الضحك الذي يشفي من خرسٍ

 فـــاروق وادي*

08/09/2009


(إلى أسماء الغول) عندما يعود وليد دهمان (بطل رواية ربعي المدهون 'السيِّدة من تلّ أبيب') إلى غزّة زائراً، بعد ما يقارب الأربعة عقود من الزمان على مغادرتها، يعكف الرجل العائد على تأمُّل المدينة والبشر.. يرصد التحوُّلات التي حدثت في القطاع على امتداد سنوات غيابه الطويل، ويقف عند تجلياتها في الأعوام الأولى من القرن الحادي والعشرين.

يلحظ وليد دهمان حجم جنوح المدينة إلى الحجاب. ليس حجاب المرأة المسلمة فحسب، ولكنه الحجاب الذي يلفّ غزّة من كلّ جانب، وفي كلّ التفاصيل.


في المشهد البانورامي العريض لغزّة، والذي يتمدّد أمام عيون وليد دهمان، يرى بطل ربعي المدهون الحجاب وهو يغزو كلّ شيء ويكتسحه اكتساحاً، وبكلّ الأشكال التي قد لا يلحظها كثير من الناس: 'هواء تحجّب برائحة المجاري. بحرٌ محجّب بالمستوطنات فلا يراه بعض سكانها.

نساء محجّبات بالسواد يعلنّ حداداً أبدياً على من رحلوا ومن لم يرحلوا بعد. عملة محجّبة بالشيقل الإسرائيلي. دِين محجب بأطروحات شيوخ المساجد الذين لا عدد لهم. وشمس تشرق من كلّ الأحجبة باحثة عن وجه يطل عليها لتصبِّح عليه فتنكسر خجولة مما صار عليها الحال..'.

الزمن الروائي الذي عاد فيه دهمان إلى غزّة، ليرى ما رأى من دكتاتوريّة الحجاب، كان يستبق، تاريخياً، حدثين هامين شهدهما القطاع، يشكلان من وجهة نظر التيار الأصولي الذي تمثِّله حماس، 'انتصارين' حاسمين للحركة في فلسطين وللإسلام السياسي في كلّ مكان: الانتصار الديمقراطي في انتخابات مطلع العام 2006، والذي تحقق عبر صناديق الاقتراع. ثمّ الحسم العسكري الذي أنجزته حماس منتصف 2007، ولم يكن ليتحقق إلاّ بالبطش وقوّة السلاح، وشكّل الخطوة الأولى للانفصال وتأسيس الإمارة الإسلاميّة.

ورغم أن المنطق يقول أن لا إمارة ولا وزارة في ظلّ احتلال مديد، ومتطاول بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، إلاّ أن شبق السُّلطة أصاب التنظيم الإسلامي الذي ظلّ يرفع راية الجهاد طويلاً، ليتنازل عنها في أوّل اختبار على المحكّ، وينخرط في ممارسات طالبانيّة تقفز بعيداً عن أهداف التحرر الوطني لتنشغل في خصلات شعر تطلّ من رأس الأنثى.

ربما نظلم طالبان ونحن نقارنها بحماس. فالأولى لم تُقدم على ممارساتها الاجتماعيّة المناهضة لحقوق المرأة وحريتها وإنسانيتها، إلاّ بعد أن أسهمت تلك الحركة الأصوليّة الأفغانيّة بدورها في هزيمة عدوها الوطني، إلى جانب عدوها السياسي والأيديولوجي الداخلي، بغض النظر عن رأينا بتحالفاتها والجهات التي دعمتها لتنقلب عليها في ما بعد.

لكن ما يعنينا هنا أن المسألة التحرريّة التي لم تنجزها حماس بعد، وحتّى هذه اللحظة، أصبحت نسياً منسياً، وباتت الحركة الجهاديّة تنشغل عن الجهاد بمهمات فرض الحجاب على صبايا بعمر تفتُّح الورد.

