خطة أوباما الجديدة للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين
02/09/2009
تتكاثف المشاورات والجولات والمباحثات الدبلوماسية التي تقودها الإدارة الأميركية
الجديدة في الآونة الأخيرة للتوصل إلى صيغة أولية، أو مقاربة سياسية للصراع الأقدم
في المنطقة والعالم، الصراع العربي الإسرائيلي. وفي الوقت الذي لم تنجح فيه الإدارة
الأميركية في الضغط على حليفتها وربيبتها (إسرائيل) للقبول بأدنى مطالب التهيئة
لعقد أي مباحثات أو مفاوضات جديدة للسلام بين الجانبين.
وفي السياق ذاته، ولكن باتجاه آخر لم تجد إدارة أوباما أي حرج أو مشقة في التعامل
مع الطرف العربي (الرسمي) لاجتراح سبل صياغة أي خطة للمفاوضات (ولا أقول للسلام)
بين العرب و«إسرائيل». فقد تقاطر الزعماء والسياسيون العرب على واشنطن لعرض وجهة
نظرهم على الإدارة الأميركية، والتي غالباً ما كانت ممزوجة بسلة من الصفقات
والمساومات على حساب تأمين موافقة تلك الأنظمة على المشاركة أو تأييد مساعي إدارة
أوباما للمّ شمل الطرفين المتخاصمين على طاولة واحدة.
ولكن... ما تفاصيل الخطة التي تعكف الإدارة الأميركية الجديدة على إعدادها، والتي
سيتم طرحها خلال فترة وجيزة، ربما تكون خلال فترة انعقاد الجمعية العمومية للأمم
المتحدة في نيويورك في أيلول القادم؟
تنص الخطة التي باتت الشغل الشاغل لوسائل الإعلام العالمية مؤخراً، والعربية منها
بالذات، وتم تسريبها عن قصد، فيما يبدو، إقامة دولة فلسطينية في غضون سنتين، وستكون
هذه الدولة منزوعة السلاح وضمن حدود مؤقتة في مرحلة أولى. والاتفاق على مبدأ تبادل
الأراضي بين السلطة و«إسرائيل» قد تصل نسبتها إلى 7.5 بالمئة، وهو ما يعني إبقاء
التجمعات الاستيطانية الكبيرة قائمة وموجودة على أراضي الضفة الغربية. كما تشمل
الخطة ضرورة تأكيد الجانب الفلسطيني أن التفاوض هو الخيار الوحيد للحصول على الحقوق
المشروعة، ومقاومة وسائل العنف والخيارات الأخرى. وهو ما يعني ضرورة تخلي الشعب
الفلسطيني عن حقه في مقاومة الاحتلال سلفاً وكشرط مسبق للدخول في مرحلة التفاوض
التي قد لا تسفر عن شيء، بحكم الخبرة في التفاوض مع العدو الصهيوني.
وحتى يتم تخدير المشاعر العربية والفلسطينية ومداعبتها، ترى الخطة وجوب تجميد
الاستيطان خلال فترة التفاوض لإقامة الدولة، مع الأخذ بالحسبان حاجة المستوطنات إلى
مساكن جديدة لمواجهة النمو الطبيعي. أما بالنسبة للموضوعات العالقة الأخرى، التي
كانت تشكل حجر عثرة أمام أي مفاوضات سابقة بسبب تعنت «إسرائيل» المستمر، فإنه يتم
تأجيلها وربطها بمدى التزام الطرف الفلسطيني وحده بواجباته، فموضوع القدس يؤجل البت
فيه إلى ما بعد إقامة الدولة الفلسطينية ضمن الحدود المؤقتة، أي إلى ما بعد سنتين
من الآن. أما موضوع اللاجئين، فإنه يتم بحث أمره بعد إقامة الدولة الفلسطينية أيضاً،
وكأن أمر إقامتها قد أصبح أمراً منجزاً من وجهة نظر الخطة الأميركية. لكن الأخطر في
الخطة يكمن في مطالبة الدول العربية بالتطبيع التدريجي مع «إسرائيل» حتى يكتمل
التطبيع مع إقامة الدولة الفلسطينية بعد عامين.
وبموجب هذه الخطة، فإن المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية ستتركز على موضوعات حياتية
يومية، منها التنسيق الأمني، وتحسين المستوى المعيشي، وتسليم مناطق مأهولة بالسكان
للسلطة الوطنية الفلسطينية، والتركيز على بناء جسور ثقة وتعاون بين الجانبين. أما
موضوعات الحدود والقدس واللاجئين، فإنه سيتم بحثها في إطار الحل النهائي بعد سنتين
من بدء المفاوضات الحالية.
ولا نكاد نجانب الصواب إن شبهنا الخطة الأميركية الجديدة بخطة خريطة الطريق المؤودة
سابقاً، ما لم تكن أسوأ، لأن الثمن المطلوب للمباشرة بتنفيذها بإغراء جزرة الدولة
الفلسطينية العتيدة هو التنازل عن الحق الذي كفلته جميع الشرائع والمواثيق والعهود
بمقاومة المحتل، كما تتضمن دفع ثمن عربي مقدماً مقابل تجميد شكلي ووهمي للاستيطان،
على حين ستكون الدولة الفلسطينية المستقبلية دولة «مسخ» من ناحية المساحة
والجغرافيا والسيادة.
ويبدو أن ضغوطات اللوبي الصهيوني على الإدارة الأميركية الجديدة قد آتت أكلها،
فنجحت الدوائر الصهيونية المحيطة بأوباما والمشكلة لبعض حلقات إدارته أيضاً في
امتصاص حماسة الرئيس الجديد تجاه الصراع في الشرق الأوسط، بل بثّ المطالب الفيروسية
الإسرائيلية ضمن الإطار العام للخطة الأميركية وفي ثناياها لفرض أمر واقع على من
تبقى في الساحة مقاوماً للنزعات الإمبريالية والصهيونية في المنطقة، بعد أن شارفت
مرحلة تهويد مدينة القدس على نهايتها، ولم يتبق أمام المسوقين للخطة الأميركية سوى
ملف اللاجئين الرافضين لمبدأ التنازل عن حق العودة والتعويض، وهو ما سيبقى في نهاية
المطاف الملف الوحيد الذي لن تنجح أي خطة في تجاوزه، بإذن اللـه تعالى.
هشام منور كاتب وباحث *