ميزان التعاطف العالمي يميل لمصلحة العرب ضد إسرائيل ويدعوهم إلى عدم التنازل
تحسين
الحلبي
2009-09-28
حين أنشئت «إسرائيل» وأعلن عنها عام 1948 كانت أوروبا والعالم كله في ذلك الوقت
وخصوصاً الرأي العام ما زال واقعاً تحت تأثيرات الحرب العالمية الثانية وتشوشاتها
ولذلك لم يشعر الرأي العام العالمي والأوروبي بشكل مؤثر أن هذا الكيان أعلن على
حساب دماء ومستقبل شعب فلسطين..
فأوروبا كلها في ذلك الوقت كان الحلفاء فيها من بريطانيا وفرنسا بشكل خاص يصورون
لشعوبهم أن ما لحق بيهود أوروبا في الحرب يستوجب تعويضاً بنقل الكثيرين منهم إلى
فلسطين «الوطن القومي» الذي وعد بلفور منذ عام 1917 بإنشائه لهم.. وبقيت أوروبا
ومعظم أرجاء العالم لا تعرف كل شيء عن مأساة شعب اقتلع من جذور وطنه ليحل محله يهود
كانوا في أوطانهم الأوروبية وغير الأوروبية منذ قرون طويلة ويراد استخدامهم لخدمة
المصالح الغربية في المنطقة.
واليوم لم تعد الصورة بعد عدوان حزيران عام 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة
والجولان السوري هي نفس تلك الصورة لا لإسرائيل ولا لضحاياها في الأراضي المحتلة
سواء في فلسطين المحتلة منذ عام 1948 أو المحتلة عام 1967.
فإسرائيل اليوم مطلوبة للمحاكمة بارتكاب جرائم حرب ضد العرب ومطالبة بالانسحاب من
الأراضي المحتلة من جميع دول العالم وفي قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومطالبة
بإيقاف ونزع المستوطنات بموجب القرارات نفسها وهذا يعني تماماً أن كفة الرأي العام
العالمي في ميزان القوى مع إسرائيل تميل كثيراً لمصلحة العرب ويزداد التعاطف مع
العرب في الأراضي المحتلة بعد عدوان تموز 2006 على لبنان وعدوان كانون الأول 2008
على قطاع غزة وما ارتكبته قوات الاحتلال من مذابح في الحربين. ولا شك أن قادة
إسرائيل يدركون تماماً أنهم مدانون ومتهمون ولا يستطيعون مهما فعلوا إزالة هذه
الإدانات والتهم من محافل الرأي العام والمؤسسات الدولية والدبلوماسية في العالم
فهم في قفص اتهام وإدانة رغم تبجحهم بقدراتهم العسكرية.. وهذا ما اعترفوا به في
أعقاب الإعلان عن تقرير لجنة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان التي رئسها يهودي
أميركي (غولدستون) ووصفوه «باليهودي الذي يكره نفسه» لأنه لو كان غير يهودي لوصف «بمعاداة
السامية».
وكان (شلومو أفنيري) أحد أهم رجال الدبلوماسية الإسرائيلية خلال عقود ماضية ومديراً
عاماً سابقاً لوزارة الخارجية قد اعترف في مقابلة مع صحيفة هآريتس قبل أيام بأن
صورة إسرائيل أصبحت تهمة ومشكلة مزمنة. وقال: «إن إسرائيل تحتل أراضي منذ أكثر من
أربعين سنة مخالفة بذلك القرارات الدولية وتنشئ مستوطنات لا يعتبرها أحد شرعية لا
في الميثاق الدولي ولا بين دول العالم. وإذا كان هناك من يعتقد أننا بوسعنا
الاستمرار في هذه الأعمال دون مضاعفات سلبية على مكانتنا فإنه لا يعرف طبيعة العالم
فلا يوجد حتى الآن دولة احتلت أراضي لشعب آخر في فترة تزيد على أربعين عاماً».
