اللاجئون الفلسطينيون وهاجس حق العودة

 عامر راشد

2009-09-06


تعدّ قضية اللاجئين الفلسطينيين أهم المكونات الجوهرية للقضية الفلسطينية، وأكثرها تعقيداً ومأساوية، ودليلاً متواصلاً منذ واحد وستين عاماً على إجحاف المجتمع الدولي بحقهم، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه تقرير مصيره، وسياسة تعطيل القرارات والإرادة الدولية الجماعية التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية الراعية والداعمة للمشروع الاستيطاني التوسعي الإسرائيلي، وافتقار نسق الميزان الدولي السائد منذ الحرب العالمية الأولى إلى ترجمة مقولات العدالة الأخلاقية في التطبيقات العملية للقانون الدولي والقرارات الدولية، وفي السياسة الممارسة من الدول الكبرى القائمة على ابتزاز الدول والشعوب المستضعفة والتعدي على حقوقها.


ولعل الشعب الفلسطيني هو الشعب الوحيد بين شعوب العالم الذي كان ضحية توافق الشمولية الستالينية السوفييتية والإمبريالية الأميركية على إنشاء دولة (إسرائيل) على حساب حقوقه التاريخية في أرضه وهويته الوطنية، وغصباً عن وقائع التاريخ والجغرافيا.


ومنذ انطلاق العملية السياسية والتفاوضية في «مؤتمر مدريد» الذي انعقد في الثلاثين من تشرين الأول 1991، بدعوة مشتركة آنذاك من الرئيس الأميركي جورج بوش (الأب) ورئيس الاتحاد السوفييتي ميخائيل غورباتشوف، يعيش اللاجئون الفلسطينيون هاجس الخوف من إسقاط حقهم في العودة إلى ديارهم، وشطب القرار 194 أو إفراغه من مضمونه. وازدادت هذه المخاوف بعد توقيع اتفاق أوسلو في الثالث عشر من أيلول 1993 (اتفاق إعلان المبادئ والاعتراف المتبادل)، و(غزة أريحا أولاً اتفاق الحكم الإداري الذاتي الانتقالي) الذي وقع في الرابع من أيار 1994 وتم بمقتضاه ترحيل قضية اللاجئين مع قضايا (القدس، المستوطنات، الحدود) إلى ما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في العام 1998، مع فارق جوهري، تمثل في ربط قضية اللاجئين بإطار «المفاوضات متعددة الأطراف»، على خلاف القضايا الثلاث الأخرى التي تم ربطها بالمسار الثنائي الفلسطيني الإسرائيلي.


ومع انطلاق المفاوضات المتعددة الأطراف ثبتت جدية مخاوف اللاجئين الفلسطينيين، حيث أصرت الولايات المتحدة الأميركية و(إسرائيل) على إسقاط حق العودة، وتجاوز الإرادة الدولية المعبر عنها في نص القرار (194)، وتمييع جوهر الصراع، والتركيز على قضايا التعاون الاقتصادي والأمن الجماعي، وكأن الاحتلال الإسرائيلي غير قائم.


وكانت الولايات المتحدة الأميركية قد وجهت في التاسع من أيار 1992 ضربة قاصمة للمفاوضات الإقليمية متعددة الأطراف، بإعطائها لـ(إسرائيل) وعداً بمنع الخوض في حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وعدم الاعتراف بالتمثيل الشامل للوفد الفلسطيني المشارك في المفاوضات، (المقصود بذلك ألا يكون الوفد الفلسطيني المفاوض ممثلاً للفلسطينيين في الضفة والقدس الشرقية وغزة ومخيمات وتجمعات اللاجئين). وتجلت خاتمة إخفاق اللجان المتعددة بانتهاء اجتماع لجنة اللاجئين في أوتاوا دون إصدار بيان ختامي، واكتفت رئيسة اللجنة (كندا) 16/5/1992 بإصدار بيان وصفته بأنه حل وسط، واعتبرت فيه أن قضية اللاجئين قضية سياسية، حلها بمفاوضات مباشرة بين الدول العربية و(إسرائيل)، وشطبت مرجعية القرار (194) بضغط من الولايات المتحدة الأميركية.


