غزة 2009: ما تبقى لنا هي تلك القوة الشعبية
المقاومة الشعبية والتحرير 'لو بطلنا نحلم نموت لو عاندنا نقدر نفوت'
02/09/2009
لم تكن تلك اللحظة التاريخية التي أسميناها غزة 2009، بمعنى الحرب الهمجية التي أدت
لاستشهاد أكثر من 1500 مدني فلسطيني نصفهم أطفال وإصابة أكثر من 5500، لتمر مرور
الكرام لولا أنها تناسبت مع لحظة تاريخية عامة، يمر بها العالم العربي بشكل عام،
والقضية الفلسطينية بشكل خاص.
من الواضح أن القضية الفلسطينية أصبحت عبئاً بعد 61 عاماً لا يستطيع النظام الرسمي
العربي تحمله. لا شك أن زيارة السادات التاريخية لتل أبيب عام 1977 كانت التجسيد
العملي والواضح لتراكم تلك الفكرة الكامنة في آيديولوجيا البترودولار.
ولكن ما حصل بعد 27/12/2008 وخلال المجزرة من مشاركة النظام الرسمي العربي ليس فقط
بالتشفي فيما يحصل، بل في منع المواطن الفلسطيني الغزي من حتى حق الحماية التي
يكفلها له القانون الدولي كما حصل خلال حرب البوسنة لا شك أن هذا مدعاة للتساؤل
النقدي والخلاق عن مفهوم العروبة والتضامن العربي وكيفية الخروج من مأزق إحتكار
النظام الرسمي العربي لهذه المفاهيم. ولكن أيضاً ما إتفق على تسميته (الشارع العربي)
وخـــروج الجماهير للتضامن مع أهل غـــزة بشكل تمــيز وكالعادة بالزعيق والعويل
واللطم على الخدود والمطالبة بفتح الحدود والتوسل لسمو الأمراء والملوك والجنرالات
بعمل شيء (يخفف على الأخوة الفلسطينين في غزة معاناتهم)، وكالعادة إنخفضت هذه الهبة
تدريجياً وعفا الله المؤمنين شر القتال (ما باليد حيلة).
وها قد عادت غزة إلى حالها من حصار يحصد الارواح بلا هوادة بالرغم من المحاولات
الريادية لأبطال غزة الحرة ولجان التضامن الدولية لفتــــح معبر رفح وشريان الحياة،
محاولات رمزية غاية بالأهمــــية نابعة من بطـــولات ليست عربية نحو إتخاذ خطوات
عملية خلاقـــة ثورية بلا أي شك في أسلوبها، حيث قامت غــزة الحرة بارسال 7 رحلات
إلى غزة نجح 5 منها في إحداث اختراق لأول مرة منذ عام 1967 وحيث أضرب أكثر من 23
متضامناً دولياً على الطرف المصري من معبر رفح كل هذا يحدث ولم نسمع عن محاولات
عربية حتى مما يسمى بالمعارضة الرسمية وغير الرسمية، الثورية أو الليبرالية،
النسائية أو حتى الذكورية!!
لقد وصلت غزة إلى مرحلة أصبحت فيها تجسيداً واقعياً لغورنيكا أوشاربفيل، وارسو،
وأوشوفس. وكل ما يستطيع العالم الما بعد كولونيالي فعله هو إما العويل أو التنديد
بدرجات تتراوح ما بين الشدة وعدم الشدة!
لقد سئمـــنا!! وكما يقال فـــي غزة (طلعت روحنا)!
فليذهب العالم العربي من المحيط للخليج بحكوماته، بقياداته، ومعارضته رسمية وغير
رسمية إلى الجحيم. لن يختلف معي آل الساموني من حي الزيتون والذين فقدوا أكثر من 30
من خيرة أبنائهم وبناتهم، أطفال وبالغين، ولا عائلة الداية وأبو عيشة ودردونة. لن
يختلف معي الآلاف الذين يعيشون في خيامهم ينتظرون في برد الشتاء القارص وحر الصيف
الخانق أن يتحرك هذا الجسد الميت (عشم إبليس في الجنة!)
