مبارك «شام غن»  - زياد حيدر

2009-09-18


في العقود الماضية كان لبنان مركز التسوق بالنسبة لسورية. لم يكن يعوق فرق السعر الكبير بين عاصمتي البلدين، ولا المسافة التي يجب قطعها، رغبة السوريين في زيارة لبنان، إذ كانت بيروت الأفق الحيوي لأي راغب في تسوق سوري ممن يملكون القدرة. وحتى أبناء الطبقة الوسطى كانوا يجدون القدرة للقيام بهذه الرحلة بين وقت وآخر ولاسيما في فترات الأعياد.
ولم تقتصر قدرة جذب بيروت على الناحية الاستهلاكية بل تعدتها إلى الإمكانية الإنتاجية إذ وجد الكثيرون –يقدرون بعشرات الآلاف- فرص كسب العيش في لبنان عالية، فاستغلوا الحاجة لعمالة في مجال البناء والزراعة والخدمات وتمكنوا من بناء حياة اجتماعية في سورية في حدود إمكانيات الطبقة الوسطى العريضة.


أيضاً إضافة لكون بيروت مركز تسوق، كانت مساحة للترفيه والحركة الحرة والاستمتاع بالطبيعة والفن والنشاطات الثقافية.


ولم يكن السفر لبيروت يستدعي سوى الانطلاق بالسيارة والحصول على ختم مستند لمعلومات البطاقة الشخصية، ولا يزال. إلا أن لبنان بالنسبة للسوريين لم تعد الخيار الأوحد. فاتفاق سورية وتركيا التاريخي أمس على إلغاء تأشيرات الدخول وسماتها بين البلدين سيسمح للسوريين بالوصول إلى ضفاف أوروبا الغربية دون حاجة للانتظار على أبواب السفارات. ولا ندري كيف سيصبح الأمر في حال نجحت الجهود التركية بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن المهم اللحظة أن تركيا باتت بالنسبة لأي مواطن سوري تتمتع بذات قدرة الجذب التي كانت لدى لبنان. وفيما عدا اختلاف اللغة، فإن ما يجمع البلدين هو حتما أكثر بكثير مما يفرقهما. فالتشابه الثقافي والتقارب السياسي وبعده التعاون الاقتصادي والتجاري كلها عوامل تصب في مصلحة فتح الأفق التبادلي بين البلدين ومواطنيهما. وبموجب اتفاق أمس تصبح بوابات تركيا وسورية الحدودية الثماني بين البلدين بمثابة معابر سريعة لحركة المواطنين والتجار على امتداد الحدود البالغة الطول والممتدة إلى ما يقارب 800 كم.


وسيجد السوري نفسه بين خيارات عدة مثيرة للإعجاب. فهذا التطور البارز في علاقات سورية وتركيا يمنح المواطن السوري نافذة تحرك جديدة. فإضافة إلى لبنان، تتشابه الإجراءات السورية الأردنية والسورية المصرية في تجنب اشتراط الفيزا وسمات الدخول. وفيما عدا العراق يصبح لسورية حدود مفتوحة مع جيرانها ما يمكن أن يساهم في ضخ المزيد من الطاقة في مجالات الحياة عموماً المستندة أو المحتاجة للتواصل مع المحيط الخارجي.


واللافت أن هذا التطور يأتي في الوقت الذي تتعقد فيه العلاقات السورية مع العراق. كما يتزامن مع تأزم في العلاقات السورية المصرية، وبرود في العلاقات السورية السعودية. وما هو مثير أيضاً أن ما تحقق مع تركيا كان «حلماً» إذا صح التعبير للقيادة السورية ولكن ضمن المحيط العربي، إذا به يتحقق مع وريث الإمبراطورية العثمانية!
وهو ما يقود لاستنتاجات عدة، نذكر منها ما هو أبرزها. أن قهر الظروف يستدعي توافر الإرادات، وهذا أهم خلاصات التجربة السورية التركية، لذا مبارك على الشعبين «الشام غن».




زياد حيدر