لماذا نؤيد المقاومة في فلسطين ولبنان؟

مازن النقيب

2009-09-14


لماذا نؤيد المقاومة في فلسطين ولبنان؟ أليست هي نقطة البدء ونقطة الانتهاء؟ أليست هي كل ما كتبه التاريخ لوجودنا العربي الباحث عن حياة كلها وثوب وشموخ وعزة وكرامة وحضارة إنسانية كاملة؟ أليست هي الركيزة الأولى لاستعادة حقوقنا المغتصبة بعد أن فشل كل حوار حول السلام إن أول درس حفظناه منذ طفولتنا هو حب الوطن، وحب العروبة، وكيف يعلو الإنسان العربي بمشاعره وأفكاره وارتباطه في الدائرة القومية بدل ارتباطه بالدائرة القطرية.


ألم نحفظ نشيد بلاد العرب أوطاني الذي منه تعلّمنا لغة السيف ولغة القوة الواحدة لبناء الوطن العربي الكبير، وتعلمنا منه كيف نتغنى بالقومية العربية التي هي الجوهر والحركة والعطاء، وهي الحسّ والجرح الذي يرفض الإطاحة بالمبدأ وفي الهوية.


من هذه الزاوية كان عدو الأمة العربية وعدو المقاومة يحسب لها كل الحساب لأنها قادرة على محاصرة العدو وامتداده داخل الوطن العربي..


العودة إلى استحضار حرب 2006، وقراءة ما جرى في تلك الحرب ضرورة للتذكير بأن المقاومة، والمقاومة وحدها هي القادرة على هزيمة الكيان الإرهابي العنصري واستعادة كل الأراضي المحتلة بعد أن فشلت سياسات الخنوع وتعطلت مشاعر وإرادات المتقاعسين والمهزومين عن الحركة إما بفعل الخوف وإما بفعل الارتباط الواضح مع القوى المعادية للأمة والمقاومة.


لقد انتصر حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية في لبنان على الجيش الذي قالوا عنه إنه لن يُقهر، لكن إرادة وبطولات وعظمة المقاومة في الجنوب اللبناني وفي قطاع غزة أثبت للعالم أجمع أنه ما زال في صفوف الأمة العربية أبطال شجعان حاصروا العدو وانتصروا عليه بفعل إيمانهم بعروبتهم ومقاومتهم وكانوا وما زالوا خير من حمل الأمانة وجعل من نفسه وأهله وقوداً في معركة العزة والكرامة وظلّ شوكة في عيون الأعداء وخنجراً في صدورهم، وصخرة تتكسر عليها أحلامهم وأطماعهم التوسعية.


لقد حاول العدو وأذنابه تطويق نتائج حرب 2006 وحرب 2008-2009 في لبنان وغزة وقتل نتائجها الإيجابية بالنسبة للعرب، لأنها الحرب الأولى التي استطاع فيها الإنسان العربي المقاوم أن يخلق المعجزة العربية، ويقهر الجيش الإسرائيلي ويرفع أعلام العروبة عالياً وهي ترفرف في زهو وانتصار.


لقد أسقطت الأمة وفي طليعتها المقاومة مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان هدفه خلق التجزئة والتناحر والتخلف في جسد الأمة العربية لكي ننسى فلسطين والجولان ومزارع شبعا، إلا أن المعجزة العربية وصلابتها أفشلت مخططات الكبار والصغار من أعداء العرب والقضية وألقت بها إلى مزبلة التاريخ.


لنتذكر ماذا كان يُدبر لنا قبل حرب 2006 وكيف كانت أهداف الإمبريالية والصهيونية وإسرائيل، لقد خرجت من مخادعهم عدة مخططات وعدة سياسات، وعدة تكتيكات من أجل السيطرة على الوطن العربي، وكانت سياسة الترهيب وتحويل التناقضات الفرعية إلى تناقضات أساسية تناحرية لكي يغيب التناقض الرئيسي الذي هو تناقض العرب مع عدوهم الباحث عن تصفية قضيتهم المركزية وتصفية المقاومة بشكل سافر وواضح أمام كل الناس وأمام كل الأعين.


لقد وضع العدو أمام عينيه القضاء على نتائج حرب 2006 بشكل سافر، وأراد قلب الحقائق، وقلب القضية الأساسية التي هي قضية فلسطين إلى قضية خلافات على الحدود، وقضية انسحاب جزئي من الضفة الغربية مقابل تنازل سياسي استراتيجي عن القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين وإقامة «دكاكين» سياسية فلسطينية لا نفع منها سوى مهادنة الاحتلال وتصفية المقاومة، ووضع إسفين الفرقة والتناقض والتناحر بين أبناء الشعب الواحد.