ما تبقى لنا ليس الرباعية والأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي والقمم العربية.
ما تبقى لنا هو قوة الشعب الذي صمد لمدة 22 يوماً دون أن يحني رأسه.
ما تبقى لنا هي تلك القوة الشعبية التي عبر عنها الرئيس هوغو تشافيز والرئيس ايفو
موراليس والنائب البريطاني جورج غلوي.
ماتبقى لنا هو الدرس الشـــعبي الذي ألهم النضال الجنوب أفريقي ضد نظام
الأبارتهــــيد العنـــصري، وحينما أصبح حتى تحية مواطن جنوب أفريــــقي أبيــــض
حرام شرعاُ بفتوى جماهيرية لا تنـــتظر شيوخ وكهنة القصور.
وها هي غزة تصدر فتواها بتحريم التعامل مع إسرائيل أو شراء بضاعتها أو فتح سفارات
في عاصمتها أو اللعب مع رياضييها أو التعاون مع جامعاتها التي تفرخ مجرمي حرب.
حتى لو إستقبلت حكومة جنوب افريقيا اللاعنصرية مجرمي حرب اسرائيليين وحتى لو أرسلت
القيادات الفلسطينية رسالات توسل لباراك أوباما وحتى لو نسقت القيادات الفلسطينية
أمنياً مع إسرائيل فانه لن يستطع أي نظام ديكتاتوري أو ديمقراطي أن يمنع مواطنيه من
عدم التعامل مع اي شيء إسرائيلي.
عندما يدعونا الأكاديمي والكاتب الإسرائيلي الشجاع إيلان بابيه للمقاطعة وحتى نيفي
غوردن وصل لهذه النتيجة وهي أن القوة الغاشمة الإسرائيلية مدعومة بالجبن اللاغاشم
العربي، والصمت والتأييد الجبان الدولي فإنه لم يتبق لدينا سوى المقاطعة بكل
أشكالها إقتصادية، أكاديمية، ثقافية، رياضية، عسكرية، سياسية.
إن تجربة النضال ضد نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا ما زال حياً، معظم من
كان له شرف المشاركة في هذه الثورة العالمية لازال حياً وجاهزاً للنضال ضد آخر نظام
أبارتهيد.لن تساعدنا رسائل الود والتزامنا بحل الدولتين لباراك أوباما ولن تسعفنا
المفاوضات العبثية والتي لامست حد الإجرام. ما يسعفنا هو تحالف شعبي فلسطيني دولي
يرفع شعار المقاطعة BDS على نمط ما حصل ضد آخر معاقل العنصرية في أفريقيا.
إن نضالنا وتضحــــياتنا التي تعــــدت المألوف لايمكن بأي شكل من الأشكال ان تؤدي
إلى بـــناء معزل عرقي يحتفى به على إنه إنجاز تاريخي. إن غزة 2009 وضعت حداً لهذه
المهـــزلة وأعادت مفــــهومي التحــــرير وتقرير المصير لوضعهما الطبيـــعي حـــيث
أن كل المـــحاولات التي صب فيها مليارات الدولارات لتحويل القضية إلى مسألة صراع
حدودي على 22' من الأرض وصلت إلى نهايتها.
ان التحرير وتقرير المصير (وتبعاً للقانون الدولي) لم يعودا شعارين من الماضي بل
أصبحا الشعارين اللذين يجب أن يتمحور حولهما النضال الفلسطيني والأممي من أجل
الوصول لسلامٍ عادلٍ وشامل. ما تبقى لنا هو الإرادة الشعبية البعيدة كل البعد عن
الشعارات الفارغة والتي عن طريق حملة مكثفة ومتنامية من المقاطعة يجب في المحصلة
النهائية أن تؤدي كما حصل مع النضال الجنوب أفريقي إلى التحرير.
ناشط مستقل - غزة - فلسطين