في ظلال انفاق حارة المسكة وحارة الضبع وانفاق رفح الفلسطينية

 

* خالد الفقيه


15/09/2009


لما أشتد الحصار على قطاع غزة ومنعت البضائع والسلع الأساسية عن المواطنين لم يجدوا بديلاً إلا العمل على حفر إنفاق سرية تحت الأرض يستطيعون عبرها جلب ما تيسر من الحد الأدنى لتلبية متطلبات الحياة وما يقيم أودها.

وباتت قصة الأنفاق الشغل الشاغل للعالم الرسمي الذي دعا لوقفها والتصدي لها بحجة أنها تستخدم للتهريب والتهرب وأن من يسيطرون عليها ويديرونها يمسون بالأمن القومي لجيرانهم ويعرضون وقف إطلاق النار الهش للخطر ما ينذر بعودة العدوان مجدداً على المدنيين العزل في قطاع غزة.

كاتب سيناريو مسلسل باب الحارة في جزئه الرابع وظف المستجد العربي في سيناريو حلقات مسلسله فبعد انكشاف طريق قناة جر المياه التي استخدمها مقاوموا باب الحارة التي عمد المخرج والكاتب إلى تثويرها بعد أن طغى الجانب الاجتماعي على الجزء الثالث من المسلسل دفع بزعامات الحارات المجاورة للبحث عن بديل وكانت الضالة المنشودة في إسقاط واقع الحال في غزة على الجزء الرابع من المسلسل حتى يتمكن الأقربون من فك كربة المحاصرين من النساء والولدان والشيوخ في حارة الضبع.

وبنظرة موضوعية لأحداث حلقات باب الحارة الجديدة وبالتحديد فيما يخص النفق بين حارتي المسكة والضبع نلحظ أن القائمين على المسلسل أرادوا البحث عن حبكات درامية في التوظيف الروائي مع فارق واحد أن واقع الحال لم ينسخ في التجربتين، فالمبادر لحفر الأنفاق هم زعماء الجيران في حين غاب أو غيب حتى الآن من الحلقات الدفع الشعبي الجماهيري بهذا الإتجاه.

كما أن الحلقات التي بثت حتى الآن لم تفرز احتكارات تجارية أو مساومات سياسية في ذهنيات وممارسات من يتحكمون بهذا النفق بل عمد منتجوا المسلسل إلى إظهار صورة وردية رومانسية تنم عن التعاضد والتكافل العربي بين الجيران والعمل على نصرتهم وتعزيز صمودهم. بل ذهبوا إلى أكثر من ذلك بتحويلهم أعداء الأمس إلى طاقات فرج وتفريج للكرب.

وفي المقاربات الأخرى يلحظ أنه في حالة غزة كان المكتوون بنار الحصار هم من كلف نفسه عناء البحث عن مخرج دون مساعدة الحارات الأخرى التي فيما بعد مكنتها الأنفاق من تقوية اقتصاداتها، أما في باب الحارة فجاءت المبادرة على مستوى رسمي من قبل زعماء الحارات المجاورة وسادتها بصفتهم الرسمية ومن جيوبهم الخاصة بالإضافة إلى أموال العامة "الخزينة" أو الصندوق المؤتمنين عليه. وهنا يحق للمشاهد العربي أن يعمل فكره ويجعله فريسة المقارنات بين زعماء الماضي وقيادات الحاضر فمخاتير حارات الشام لم يدر في خلد أي منهم مسألة الأمن القومي أو حساباته كما أنهم بتلقائيتهم لم يدخلوا دوامة حسابات الربح والخسارة على المستوى الشخصي بالنسبة لمواقعهم القيادية.

ورغم بعض الأراء في هذا الانتاج الفني التي رأت فيه خروجاً على التسلسل الزمني الثقافي والاجتماعي لحارات كانت تسيطر عليها في الأجزاء السابقة ثقافة تقليدية تهمش دور المرأة وتحشرها في زوايا القيل والقال والمناكفات النسوية وقصص الحب من وراء الأبواب الموصدة وصولاً إلى المشاركة الحقيقية حتى في فعل المقاومة والتصدي للظلم في قفزة ثورية على العادات والتقاليد فإته يمكننا القول بان المخرج والكاتب وظفا حاضر الأمة في صورة الزمن الماضي.

نفق حارة المسكة في باب الحارة لم يتحول إلى ورقة ضغط في يد زعماء حارات الشام القديمة لابتزاز حارة جار الزمن عليها وباتت الأضعف بين شقيقاتها. وبالفعل أعاد النفق للمسلسل الاعتبار وعاد مشاهدوه للمتابعة التفصيلية لأحداثه بعد أن فقد بريقه في الجزء الثالث لا سيما بعد خروج عدد من أبرز وجوهه كالعقيد أبو شهاب وحكيم الحارة أبو عصام.

صحيح أن العمل الفني بشكله الجديد جعل من أم زكي قيمة وحارسة على قناة جر الماء وصحيح أن المخرج حير المشاهد حتى الآن في شخصية النمس أحد تابعية وسكان حارة أبو النار كونه أول من أكتشف سر قناة جر الماء إلى حارة الضبع إلا أنه لم يدفع بالنمس ليتاجر بقوت المحاصرين أو ابتزازهم أو احتكار التجارة والمواد الغذائية الواصلة إليهم رغم أنه قدمه بصورة المستغل لحاجات الآخرين.

وأخيراً يمكن القول بأن الدراما السورية في باب الحارة دفعت بالمشاهدين للمقارنة والمقاربة بين نفق باب الحارة وأنفاق غزة، كما أنها دفعتهم للترحم على الخوالي من أيام الزمن الغابر ونعي الشهامة والتعاضد العربي.

 

* اعلامي فلسطيني