لقد كانت الخطة ترمي إلى إشعال الخلافات وإثارة النعرات الطائفية والدينية في لبنان، لكن حكمة وقدرة وعظمة السيد حسن نصر الله وحزب الله منعت الفتنة وطوّقت سياسة التوريط والفرقة بين الإخوة في الوطن الواحد، والشيء الرائع هو وقوف الشرفاء والأحرار في لبنان في وجه المخطط الإرهابي، ورفض الابتعاد عن الوحدة الوطنية التي هي سياج يحمي لبنان، وخاصة عند ما انكشفت المؤامرة في كل أهدافها ومراميها والتي كانت ترمي أولاً وأخيراً إلى تمرير ما كان يُسمّى الشرق الأوسط الجديد، ودفع إسرائيل إلى المزيد من المراوغة والخداع والوعود الكاذبة في إقامة الدولة الفلسطينية لتمرير المشروع الأوسطي الأميركي في المنطقة وتطويق سورية والمقاومة ووضع اليد على الوطن العربي.


لقد أفشلت سورية بقيادة الرئيس الشاب بشار الأسد مخططات أميركا وإسرائيل ومن وقف معهما من المستعربين ودول الغرب، واستطاع بقوة شخصيته، وإرادته الحديدية، ووعيه الثوري والسياسي أن يقبل التحدي دون أن يُفرط في مبادئه وصون عروبته لأن سورية كانت وما زالت تلتزم بأهداف الأمة العربية وبتحرير فلسطين ولأنها تربط التراب العربي مع بعضه ولا تفرق بين الجولان وفلسطين، ولا بين سورية ولبنان، ولأنها ترفض سياسة الرضوخ والاستسلام، وترفض الابتعاد عن المقاومة لأنها حق اعترفت به كل الشرائع الدولية.


من المؤكد أن الكيان الصهيوني الإرهابي لن يتصالح مع هزيمته في حرب تموز 2006، لذلك هو يبحث عن حرب جديدة يريد من خلالها الاعتبار لجيشه المهزوم والمقهور، لذلك نراه هذه الأيام يقوم جيشه بإجراء مناورات على الحدود اللبنانية وفي الجولان ظناً منه أنه بتلك المسرحيات الهزلية يستطيع أن يُخيف المقاومة أو أن يكسر شوكتها متناسياً ما حلَّ به من خوف ودمار وهزيمة في حربه الأخيرة.


لقد سمعنا عشرات التصريحات على ألسنة باراك وليبيرمان والنتن يا هو، ومن بعض وزراء الليكود وإسرائيل بيتنا وكلها تنادي بشن الحرب على حزب الله. هل هو الخوف من حزب الله وقوته النارية الجديدة التي سُتدمر المدن والقرى في فلسطين المحتلة لو فكر العدو بإشعال الحرب من جديد؟ الخوف بادٍ على المسؤولين الصهاينة بلا شك وهذا ما أعلنه وزير الحرب باراك عندما قال: «إسرائيل تواجه تحديدات أمنية استثنائية وفرصاً غير قليلة أيضاً في الميدان السياسي وقدرتنا على التطلّع إلى الإمام نحو الأفق السياسي تنبع أولاً من قوة الجيش الإسرائيلي، وإن الجيش الإسرائيلي وسلاح الجو يبذلان جهوداً جبارة لخلق جهوزية حقيقية معنوية وتكنولوجية على حد سواء لمواجهة كل التحديات».


ها نحن إذاً أمام صور من التعابير المتناقضة حيث هم يبطنون ويخفون ما يفكرون به عندما يُعلن النتن يا هو (أن لا وجود هناك لرياح حرب).


ولكن رغم ألاعيب حكام الكيان الإرهابي العنصري مطلوب من المقاومة اليقظة لأن العدو لا أمان ولا أخلاق لديه، بل من المستحيل الاطمئنان إليه لأنه مهووس بالحروب والقتل والدمار والإبادة، وهناك قراءات للأحداث عديدة وكلها تصب في خانة الغدر والعدوان حيث تميز هذا العدو العنصري بالكذب والتحايل لتحقيق غاياته الشريرة.


وهنا أقول إن المقاومة في لبنان وفلسطين هما شرايين الشعوب الباحثة عن حريتها واستقلالها ومنع العدوان عليها، وهي قادرة أن تفرز آلاف الأبطال من أمثال الشهيد عماد مغنية، والشهداء أحمد ياسين، والرنتيسي، وياسر عرفات، وخليل الوزير وغيرهم وغيرهم من الرجال الذين ظهروا فوق الساحة وقدموا أرواحهم من أجل حماية الحقوق العربية.


كما أن المقاومة التي أفرزت رجالاً صهرتهم التجارب أمثال السيد حسن نصر الله لقيادة شعوبهم وتحمل المسؤولية في الزمن الصعب وحققوا المعجزات كالنسور فوق القمم، هم قادرون بعون الله على متابعة مسيرة المقاومة باسم الشرفاء والفقراء وباسم الجماهير التي تحمل في أعماقها بذور المقاومة والانتصار.


المقاومة في فلسطين ولبنان باقية حتى تحرير التراب المقدس، وسورية وأسدها الشاب المتوثب دائماً لحماية الأرض العربية ومقدساتها، كلهم يقفون فوق أرض صلبة بين جماهير الأمة العربية التي تحيط بهم بمحبتها ودعمها من أجل أجيال ستولد حرة على أرضها وكبيرة في حمل مسؤولياتها.





مازن النقيب