ويرى (أفنيري) أن المستوطنات شكلت عقبة أمام تقدم العملية السلمية وإنهاء النزاع
ولذلك لن يسلم الفلسطينيون بوجود إسرائيل حتى الآن رغم كل ما يجري من تفاوض معهم،
ويتوقع أفنيري ألا ينتهي الصراع وألا يحدث أي تقدم في العملية السلمية في المفاوضات
المقبلة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وعلى غرار الكثير من الأكاديميين
والمحللين السياسيين في إسرائيل يرى «أفنيري» أن الزمن لا يعمل لمصلحة إسرائيل لأن
استمرار الاستيطان والاحتلال سيحول إسرائيل إلى دولة مزدوجة القومية وغير يهودية أو
إلى دولة يعيش تحت إدارتها وحكمها خمسة ملايين فلسطيني بنظام آخر بعضهم تحت
الاحتلال وبعضهم داخل الأراضي المحتلة منذ عام 1948 بحقوق غير متساوية مع اليهود.
وعلى الساحة الدولية الرسمية لا تستطيع إسرائيل تغيير الخطاب السياسي الدولي أو
الأوروبي بمختلف مؤسساتها فما صمت عنه «أوباما» بسبب الضغوط الإسرائيلية والداخلية
الأميركية، وهو موضوع تجميد الاستيطان كشرط لبدء المفاوضات مع السلطة الفلسطينية
عادت قبل يومين وأكدت عليه اللجنة الرباعية الدولية حين صدر بيان عن اجتماع عقده
الممثلون عنها: الأميركي، والروسي والأوروبي وممثل الأمم المتحدة يطالب فيه إسرائيل
بإيقاف الاستيطان وبإنهاء الاحتلال للضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967.
بل إن بيان الرباعية طالب بإيقاف كل أشكال الاستيطان بما في ذلك مدينة القدس
وأحياؤها وأيد عقد مؤتمر سلام دولي في موسكو قبل نهاية عام 2009، وكان وزير خارجية
السويد الرئيس المناوب للاتحاد الأوروبي منذ تموز الماضي ممن شارك في اجتماع
الرباعية إلى جانب كلينتون ولافروف وسولانا وبان كي مون وتوني بلير الذي يعد مبعوثاً
باسم الرباعية.. ويبدو أن السلطة الفلسطينية ستجد في بيان الرباعية ما يدفعها إلى
التمسك بموقفها الرافض للتفاوض إذا لم يجمد نتنياهو الاستيطان بكل أشكاله ومهما
كانت مبرراته الواهية.
وفي الحقيقة لم يعد في القضية الوطنية الفلسطينية ما يمكن التنازل عليه بعد كل تلك
الاتفاقات التي لم تؤد إلا إلى سلب الأرض وبناء الجدار الفاصل وإنشاء 600 حاجز يفصل
الفلسطينيين أفراداً وقرى ومدناً في أسوأ وأصعب ظروف الحياة الاقتصادية والأمنية..
ولا شك أن أي عملية تفاوض بين الجانبين دون إيقاف الاستيطان ستحمل معها مضاعفات
وأبعاداً تسعى إسرائيل إلى استغلالها لإنهاء أي بارقة أمل بنشوء كيان وطني سياسي
فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة.
فمسألة الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تنفصل عن ضرورة المحافظة على الأرض وكلما
استمر الاستيطان زالت مقومات أساسية سياسية وجغرافية وديموغرافية فلسطينية تمس هذا
الهدف وتجعله مجرد وهم. ونتنياهو الذي كان رئيس حكومة في التسعينيات يشعر الآن أن
مبررات رفض شروطه من قبل السلطة الفلسطينية ستجد تعاطفاً من دول كثيرة وستحول دون
تبرير ممارسة أي ضغط على السلطة الفلسطينية من الولايات المتحدة أو بعض الدول
العربية. فقد جاء نتنياهو رئيساً للحكومة في عام 2009 بعد أن أصبح الرأي العام
الأميركي والأوروبي أكثر تعاطفاً مع العرب في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي وأصبح
قابلاً عن طريق المنظمات غير الحكومية الأوروبية والعالمية للضغط على رؤساء حكوماته
وهذا ما جعل وسائل الإعلام الإسرائيلية ونشاطات وزارة الخارجية الإسرائيلية
والدبلوماسيين فيها تركز على تحويل الانتباه عن تقرير الأمم المتحدة الذي يتهم
إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وتضغط على السياسة الأميركية من أجل استخدام نفوذها
لإجبار بعض الدول العربية على تنفيذ إجراءات تطبيع معها لإيهام العالم بأن إسرائيل
أصبحت مقبولة من العرب دون أن تجبر على تغيير سياستها ودون أن تنسحب من الأراضي
المحتلة.
تحسين الحلبي