المجالس الوطنية الفلسطينية... من هدف التحرير إلى تشريع الاحتلال
خالد
بدير
2009-09-08
يمكن القول إن أخطر ما تميزت به المؤسسات الفلسطينية التي انبثقت عن تأسيس منظمة
التحرير الفلسطينية في عام 1964 أنها أصبحت في العقدين الأخيرين عاجزة، واهنة،
ودخلت في مرحلة غيبوبة بعد توقيع اتفاق أوسلو، واثر انعقاد الدورتين الحادية
والعشرين والثانية والعشرين في قطاع غزة بهدف تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني في
عامي 1996، 1998.
وعجز هذه المؤسسات بدأ منذ تحولها من أطر تحمي المقاومة عبر الدعم المالي والسياسي
والقانوني، وعبر العمل على ترسيخ البرامج السياسية لدورات المجالس الوطنية، حتى ما
قبل تبني التفاوض وخيار التسوية، إلى أطر توافق على تشريع شيطنة وتجريم المقاومة.
والتحول الذي شهدته هذه المؤسسات يكمن في التغير في الوظيفة التي أنشئ من أجلها
المجلس الوطني الفلسطيني في سياق تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية كممثل للكيانية
السياسية الفلسطينية في مواجهة محاولات الإلغاء الصهيونية، فالمجلس الوطني الذي
انعقد في دورته الأولى في القدس في عام 1964 كان يحاول أن يكون ممثلاً لكل الشرائح
الاجتماعية والتيارات السياسية الفلسطينية، وحضره ممثلون عن أغلب هذه الشرائح
والتيارات، ولفت حضور البعثيين والقوميين العرب والناصريين، إضافة إلى أربعة من فتح،
وهم خليل الوزير، خالد الحسن، كمال عدوان، محمد يوسف النجار. وقد كانت وظيفة المجلس
آنذاك العمل على تحرير فلسطين وفق إستراتيجية عربية، دون أن يكون لممثلي المنظمات
الفدائية ذلك الدور الحاسم، ولكن عندما دخلت هذه المنظمات إلى تركيبة المجلس الوطني
الفلسطيني في الدورة الرابعة للمجلس الوطني الذي انعقد في القاهرة عام 1968، وجدت
في شخصية الراحل أحمد الشقيري الذي كان رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية الرجل
الذي يفهم حقيقة المرحلة الجديدة، وهو ما دفعه للاستقالة من رئاسة المنظمة في 27 /
12 / 1967.
استقالة الشقيري والمرحلة الجديدة
وقد جاء في كتاب الاستقالة الموجهة إلى الشعب الفلسطيني: «أقدم استقالتي إلى الشعب
الفلسطيني، الشعب الأسير الشريد، المهاجر، الطريد، وأقدم استقالتي كذلك إلى
الفدائيين إلى الأبطال الذين يخوضون في هذه الأيام غمرات النضال على أرض الوطن
الحبيب، وابتهل إلى اللـه العلي القدير، أن يحفظ شعب فلسطين ويحفظ قضيته، وأن يصون
نضاله ويصون منظمته. وعهدي لمن يأتي بعدي أن أكون له سنداً وعضداً، أضع بين يديه كل
تجربتي، وطاقتي، في طاعة الجندي بين يدي القائد، فتلك مسيرة سيدنا خالد، قاتل قائداً،
وقاتل جندياً، والحمد لله أولاً وآخراً»، وتم انتخاب يحيى حمودة رئيساً للجنة
التنفيذية للمنظمة في ذات اليوم، ولم يستمر طويلاً حتى أفسح المجال للراحل ياسر
عرفات ليكون رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفته ممثلاً عن حركة فتح التي اشتد
عودها واستقطبت جموع الفلسطينيين والعرب بعد معركة الكرامة في عام 1968، وقد كانت
المجالس الوطنية تؤكد أن هدف النضال الفلسطيني هو تحرير الأرض الفلسطينية بكاملها
وممارسة سيادة الشعب الفلسطيني عليها، وتأكيد الشخصية العربية الفلسطينية والوقوف
في وجه أي محاولة لإذابتها أو الوصاية عليها، وأن الأسلوب هو الكفاح المسلح والنضال
لاسترداد الأرض والحقوق المغتصبة.
