د.
محمد أبو الغار
أثار الحادث الرهيب الذى قتلت فيه السيدة مروة الشربينى فى ألمانيا على يد متطرف
ألمانى من أصل روسى ردود أفعال كبيرة وكثيرة وهو حادث جلل بالطبع اهتزت له قلوب
وأفئدة المصريين، وعم الحزن والغضب مصر كلها وزاد من ذلك التأخر الغريب وغير
المفهوم من الحكومة الألمانية التى لم تتحرك أو تبدى حتى أسفاً أو حتى جزعاً إلا
بعد مرور عدة أيام على الحادث وبعد أن عم الغضب الشعبى مصر، لن أتحدث عن تفاصيل
الحادث الرهيب داخل المحكمة ولكننى سوف أركز على خلفيات الحادث وتفسير لما حدث.
تحدثت الصحف ووسائل الإعلام المصرية على حجاب المرحومة مروة وأبرزت بطرق مباشرة
وغير مباشرة أنه كان السبب وراء التصرف الأحمق والجريمة التى قام بها القاتل. وأنا
أعتقد أن الحجاب لم يكن المشكلة الرئيسية فهناك الآلاف من السيدات المحجبات فى
ألمانيا.
و بالتأكيد رأى القاتل وقابل كثيرات منهن فى الشوارع ولم يشرع فى قتلهن. فى تقديرى
إن الجريمة عنصرية بالدرجة الأولى وليس لها علاقة بالحجاب الذى هو مظهر إسلامي،
السبب الحقيقى وراء القتل أن السيدة مروة دافعت عن حقها فى المعاملة بالمثل كما هو
منصوص عليه فى القانون الألمانى وأصرت أن يلعب طفلها بالمراجيح فى الحديقة فترة
مساوية للطفل الألمانى وهو ما اعتبره القاتل بفكره العنصرى أنه مستحيل أن يتساوى
الألمانى صاحب الجنس الآرى بسيدة مصرية من إفريقيا فقام بالتعدى عليها باللفظ، ولكن
السيدة المحترمة التى تحافظ على كرامتها لم تسكت وأبلغت البوليس عن تصرفه وتحول
الأمر إلى محاكمة وغرامة مالية وهو ما لم يتحمله الفكر العنصري، فذهب للمحكمة جاهزاً
بالسكّين القاتل.
دعنا نسأل أنفسنا هل هذا القاتل يمثل التيار العام فى أوروبا بفكره العنصرى الشديد
التعصب. صحيح أنه توجد جماعات من الشباب اليمينى المتعصب فى أوروبا كلها والذى يقوم
بأعمال عنف ضد الأجانب ولكن عددها قليل جداً بالنسبة لمجموع السكان، لكن ما هو موقف
الأغلبية العظمى من الأوروبيين؟ للأسف الشديد هناك تيار كبير يزداد كل يوم شديد
العنصرية ولكن تتم تغطيته بذكاء ومهارة، وقد ساعد على تفاقم العنصرية انتشار
البطالة وسوء الأحوال الاقتصادية. وبالطبع لا تسفر الأغلبية العظمى من الأوروبيين
عن هذه العنصرية ولكنك تستطيع أن تراها تحت السطح مبطنة بورق من السوليفان. وقد خطت
أميركا خطوات إيجابية كثيرة فى منع العنصرية وتحقيق المساواة بالعديد من القوانين
حتى وصل الأمر إلى انتخاب رئيس من أصول افريقية.
و لكن أوروبا التى لم يكن بها أى قوانين تسمح بالعنصرية ظهرت بها شواهد وإرهاصات
عنصرية لم تتبلور إلى شيء خطير بسبب قوانين بلادهم وإحقاقاً للحق هناك أيضاً جماعات
وهيئات وأفراد يكونون حاجزاً كبيراً ضد أى تصرفات عنصرية، ويدافعون بشدة عن
المساواه فى الجنس واللون والعرق.
و لنلق نظرة على مصر، هل هناك عنصرية فيها؟ وبما أننا نتحدث عن العنصرية فى الغرب
فدعنا نفكر معاً هل الإنسان المصرى عنده عنصرية؟!
الحقيقة أن المصريين جميعاً يجب أن يراجعوا انفسهم فى كثير من مواقفهم. فبالتأكيد
هناك نوع من العنصرية، حتى لو كانت مبطنة ضد الإنسان الأسود، وذلك بالرغم من أن
أهلنا فى الصعيد لونهم شديد الغمقة، وأعتقد أن عنصرية مصر هى أساساً عنصرية الحكام
وممثليهم من رجال الشرطة وموظفين حكوميين. مثلاً معاملة أبناء النوبة، وهى جزء لا
يتجزأ من الوطن وتاريخه، هى معاملة غير عادلة، فتم الاستيلاء على اراضيهم ولم يتم
تعويضهم بمقابل مناسب، وأتساءل هل يحصلون على حظهم فى الوظائف المؤثرة مثلهم مثل
أهل الوادي؟ لا أعتقد ذلك.
هل الدولة المصرية تعامل المصريين جميعاً معاملة واحدة؟ هل الغنى يعامل مثل الفقير
فى مكتب حكومى أو قسم بوليس؟ هل أستاذ الجامعة الحاصل على الدكتوراه يعامل مثل
العامل البسيط الحاصل على الدبلوم؟ وكلاهما مواطن مصرى له نفس الحقوق وعليه نفس
الواجبات. هل معاملة الأقباط والمسلمين بصفة عامة من الدولة ومن الشعب متساوية، أم
هناك عنصرية موجودة على الأقل تحت السطح؟
إن كتابة الوظيفة والدين فى البطاقة الشخصية دليل واضح على نوايا عنصرية بتقسيم
الناس قبل التعامل معهم. العنصرية فى أوروبا موجودة وملفوفة فى ورق سوليفان، وقبل
أن ننتقدها بشدة يجب أن نفكر فى أنفسنا وكيف نتخلى نحن عن العنصرية وكيف نضغط على
الدولة الظالمة بأن تتخلى عن عنصريتها.
حدث ذات مرة فى إحدى الدول الأوروبية أن اشتكى لى مصرى من سوء معاملة الشرطة له
وحيث اعتبر أنها غير مماثلة لمعاملة أهل البلد وبالرغم من أن الشرطة لم تعتد عليه
بالقول أو أى اعتداء جسمانى إلا أنه أثار الموضوع بشكاوى متعددة وتعليقاً على شكواه
كتب صحفى من أهل البلد الأوروبية بعنصرية واضحة قائلاً لماذا يشكو هذا المصرى من
الشرطة فى بلدنا فلو كانت شرطة مصر هى التى بيدها الموضوع لضرب الشاب المصرى وأهين
وحبس. شعر جميع المصريين بإهانة بالغة من هذه المقالة التى ذكرتهم بأن بلدهم هى
عنوان الظلم وعدم المساواة والعنصرية، ولم يستطيعوا الرد بكلمة واحدة.
09/2009