موقف الولايات المتحدة من قضية اللاجئين
نبيل
محمود السهلي
22/09/2009
يلاحظ المتابع لسياسة الولايات
المتحدة في الشرق الأوسط، وموقفها من القضية الفلسطينية بشكل عام، ومن مشكلة
اللاجئين الفلسطينيين بشكل خاص أنها اتسمت بسمات أساسية على مدار أكثر من ستة عقود
خلت (1948-2009)، يمكن إجمالها بالتالي: قلة المتغيرات وقوة الثوابت، وقد ارتبط ذلك
بمجموعة من الاعتبارات والمصالح الإقليمية والدولية للولايات المتحدة الأميركية،
وليس بوجهة النظر التي يحملها رؤساء الولايات المتحدة الذين توالوا على قيادة
الإدارات الأميركية، وقد اضطر بعضهم كالرئيس كارتر أن يتراجع عن تعهداته وقناعته
بصدد القضية الفلسطينية التي تحدث عنها أثناء حملته الانتخابية. لكن لا بد من
الإشارة إلى أن ثمة دوراً للرئيس الأميركي في رسم وصوغ السياسة الأميركية. وقد عملت
الولايات المتحدة على احتواء الصراع العربي - الإسرائيلي، وبالتالي جوهره المتمثل
بالقضية الفلسطينية، وذلك لتحقيق الأهداف المختلفة، وفي مقدمها الحفاظ على المصالح
الأميركية في الشرق الأوسط.
ويمثل موقف الإدارات الأميركية المتعاقبة من قضية اللاجئين بشكل خاص انعكاساً لمدى
العلاقة مع "إسرائيل"، فكلما توطدت علاقة الإدارة معها، تراجع الاهتمام بالقضية
الفلسطينية. ويمكن القول إنه منذ إدارة الرئيس الأميركي هاري ترومان، بقيت القضية
الفلسطينية ومن ضمنها قضية اللاجئين، أسيرة الصراع الدائر بين قوى الضغط المؤيدة
ل"إسرائيل" والإدارات الأميركية المتعاقبة لجهة دعم المواقف الإسرائيلية على
مستويات مختلفة اقتصادية وسياسية وديبلوماسية.
وبالعودة إلى مواقف بعض رؤساء الولايات المتحدة إزاء القرارات الدولية المتعلقة
بالقضية الفلسطينية، يمكن معرفة الاتجاه العام لمواقف الإدارات الأميركية إزاءها،
فقد طالب الرئيس ترومان في 9/5/1949 بضرورة عودة ما بين 200 و300 ألف لاجئ فلسطيني
إلى ديارهم، وذلك عبر رسالة وجهها إلى ديفيد بن غوريون، وهدد بأن تعيد الولايات
المتحدة النظر في موقفها من "إسرائيل"، لكن في مقابل ذلك ركزت الولايات المتحدة على
ضرورة توطين اللاجئين الفلسطينيين عبر نفوذها الكبير في لجنة التوفيق الدولية،
وبدأنا نشهد مشاريع وخططاً أميركية لتوطين اللاجئين في الدول العربية المضيفة، ومن
بين تلك الخطط، كان هناك مشروع يقضي بتوطين نصف مليون لاجئ في الدول العربية وبكلفة
إجمالية تصل إلى 250 مليون دولار تساهم الولايات المتحدة بنصفها. ومن المشاريع
الأخرى الهادفة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، مشروع غوردون كلاب، ومشروع جونستون
(1953-1955)، ومشرع دالاس لعام 1955 القاضي بإنهاء قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر
استئناف حياة جديدة عن طريق إعادة استقرارهم، من خلال عودتهم إلى وطنهم ضمن الحد
الذي يكون ممكناً، أو بتوطينهم في البلدان العربية.
