إسرائيل وأهدافها من مناورات الحرب المتزايدة
تحسين الحلبي
2009-09-02
يبدو أن إسرائيل لم تنته بعد من جميع الحروب التي تعد الجيش لخوضها ضد العرب وشن
العدوان على أراضيهم والأسباب التي تؤكد هذا التوجه عديدة منها الإعلان قبل أيام عن
رغبة الجيش الإسرائيلي في إجراء مناورة تدريبية عسكرية على مواجهة عسكرية تستخدم ضد
إسرائيل فيها أسلحة بيولوجية في حرب شاملة مع ما تبقى من دول المواجهة مع إسرائيل.
وتقرر أن تجري المناورة في الأول من كانون الثاني 2010 باشتراك مكثف من قيادة
الجبهة الداخلية ومعظم المشافي في معظم المدن الرئيسة في الأراضي المحتلة منذ عام
1948.
ومن الملاحظ أن إسرائيل قامت بمناورة تدريبية على حرب مفترضة في أيار الماضي وأطلقت
عليها صفة أكبر مناورة لمواجهة حرب تستخدم فيها أسلحة دمار شامل دامت خمسة أيام
وشملت دراسة مدى استعدادات الملاجئ لاستيعاب الإسرائيليين وجرى فيها توزيع أقنعة
واقية من الكيماويات والإشعاعات، ورغم الاستعراض الكبير الذي حرصت وسائل الإعلام
الإسرائيلي على التركيز عليه ظهرت في تلك المناورة مظاهر تقصير في تجهيزات الملاجئ
ومدى ملاءمتها لمجابهة حرب كهذه واعترف نائب وزير الدفاع (ماشان فيلنائي) بمظاهر
التقصير والنقص في الاستعدادات ومدى تجاوب الجمهور الإسرائيلي معها.
وإذا كانت مناورة أيار الماضي موجهة لحماية الجبهة الداخلية من آثار حرب تستخدم
فيها ضد إسرائيل أسلحة دمار شامل فما معنى المناورة الثانية في كانون الثاني المقبل
والمعدة لحماية الجبهة الداخلية من آثار سقوط صواريخ بيولوجية كما تفترض إسرائيل ما
دامت البيولوجية هي جزء من أسلحة الدمار الشامل؟
تعد إسرائيل من الدول الأولى في العالم تقريباً من ناحية إجراء المناورات العسكرية
الشاملة لجبهتها الداخلية ففي كل عام اعتادت على إجراء مناورتين إلى ثلاث وهو رقم
قياسي بالنسبة لدولة بحجمها جيشاً وديمغرافيا ومساحة وهناك من يعتقد من داخل الجيش
الإسرائيلي أن مناورات إسرائيل العسكرية لن تتوقف حتى لو وقعت جميع الدول العربية
اتفاقات سلام مع إسرائيل.
فاتفاقات السلام مع مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية لم تؤد حتى إلى تخفيض
عدد المناورات ولا تزايد الطلب الإسرائيلي على الأسلحة المتطورة الحديثة والذخائر
الذكية والصواريخ ورغم كل ذلك تلقت إسرائيل هزائم عسكرية متتالية في الثمانينيات
والتسعينيات حتى آخر هزيمة في عام 2006 على جبهتها الشمالية مع المقاومة اللبنانية.
وإذا كان بيريس عام 1995-1996 قد أسقطته حرب عناقيد الغضب الإسرائيلية ضد لبنان
وباراك أجبرته المقاومة اللبنانية مدعومة من سورية على الانسحاب من جنوب لبنان
والتخلي عن المرتزقة اللبنانيين الذين سلمهم جزءاً من الجنوب وأولمرت أسقطته هزيمة
تموز 2006 فإن نتنياهو لم يجرب أثناء فترة حكومته الأولى 1996-1999 حرباً شاملة أو
متوسطة الحجم على لبنان بعد.
