقفه من الصهيونية والعنصرية، وجرى التشكيك في أبحاثه ودراسته
العلمية، وعُزل من منصبه كباحث في أكاديمية العلوم السوفييتية، ومن ثم جرى سحب
شهادته لأنه معاد للسامية، وبعد سنوات خمس من المعاناة وجد مقتولاً بالقرب من ضواحي
موسكو.
الشيء بالشيء يُذكر، فالصحافي السويدي الذي جاء بمهمة انسانية ومهنية لتأليف كتاب،
أرعبته الحقائق التي شاهدها وحاول أن يدوّنها عن بشاعة العنصرية- الصهيونية، لاسيما
ما يتعلق بسرقة الاعضاء البشرية، وهو ما كشف عنه عبر شهادات من 69 عائلة، إضافة الى
أنه أرّخ بدقة وقائع مواراة الشهيد أحمد غانم بالتراب ودفنه بعد أن نقلته المروحية
“الاسرائيلية” بعد اغتياله في يوم 13 أيار (مايو) ،1992 ثم أعادت جثته وقد تعرضت
الى الشق من الحلق حتى أسفل البطن، وتم خياطتها بشكل رديء، ثم لفّت بأغطية خضراء
تابعة للمستشفى، وكانت الجثة قد اختفت لمدة خمسة أيام، وأعيدت بعد أن أودعت بكيس
أسود وطلب من عدد محدود من أقاربه في هزيع الليل دفنه بعد اطفاء الكهرباء، في ليل
بهيم.
وكان بوستروم يتابع ذلك بدقة واستطاع بمساعدة آخرين تصوير هذا المشهد، وهو الذي
يمكن اعتباره احدى الشهادات الحقيقية النادرة والموثقة من شخص محايد، وهو ما كشفه
في 17 آب (أغسطس) 2009 في صحيفة أفتون بلاديت السويدية، رغم أن هذه المعلومة لم
تُنشر لأول مرة، فقد سبق له أن دوّنها في كتاب صدر له قبل أكثر من ثمان سنوات.
“اسرائيل” التي أثارت ضجة حول الصحافي، امتدت لتطال حكومته وحرية التعبير، سوف لا
تهدأ ولن تستريح الاّ باسكاته أو حتى تصفيته أو ايجاد فخ لإيقاعه فيه، وهو ما
حاولته مع العديد من الشخصيات المعادية للصهيونية والرافضة لممارستها العنصرية،
وإذا كان يفسييف صديق العرب قد ذهب ضحية غدر والتباس وتواطؤ، فلا ينبغي ان يذهب
بوستروم هكذا، ضحية رخيصة ويضيع دمه مثلما ضاع دم يفسييف، في ظل الفوضى العارمة
التي لفّت الاتحاد السوفييتي السابق.
وعلينا نحن العرب تقع مسؤولية على هذا الصعيد، ولنتذكر ماذا فعلنا ليفسييف!؟ هل
احتضناه وعوّضناه ونشرنا كتبه ودعمنا أبحاثه، وكنت قبيل مقتله قد اتفقت مع الدكتور
جورج حبش على تكريمه ودعوته الى سوريا ولبنان واطلاعه على أوضاع المخيمات ودعمه
مادياً ومعنوياً، إذ لا عمل من دون ثمن، وليكن ثمن الموقف المبدئي، موقفاً مبدئياً
وشجاعاً من طرفنا أيضاً.
وبهذه المناسبة فهي دعوة مفتوحة للنخب الحاكمة وغير الحاكمة، الثقافية والسياسية
والدينية العربية والاسلامية والمسيحية، للدفاع عن بوستروم والتحذير من مغبة تعرّضه
الى مكروه وتحميل ذلك للمستفيد من محاولة تصفيته وتغييب صوته وقلمه، وعلينا نشر
كتابه بالعربية وترجمة مقالاته ودعوته الى زيارة المنطقة وتنظيم حملة تضامن معه من
مثقفي واعلاميي العالم، وهي دعوة موجهة الى منظمات حقوق الانسان ونقابات المحامين
واتحادات الصحافيين والنقابات والاتحادات المهنية والاجتماعية، والى المؤتمرات
القومية والاسلامية والمنتديات التقدمية واليسارية.
ان حملة “اسرائيل” اليوم ضد بوستروم تشبه حملة القوى المؤيدة للصهيونية في داخل
الاتحاد السوفييتي وخارجه ضد يفسييف وأقرانه من المناوئين للصهيونية، بل هي انتقام
مما أقدم عليه الزعيم السوفييتي الذي وافاه الاجل سريعاً أندروبوف من تشكيل “اللجنة
الاجتماعية السوفييتية لمكافحة الصهيونية” العام 1983.
إن هيئة لمتابعة الجرائم “الاسرائيلية” ووضع هذه الجريمة الجديدة في إطار التهم
الموجهة للمرتكبين “الاسرائيليين” وإقامة دعاوى فردية وجماعية ضدهم، أصبحت تهماً
واضحة مثل الابادة الجماعية أو الجرائم ضد الانسانية أو جرائم الحرب، ويمكن أن ترفد
هذه الجرائم “الاسرائيلية”، ملف الدعاوى ضد الجناة، الذين لا بدّ من تقديمهم الى
القضاء الدولي وإن كان الأمر آجلاً، فلا بد من إبقاء حلم العدالة الدولية قائماً.
باحث ومفكر عربي
alkhaleej