وشجعت العملية السياسية التي انطلقت في مدريد خريف عام 1993 على إطلاق عدة مشاريع للتوطين، وحاولت بعض الشخصيات الرسمية في السلطة الفلسطينية إيجاد مقاربات مع الوجهة الإسرائيلية والأميركية لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين، من خلال إعلان وثائق مع شخصيات إسرائيلية غير رسمية، اقترحت فيها مقايضة حق العودة بتنازلات إسرائيلية في ملفات القدس والمستوطنات والحدود، إلا أنها لم تلق قبولاً من الجانب الرسمي الإسرائيلي، ومن أبرز هذه الوثائق: «وثيقة أبو مازن بيلين»، «مشروع سري نسيبة عامي إيالون»، «وثيقة جنيف البحر الميت» التي وقعها ياسر عبد ربه ويوسي بيلين.. وألقى الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون آخر ما في جعبة إدارته من حلول على أبواب رحيلها، حيث اقترح في مفاوضات كامب ديفيد 2 ( 20 كانون الأول/ 2000) حل قضية اللاجئين الفلسطينيين بوضع عدة خيارات أمامهم، مشطوب منها خيار العودة إلى ديارهم التي شردوا منها في عام 1948.. ومثل هذا الخط الواصل بين كل المقترحات التي طرحت في لجنة اللاجئين في المفاوضات المتعددة الأطراف، وكامب ديفيد 2 (تموز 2000)، ومفاوضات طابا (كانون الثاني 2001)، إلى أن حدثت نقلة نوعية جديدة بالاتجاه السلبي، بوضع «خطة خارطة الطريق الدولية» لقضية اللاجئين الفلسطينيين في سياق العلاقة والمفاوضات الثنائية بين السلطة الفلسطينية و(إسرائيل)، وشطب مرجعية منظمة التحرير الفلسطينية في المفاوضات، بما يعني توافقاً بين أطراف الرباعية الدولية على نزع الصبغة الوطنية الفلسطينية عن قضية اللاجئين الفلسطينيين، ووضعها في سياق الصراع الإقليمي، ليرسو شكل حلها بتوطينهم حيث يقيمون أو إعادة تهجيرهم. وبُدئ باستعمال مصطلح جديد يعترف بـ«حقوق اللاجئين» وليس بـ«حق العودة للاجئين»، لحصر الحقوق والمعالجات في الحيز الإنساني فقط دون تبعات سياسية أو قانونية، وهذا ما كانت تشترطه (إسرائيل) دائماً في أي مقاربة لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.


وتجدد هذا الموقف الأميركي المدعوم أوروبياً في «خطة خارطة الطريق الدولية»، التي جعلت من قضايا الاستيطان واللاجئين والحدود والقدس قضايا تفاوضية، مع وضع مصير القدس وقضية اللاجئين الفلسطينيين في سياق أقرب إلى وجهة النظر الإسرائيلية للحل، بالتركيز على البعد الديني للقدس، وضرورة أن يكون حل قضية اللاجئين الفلسطينيين (حلاً واقعياً)، وهذا مصطلح مطاط، فسر إسرائيلياً وأميركياً منذ نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين أن (الوقائع المرسخة على الأرض قد تجاوزت القرار 194، ولم يعد من الواقعي والمقبول تطبيقه، لأنه يخل بالتوازن الديموغرافي داخل إسرائيل، ويمس بما يسمى «طابعها اليهودي»). ونتيجة للقلق الذي ساور جموع اللاجئين الفلسطينيين خلال العملية التفاوضية الأوسلوية ومنعرجاتها، وما مورس فيها من تهميش لمنظمة التحرير الفلسطينية بما هي ممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين في الوطن ومخيمات وتجمعات اللجوء، بدأ هذا القلق المتنامي يجد تعبيراته منذ عام 1996 في نشوء تشكيلات بين صفوف المجتمع المحلي الفلسطيني للدفاع عن حق العودة، واستطاعت هذه الحركة أن تشق طريقها نحو أشكال من التنظيم الديمقراطي الواسع، واشتقاقات برنامجية، للتعويض عما أصاب مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من ترهل وتغييب، وتسليط الضوء على الواقع المركب لقضية اللاجئين الفلسطينيين، والتي لا يمكن تجاوزها وشطبها بقرار سياسي. وعلى ضوء إخفاق الحوارات الفلسطينية في إعادة بناء وتفعيل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.