الدلالات الأعمق لقرارات حماس فرض الحجاب والجلباب على المحاميات وطالبات المدارس ونساء المجتمع، هي سياسيّة بالدرجة الأولى. فالتنظيم الأصولي الذي استفرد في حُكم غزّة، يريد ممارسة سلطته على الحلقة الأضعف، وفرض هويته على نصف المجتمع المقهور أصلاً، وهي تنأى عن أن تكون هويّة وطنيّة. فالأخيرة تتراجع في وعي التنظيم وممارساته لصالح تعميم الهويّة العقائديّة الإسلاميّة في مجتمع القطاع.

لكن، هل ما فرضته حماس على محاميات غزّة من زيّ، ثمّ على طالبات المدارس، هو زيّ إسلامي تنزّلت فيه الآيات البيِّنات، أم أن المسألة لا تعدو كونها مجرّد إصدار قرارات سلطويّة تسلطيّة؟!. وهل حماس هي الممثِّل الشرعي الوحيد للإسلام؟!

فقهاء غزّة الذين أفتوا بما أفتوه هناك، ويريدون ترجمة فتواهم في الواقع، بالعصا لمن عصا، يستطيعون الادعاء بأنهم 'سلطة' (مثلما استطاعت 'دولة المطلوبين' في مدينة طرابلس، في الشمال اللبناني، منتصف سبعينيات القرن الماضي إعلان سلطتها وهيبة دولتها على الحيّ القديم للمدينة ومنع الدّرك من دخوله)، لكنهم لا يستطيعون إثبات أنهم الممثل الوحيد للإسلام والناطق باسمه، رغم أن حماس لا تكفّ عن ادّعاء الأمر دون تردُّد. فهي تعتقد أنها وحدها هي التي تمتلك حقيقة الإسلام وصحيحه، وأن من لم يبلغ شكل إسلامها ودرجته، فهو كافر.

أمّا من يتجاوزها في التطرُّف الأصولي، والسياسي، معاً، فقد حقّ عليه القول.. والسحق.. والموت الزؤام. وما زالت تجربة 'جند أنصار الله' ماثلة للعيون. فما إن ردّد أحد زعمائها، عبد اللطيف موسى المكنى بأبي النور المقدسيّ كلمة 'نُعلن' ثلاثاً، حتّى تمّ تعميم إعلان نعيه في الحال مع عدد من رفاقه، دون محاكمة، أو مساءلة، ودون أن تتعب سلطة حماس نفسها في فتح صفحة واحدة من كتاب القانون، لتفتح صفحة أخرى من كتاب الدّم الذي لم تكفّ عن تحبيره بالأحمر القاني.

حماس، لا تمارس تديناً وهي تفرض الحجاب على المحامية والطالبة، ولا تطبِّق أصول الدين وهي تحاول أن تقمع ضحكة 'أسماء' على البحر، لتحول دون الأزرق الكبير وإطلاق ضحكته المجلجلة.

فهل يضحك بحر غزّة؟

'البحر غضبان ما بيضحكش
أصل الحكاية ما تضحكش'

(نجم/ إمام)

بحر غزّة، الذي رآه وليد دهمان مُحجّباً بالمستوطنات، تزيده حماس حجاباً سياسياً خالصاً، يُكرِّس سلطتها المحجّبة بكرسيّ الوهم، الذي يُعميها فلا يجعلها ترى شيئاً من المشهد الذي تختلط فيه الكوميديا بالتراجيديا.

ولا شكّ في أن المشهد التراجيكوميدي سوف يدفع أسماء لأن تواصل الضحك، حتّى تجعل البحر يضحك، يتردد في داخلها، وفي فضاء غزّة، نداء إميل حبيبي مُحرِّضاً: 'إضحكوا.. إضحكوا.. فالضحك يشفي من خرس'!



كاتب من فلسطين

wadi49@hotmail.com