عشر سنوات على الغياب البياتي

 عبد الرحمن مجيد الربيعي

08/09/2009

لم يعد الموت مخيفاً كما كان يوماً، هذا ما كان يردده شاعر العربية الكبير عبد الوهاب البياتي، وكان في زيارته الأخيرة لتونس متآلفاً مع نفسه، مبحراً مع هدوء عجيب لم أعرفه من قبل. وكان تحت هاجس انه لن يعيش اكثر مما عاش والده، وانه سيموت في العمر نفسه. ولم أسأله كم كان عمر والده عندما توفي، ولكنه ذكر ان الربو هو بعض ما ورثه منه، وكان الربو قد تفاقم عليه بشكل لم أعهده منذ ان عرفته اواسط سبعينيات القرن الماضي عندما تقابل مكتبانا في جناح واحد من مبنى وزارة الثقافة ببغداد.

في آخر زيارة له لتونس اجتمعنا في بيتي، البياتي وعوني الديري الكاتب والمترجم اللبناني، الذي أحب بغداد وعاش فيها وتزوج وأنجب، واضطر اخيراً الى مغادرتها لأربيل حيث افتتح هناك مشروعاً تجارياً.

ولم يكن ابو علي البياتي على تألقه القديم، بل كان متعباً الى أبعد حدّ، يختنق بدخان سيكارته فيظهر من جيبه ما تسمى في تونس 'الفشفاشة' ويستنشق مما تضخه لينفتح صدره حتى يواصل التدخين، وكانت تأخدذه غفوة منا، يحلق على جناحها ثم يصحو.


أتذكر ان عوني الديري قد سأله ان كان بمقدوره التخفيف من التدخين، ولم يعط جواباً، اكتفى بتمتمة من شفتيه.

بعد أن اوصلتهما كُلاًّ الى فندقه وعدت الى البيت قالت لي أم سومر:

ـ أخشى ان تكون هذه آخر مرة نرى فيها البياتي!

وكان سومر قد امتلأ بملامح وجه عمو البياتي كما يسميه من خلال تطلعه اليه من ساقيه بفضول ابن السابعة.

وقد سألني: أشبيه عمو البياتي يكيّف برشه؟

قلت له: هو هكذا.

لم أعرف البياتي إلا وهو يدخن، هذا ديدنه، كما انه محب لنبض الحياة، مكتف من ملذاتها بالسيكارة والكأس. ولم يكن يتكلم إلا عن علاقاته العاطفية التي يفضل ان يحيلها على شعره لتكون كل امرأة رمزا اكثر منها امرأة معينة.

ولم يجبني مرة عن المسافة بين المرأة ورمزها ويذهب بعيداً في تداعياته عندما نسأله عن عائشة مثلاً، ومن هي.

كما كان البياتي في كل مراحل عمره معنياً بأناقته وبتسريحة شعره ووضع ربطة العنق وكأنه متهيئ للذهاب الى حفل استقبال، ولم أره وهو يرتدي القميص فقط إلا مرات معدودة وعندما يكون حرّ بغداد في أوجه.

ومن اجمل ذكرياتي معه عندما زرته مرتين اثناء اقامته في مدريد اذ كنا نلتقي عصراً في المقهى الذي صار عرب مدريد من مثقفين وأدباء يسمونه مقهى البياتي في شارع برنسيسا. وعندما يبدأ الليل ننطلق على أقدامنا وندور في اقبية الليل المدريدي حيث راقصات الفلامنكو الباهرات ورحيق 'السنكرية' الحلو.
ولا نمكث في المكان الواحد طويلاً اذ سرعان ما نغادره الى قبو آخر في هذا التطواف الليلي.

وكان أبو علي وقتذاك في أوج حيويته وأوج انشراحه وأستطيع ان أضيف وأوج مجده الشعري، اذ انه في المكان الذي أحبّ أن يكون فيه. وقد سمّاه بالاسم 'مدريد' عندما ارتأت الدولة تكريمه فلم يطلب شيئاً الا الذهاب الى مدريد. وللتاريخ نذكر أن مَنْ أمر بذلك هو 'السيد النائب' قبل ان يصبح رئيساً للجمهورية.

لقد خلّف البياتي وراءه أعداء لا يحصى عددهم، لأنه كان صريحاً الى أبعد حد، وربما كان هذا عيبه رغم انه فضيلته كما يرى البعض فلم يسلم منه أحد. شتم نزار قباني والفيتوري وآخرين.

ولكنه أيضاً كان يخلف وراءه محبين صادقين في كل مكان يحل فيه، في موسكو والقاهرة (كم له من محبين فيها!) وكذلك عمان محطته ما قبل الأخيرة ثم دمشق التي تحول اليها ولم تستمر اقامته الا تسعة أشهر توفي بعدها.

يذكر الباحث العراقي حسن العلوي في حديث متلفز له انه علم برغبته في التحول الى دمشق عندما التقيا في مهرجان الجنادرية بالرياض، وقد عرض الموضوع على المسؤولين في سورية فرحبوا به ليقيم في دمشق. لكن ما أكده العلوي في الحديث نفسه انه كان يريد الاقامة بدمشق ليموت فيها ويدفن الى جانب شيخه محيي الدين بن عربي لأن الأخوة في الاردن قد أكرموا وفادته وعاملوه بالاحترام الذي يليق باسمه ومكانته الكبيرة.

وكما فعلت دمشق مع مثقفين عراقيين كبار آخرين أمثال محمد مهدي الجواهري تعاملت مع البياتي، ومنح راتباً وبيتاً وعندما توفي بقي البيت لسكنى ابنته حتى يومنا هذا كما هو الحال مع أسرة الجواهري.

ويبدو ان البياتي لم يكن يعرف انه لا وجود للمقبرة التي اوصى بأن يدفن فيها، وان ابن عربي مدفون في مكان خاص. وهنا وقف حاملو نعشه عاجزين وقد انقذهم من قال ان هناك مقبرة قريبة فحمل ليدفن فيها.

كان موته فرصة لمن لم يتجرأوا على الاقتراب منه لكي ينهشوه. ولكنه ايضاً كان فرصة لمحبيه لتأكيد حبهم له ولمكانته الشعرية الريادية حياً او ميتاً.

وفي تونس قرأت أخيراً مخطوطة كتاب 'البياتي كما عرفته' للباحث والناقد التونسي المعروف ابو زيان السعدي الذي اوكل لمحدثكم كتابة تقديم له، واعتقد ان هذا الكتاب أجمل هدية تقدم لذكرى ابي علي العاشرة وكيف تتسارع السنوات وتمرّ سنوات رغم انها تمنحنا اشياء جميلة الا انها تسلبنا في الآن نفسه اشياء جميلة لا تعوض.

ابو علي عبد الوهاب البياتي لم يغب عنا، فمن يترك كل هذا الارث الشعري المتجاوز هو حيّ به، متجدد ومتواصل. ولكنها ايضا مناسبة ليقرأ شعره بأناة وموضوعية بلا ضغائن او انحياز اذ رغم كل ما كتب عنه وهو يبزّ ما كتب عن الشعراء المجاملين له الا ان هناك ما لم يكتب.


توفي البياتي في 3 آب (اغسطس) 1999

 

 كاتب عراقي - تونس