مسيرة التحولات نحو الهاوية السياسية
واعتبر الكثير من الفلسطينيين أن التحول الأول في مسيرة المجالس الوطنية الفلسطينية
حدث في الدورة الثانية عشرة في عام 1974 في القاهرة حيث تم إسقاط شعار لا تفاوض مع
العدو، واستبدال مفهوم تحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني بـتحرير الأرض
الفلسطينية، وكان هذا التحول بداية لتحرك القيادة الفلسطينية نحو المجتمع الدولي،
وبداية لتحول الحركة الصهيونية في عقل القيادة الرسمية من حركة عنصرية استيطانية
إلى حركة صهيونية تقدمية، وحركة صهيونية رجعية، وهو ما شكل التمهيد للقاءات بعض
المسؤولين الفلسطينيين مع سياسيين وإعلاميين وأساتذة جامعات إسرائيليين، تحت شعار
الحوار مع الصهيونية التقدمية، وفي المقلب الآخر شكل هذا السلوك السياسي بداية
الأزمة الداخلية بين الفصائل الفلسطينية التي انقسمت بين مؤيد ومعارض وصامت، في هذا
الانقسام تحولت وظيفة المجلس الوطني الفلسطيني من مؤسسة وطنية جامعة إلى مؤسسة يخضع
الكثير من أعضائها في مواقفهم لإملاءات القيادة الرسمية للمنظمة، عبر الشيكات
والهبات والعطايا، والوعود بمناصب مهمة.
وظهر الخلاف الداخلي الفلسطيني عقب الخروج من بيروت، وبروز مشاريع تسووية لاستثمار
هذا الخروج ومنها مشروع ريغان، والمشروع العربي في قمة فاس عام 1982، وقد طغت
الخلافات على الدورة السادسة عشرة في الجزائر عام 1983، والتي كانت آخر دورة موحدة
للمجلس الوطني، وجاءت الدورات اللاحقة لتشرع استفراد قيادة منظمة التحرير الرسمية،
وقيادة حركة فتح بالقرار، بما يتوافق مع توجهاتها السياسية التسووية، وصولاً إلى
التحول الأخطر في وظيفة المجلس الذي وافق بعد توقيع اتفاق أوسلو بثلاث سنوات في
دورته الحادية والعشرين في عام 1996 في غزة على تعديل الميثاق الوطني الذي كان
يتضمن هدف التحرير بوسيلة الكفاح المسلح، والبعد العربي والإنساني للصراع، بما
يتوافق مع تعهدات القيادة الرسمية لرابين ممثلة برسالة الراحل ياسر عرفات إلى رابين
القاضية بنبذ العنف واختيار طريق التسوية. وقد تم تأكيد هذا التعديل بإلغاء المجلس
ذاته في جلسته الثانية والعشرين عام 1998، وبحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون،
لثلاثين مادة من الميثاق من أصل ثلاث وثلاثين، والمواد المتبقية هي مواد تنظيمية
وليست سياسية، وتجسد هذا التحول في تشريع المجلس الوطني لتصفية قضية فلسطين، بعد أن
كان في دوراته الأولى الحارس على هذه القضية والمؤكد على خيار تحريرها، وعلى مبدأ
عروبتها.
لماذا لا يشكل الشقيري النموذج لاستقالة عباس؟
في ظل تاريخ المجلس الوطني الفلسطيني والتغير في وظيفته منذ سنوات طويلة، أليس
المطلوب من القيادات الفلسطينية العمل على تفعيل مختلف مؤسسات منظمة التحرير وفي
مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني لتنسجم مع الأهداف التي انطلقت من أجلها المنظمة،
لتبقى حركة تحرر وطني، بدلاً من تحولها إلى سلطة لا حيلة لها إلا الرضوخ للاحتلال،
لأن القفز فوق مرحلة التحرر الوطني هو سقوط في هاوية استمرار الاحتلال، وهو ما لا
يريده أي عاقل لأي مؤسسة أو فصيل أو قائد فلسطيني، لذلك فإن انعقاد المجلس الوطني
الفلسطيني كممثل للسلطة الفلسطينية هو استمرار للانهيار والانقسام الذي لا يخدم إلا
الصهاينة.
ألا يقتضي حال قضية فلسطين اليوم، وخاصة بعد انسداد آفاق التسوية أمام قيادة السلطة
الفلسطينية أن يبادر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة
التحرير الفلسطينية، إلى تقديم استقالته أسوة بالراحل أحمد الشقيري..... ألسنا
بحاجة إلى نموذج الشقيري في الحالة الفلسطينية الراهنة؟