'بوهيميا الخراب' لصلاح صلاح: رواية من أدب المحنة العراقية

22/09/2009
بعد روايته 'تحت سماء الكلاب' الصادرة عام 2005 ببيروت، يعود الكاتب العراقي المقيم
في كندا صلاح صلاح برواية ثانية عنوانها 'بوهيميا الخراب' وهي رواية كبيرة الحجم
(478) صفحة مكتظة السطور، بحيث تحتاج قراءتها الى صبر طويل، ولو لم تكن ملأى
بالاثارة والدهشة والقبح والصدق لكانت قراءتها متعذرة.
ومع هذا قرأتها بتواصل باحثا عن أسئلة العراق فيها، لأن هناك فترة مهمة لم يتسن لي
ان اعيشها وهي فترة قصف العراق ومحقه عام 1991، ثم حصاره الذي لا شبيه له في
التاريخ. وكانت نتائجه مريعة ولا ندري كيف للضمير الانساني الانحنائي المشين لارادة
السيد الامريكي، حيث كان لكل منهم مقدمة طويلة النفس لاحتلال البلد عام 2003،
وانهاء كل مقومات الهوية والسيادة فيه وتحويله الى طوائف واعراق تتقاتل على فتات
مكاسب يمنّ بها عليهم المحتل.
هذه فترة لم اعشها ولكنني تابعتها من تونس، وكتبت عنها، ولكن الكثير من التفاصيل
فاتتني أو انني لم أعرفها ولم أتوقع هذا الحجم من البشاعة التي عوقب بها شعب كانت
ارضه منشأ أقدم حضارات البشرية. وأقول استطرادا انني لم استطع ان ادرك لماذا كل هذا
وعلى العراق دون غيره من بلدان الدنيا؟ ما الذي فعله؟ فاذا كانت هناك كراهية للنظام
مهما كانت درجتها فهي لا تسوّغ كل هذا الخراب!
رواية صلاح صلاح هذه تحكي فيها قصة العراق منذ الحرب العراقية الايرانية، وبطلها
الذي هو الكاتب نفسه جنّد في هذه الحرب، وقاتل فيها، وقتل ايضا، كما قتل أسيرا لأنه
وجد في قتله رحمة له.
يهرب مرة، ينغمر في بغداد كما المثقفين المهمشين يدخل في تفاصيلهم، ويسميهم
بأسمائهم الحقيقية، تجد شوقي كريم، عبد الستار ناصر، حميد المختار، لطفية الدليمي،
محمد تركي النصار، كولالة نوري، أمل منصور، نصيف الناصري، صلاح زنكنة، حسن النواب،
خضير ميري، جان دمو... الخ.
تجد مقهى حسن عجمي والشابندر والبرازيلية ونادي اتحاد الادباء.
يعيش الراوي مع جدته في شبه بيت، فوالده توفي، وأمه تزوجت بآخر، ثم تعدم هذه الام
لعلاقتها بالحزب الشيوعي (لم يظهر الاسباب، فالعلاقة الحزبية لا تكون سببا لاعدامها).
يتردد الراوي على مدينة بعقوبة، يتعرف على عائلة، وبما يشبه النزوة يطلب يد ابنتها
فتتم الموافقة ويتزوج وهو المفلس، وينجب.
كان طالبا في كلية تقنية ثم يفصل، الفتاة التي كان مرتبطا بصداقة معها تذهب في طريق
آخر، تصبح لها علاقة مع أجهزة المخابرات، يجدها غريبة عنه.
كان سئما وضجرا، ومع هذا كان حزبيا، يعتقل مرارا لتشرده، ثم يطلق سراحه.
يلتحق بمعمل للادوية في سامراء، يعطى بيتا، يتحول اليه مع زوجته وولده، لا يعرف كيف
يرتب حياته.
يشتم كل شيء، استنفد كل قاموس الشتائم، يظهر بشاعة ما يراه، بل يبشّعه اكثر.
يتحدث عن طبقة من اثرياء الحصار والخطأ هنا ان يجعلهم كلهم من مدن عراقية محددة
فينزل شتائمه على كل من انتمى لهذه المدن، وهذا أمر غير مقبول. ومع هذا يتمادى فيه
ويكرره كلازمة منزلا المزيد من الشتائم التي اخذ بها الاخضر بجريرة اليابس.
والراوي يحاول ان يكون كاتب قصة، يفكر في انجاز مجموعته الاولى، ولكنه يعجز عن
الكتابة، وعندما يفلح في هذا يسلم مجموعته لناشر نصّاب، فينطفئ حلمه الى حين.
عالم ادباء بعقوبة طريف، فيه يأخذ عينات منهم امثال امير الحلاج وصلاح زنكنة وآخرين،
وماذا فعل بهم الحصار وكيف يمارسون ما قسم حياتهم وقد اغلق الحصار عليهم كل المنافذ.
لكن المشاهد البشعة التي ثبتها في روايته هي مشاهد القصف عام 1991، والتي حولت كل
بناء قائم الى انقاض بما في ذلك معمل أدوية سامراء وهو اشهر معمل ادوية في العراق.
وتنضاف لجغرافيا الرواية بين بغداد وبعقوبة وجبهة الحرب مدينة البصرة عندما ذهب
الراوي مع والد زوجته للبحث عن ولده المجنّد والذي كان في جبهة الكويت، وفي البصرة
يعتقلان فيقتل الوالد، ويطلق سراح الراوي لأن لديه هوية جامعية، واعتقالهما تم من
قبل القوات العراقية التي كانت تطارد المنتفضين عليها بعد الانسحاب وما حصل من دمار
وتخريب وقتل، ويتحدث عن الدور الايراني في هذا.
يضيع والد زوجته كما يضيع الولد المجند، ويعود الراوي ليعيش بقية مأساته.
هذه رواية ملعونة، وسخة، مليئة بكل البذاءات الممكنة، بكل الافعال المشينة،
والمسوّغ لكل هذا انها حصلت في زمن رديء، بل ورديء جدا هو زمن الحصار.
ومن المؤكد جدا ان الكاتب كان يتمثل كتابات الروائي الامريكي هنري ميللر بكل جرأتها
وفضائحيتها، فقد يحس قارئ هذه الرواية سطوة ميللر على صلاح صلاح، ولكنه قد يمضي
خطوات أبعد بأن يعترف بأن بطل روايته قد تعرض للاغتصاب الجنسي مرارا واولاها في
معتقل مع مجرمين ومهمشين.
لقد قرأت هذه الرواية بعد أن ألغيت أي حساب مع الكاتب حول لغته التي لا علاقة لها
ابدا باللغة العربية وقواعدها، فالفاعل ينصب والمفعول به يُجرّ أو يُرفع، والاملاء
يكتب كيفما اتفق، اي هي ركام من الفضائح اللغوية.
وكان بامكان الكاتب ان يستعين بخبير لغوي ليصححها له، ولا ادري كيف مرت على دار
النشر (دار التنوير بيروت) او على الدار الموزعة (دار الفارابي).
ومع هذا أقول ان هذه الرواية شأنها شأن روايته الاولى 'تحت سماء الكلاب'، وثيقة
عمّا جرى، تُقرأ بألم لا حدّ له.