ولذلك هناك من يرى أن اجتماع باراك ونتنياهو معاً سيدفع الاثنين إلى التفكير بتحقيق
إنجاز عسكري يعيد ثقة الجيش بنفسه وثقة الجمهور به ويوفر لنتنياهو فرصة إعادة فوزه
برئاسة الحكومة في الانتخابات بعد ثلاثة أعوام. ومن المعروف الآن أن أي مناورة
عسكرية إسرائيلية مهما كان حجمها ومواقع تنفيذها لن تكون معدة إلا على جبهة الشمال
بشكل رئيس لأن الجيش الإسرائيلي سيظل يتعامل مع جبهة غزة بطريقة الحرب المجتزأة
والمحدودة والمتقطعة لأسباب إسرائيلية خبيثة.
وفي هذا السياق تزداد المناورات التدريبية على حماية الجبهة الداخلية من الصواريخ
القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى التي تفترض إسرائيل انطلاقها من مناطق الحدود
الشمالية في لبنان وسورية وإيران التي تهدد إسرائيل بشن حرب عليها سواء امتلكت
سلاحاً نووياً أم لم تمتلكه.
فإسرائيل لا يمكن أن تعقد اتفاق سلام مقابل انسحاب من الجولان أو مما تبقى من
الأراضي اللبنانية المحتلة دون تفكيك العلاقات بين الدول التي توقع على اتفاق سلام
معها من جهة وبينها وبين إيران ودول أخرى من الجهة الثانية، والمناورات التي تحرص
إسرائيل على إجرائها سنوياً مرتين أو ثلاثاً بشكل شامل لها أهداف قصيرة المدى ترتبط
بتحقيق ردع وإرهاب كل طرف عربي أو غير عربي يتصدى لمصالح إسرائيل أو يشكل عائقاً
أمام مصالحها بعيدة المدى وترتبط بافتعال حروب تشنها هي لتحقيق أهداف لم تستطع
تحقيقها عبر اتفاقات السلام الموقعة معها.. فقادة إسرائيل يدركون جيداً أن حالة
اللاسلم تقود إلى الحرب وحالة السلم تمهد للحرب وهذه النظرية طالما كان يؤكدها
رؤساء أركان ووزراء الدفاع في إسرائيل ولذلك تشير الأرقام المتعلقة بنفقات التسلح
في المنطقة إلى حقيقة أن إسرائيل تحتل المرتبة الأولى وكأنها تعد جيشاً يراد له
التفوق على جيش إيران ذات السبعين مليوناً من البشر.
فإسرائيل لا ترغب في أن تحصل السعودية على أسلحة أميركية متطورة من الولايات
المتحدة ولولا وجود مصالح إستراتيجية للولايات المتحدة في تصدير السلاح إلى
السعودية لتمكنت إسرائيل من منع واشنطن من بيع السلاح الأميركي لها لأنها لا تضمن
عدم استخدامه ضدها في زمن ما وضمن ظروف مختلفة عن هذه الظروف.
فباراك وزير الدفاع زار مستوطنات إسرائيلية وقال أمام تلاميذ المدارس حين سألوه عن
سبب تأخير الجيش في استعادة الجندي الإسرائيلي الأسير غيلعاد شاليط: «إن هذه الدولة
ليس في مقدورها أن تضمن لك حياتك طوال عمرك نحن نحيا هنا لكي ندافع عن أنفسنا في
هذه المنطقة التي لا تشبه أوروبا بالطبع.. أما مسألة شاليط فنحن نريد استعادته لكن
ليس بأي ثمن ولكن بكل طريقة ممكنة». وبهذه الطريقة يعد باراك الجيل الذي سينضم إلى
الجيش الإسرائيلي بعد سنة أو اثنتين لحرب مقبلة وبلغة جافة تؤكد أن إسرائيل وجدت
لشن الحروب ضد العرب سواء في فترات النزاع والاشتباك أم في ما يسمى فترة اتفاقات
السلام ولعل أخطر الحروب هي التي تحدث في ما يسمى فترة السلام».
تحسين الحلبي: كاتب ، اعلامي ، باحث و
سياسي فلسطيني - سورية *