وفي 2/10/1961 قدم جوزيف جونستون رئيس معهد كارنيغي للسلام مقترحاته حول قضية
اللاجئين بتكليف من الرئيس جون كينيدي، وتقضي بأن يستشار اللاجئون من أرباب
العائلات من قبل الأمم المتحدة بعيداً من الضغط، ويكون الخيار أمامهم بين العودة
إلى فلسطين أو الحصول على التعويض، لكنه ربط هذا الاقتراح بأن ل"إسرائيل" الحق في
رفض عودة أي لاجي حفاظاً على مصالحها الأمنية. وفي ما بعد أكد الرئيس ليندون جونسون
أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19/6/1967 أنه يجب حل قضية اللاجئين حلاً
عادلاً، وتراجع الخطاب السياسي الأميركي إزاء قضية اللاجئين الفلسطينيين في عهد
الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، فقد أوضحت البيانات الصادرة عن لقاءات بين وزراء
في حكومته مع وزراء إسرائيليين بأن الولايات المتحدة لا تقبل خطط العرب في ما يتعلق
بقضية اللاجئين، وقلصت إدارة الرئيس كارتر مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وطريقة حلها
إلى حد كبير جداً، وجاء في الرسالة التي وجهها كارتر إلى "إسرائيل" بواسطة الحاخام
الأكبر شلومو غورين، بأنه يجب إيجاد حل لقضية اللاجئين العرب واليهود وفق شروط
الاتفاق عليها، ومنذ مشروع الرئيس الأميركي رونالد ريغان في أيلول (سبتمبر) 1982
وحتى تبوء بوش الأب سدة الحكم في الولايات المتحدة انصب الخطاب الأميركي إزاء
القضية الفلسطينية على ضرورة المزاوجة بين اتفاقيتي كمب ديفيد ومشروع ريغان، وفي ما
عدا ذلك لا يرد في الأدبيات الأميركية سوى البحث عن حل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.
وخلال عهد بوش الأب استطاعت الإدارة الأميركية عقد مؤتمر مدريد في نهاية عام 1991
بحضور "إسرائيل" وأطراف عربية من بينها الطرف الفلسطيني كجزء من الوفد الأردني،
سرعان ما تحول إلى وفد مستقل، وفي 13 أيلول 1993 وقعت اتفاقيات أوسلو بين منظمة
التحرير الفلسطينية و"إسرائيل"، وأجل المفاوضون الفلسطينيون والإسرائيليون قضايا
جوهرية، كاللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والسيادة إلى مفاوضات الوضع النهائي.
وخلال الفترة التي تلت تلك الاتفاقيات حاولت الولايات المتحدة إيهام العالم بأنها
وسيط نزيه، على رغم دعمها ل"إسرائيل" عند ارتكابها المزيد من المجازر، بل ذهبت إلى
أبعد من ذلك حين أسقطت العديد من مشاريع القرارات الدولية التي تدين ممارسات "إسرائيل"
التعسفية خلال الانتفاضة. وبعد جمود سياسي في المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية،
مع إصرار "إسرائيل" على فرض الشروط من خلال قوتها العسكرية، والبدء ببناء الجدار
العازل الذي سيبتلع أجزاء كبيرة من أراضي الضفة الغربية، حدث التحول السياسي الكبير
في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، حين أعلن الرئيس جورج بوش الابن في
14/4/2004، التزام الولايات المتحدة أمن "إسرائيل" والحفاظ على طابعها كدولة يهودية.
ثم جاءت إدارة أوباما لتؤكد من جديد على الثوابت الرئيسية في السياسة الأميركية
الشرق أوسطية من خلال التأكيد على ضمان أمن "إسرائيل" وانسياب المساعدات الأميركية
لها، وذلك على رغم التباين اللفظي بين الإدارة الأميركية وحكومة نتنياهو حول حل
الدولتين والاستيطان. ويبدو أن هناك انحيازاً من جانب الإدارة الحالية لمصلحة
المواقف الإسرائيلية.
* كاتب فلسطيني
صحيفة الحياة اللندنية