الأكاديميون " الاسرائيليون " و الأبارتهايد الصهيوني ؟

10/09/2009

 سراج عاصي

آب (اغسطس) 2009، نيف غوردون، محاضر إسرائيلي في العلوم السياسية في جامعة بن غوريون الإسرائيلية، يكتب في صحيفة 'لوس انجليس تايمز' مقالا يصف فيه إسرائيل بدولة الفصل العنصري - الأبارتهايد ويدعو إلى مقاطعتها دوليا. غوردون الذي كان قد ألف كتابا عن الاحتلال الإسرائيلي، بات مقتنعا اليوم أن الوسيلة الوحيدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي هي زيادة الضغط على إسرائيل ومقاطعتها دوليا وذلك بعد فشل كل المساعي الدولية الأخيرة في إنهاء الاحتلال. في بداية مقاله يكتب غوردون، 'ليس من السهل علي كمواطن إسرائيلي دعوة حكومات أجنبية، سلطات إقليمية، حركات اجتماعية دولية، منظمات دينية، نقابات ومواطنين، لوقف تعاونهم مع إسرائيل. لقد وصلت إسرائيل إلى مفترق طرق تاريخي وأزمة حقيقية تستدعي اتخاذ خطوات أكثر جذرية. أقول ذلك كيهودي قرر تربية ابنيه في إسرائيل، كعضو في معسكر السلام منذ ثلاثين سنة وكمن يشعر بالجزع الشديد لمستقبل هذه الدولة'. ويقترح غوردون وسيلتين لإنهاء نظام الأبارتهايد في إسرائيل: الأولى حل الدولة الواحدة، أي منح الجنسية لجميع الفلسطينيين عن طريق إنشاء دولة ديمقراطية ثنائية القومية في كل المنطقة الخاضعة لإسرائيل، مما يعني إلغاء فكرة يهودية الدولة، وهي مسألة تبدو في نظر كثير من الإسرائيليين من المحرمات السياسة. الوسيلة الثانية، إنهاء سياسة التمييز العنصري التي تنتهجها الدولة عن طريق حل الدولتين وانسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل 1967، مع احتمال عملية تبادل في الأراضي، وتقسيم القدس والاعتراف بحق الفلسطينيين في العودة مع اشتراط عودة أعداد محدودة منهم إلى إسرائيل بينما يعود الباقون في الدولة الفلسطينية. ويرى غوردون أن حل الدولتين هو الوسيلة الوحيدة لإنهاء سياسة التمييز العنصري في إسرائيل ولمواجهة سياسة الفصل العنصري، وذلك لا يتم إلا بالمزيد من الضغط الدولي على إسرائيل . ويضيف المحاضر الإسرائيلي، 'في حين أن الشعبين- الإسرائيلي والفلسطيني- يعيشان في المنطقة نفسها بين الأردن والبحر الأبيض المتوسط، فإنهما يخضعان لنظام مختلف من القوانين. للفلسطينيين لا توجد دولة ولا حتى حقوق إنسانية أساسية.

وعلى النقيض منهم يُعتبر كل اليهود، سواء في المناطق المحتلة أو في إسرائيل، مواطني دولة إسرائيل'. وعلى حد تعبير غوردون، فإن 'السبيل الوحيد لإنهاء حكم الأبارتهايد في إسرائيل هو ضغط دولي مكثًف. وما دامت تصريحات أوباما والاتحاد الأوروبي والجهود الدولية المتواصلة لم تجد نفعا بخصوص الانسحاب من الأراضي المحتلة ولا حتى تجميد المستوطنات، فإنه ليس من وسيلة أخرى لتحقيق ذلك سوى مزيد من الضغط الدولي على إسرائيل كي لا يضطر الجيل القادم من إسرائيليين وفلسطينيين، وابنيّ كذلك، للعيش في ظل نظام أبارتهايد'. ويضيف غوردون أن 'ما دفعه على التحرك في هذه الاتجاه هو قناعته بان إسرائيل في طريقها إلى إقامة نظام أبارتهايد وليس إلى حل الدولتين'.

وفي ردها على تصريحات غوردون، شجبت رفقة كارمي رئيسة جامعة بن غوريون المقال بشدة بوصفه اعتداءً على حدود حرية التعبير الأكاديمية وتجاوزا لكل الخطوط الحمراء. وأضافت أن جامعة بن غوريون هي جامعة صهيونية أُنشأت لتحقيق حلم دافيد بن غوروين بإنشاء الدولة اليهودية وتطوير منطقة النقب. وعلى من يحمل مثل هذه الأفكار (الواردة في مقال غوردون) أن يبحث لنفسه عن مكان آخر'.

بروفيسور شلومو زاند، مؤرخ إسرائيلي ومحاضر في جامعة تل أبيب، أثار كتابه الأخير 'متى وكيف تم اختراع الشعب اليهودي؟' (2008) ، جدلا واسعا في المجتمع الإسرائيلي على المستويين الأكاديمي والشعبي. في هذا الكتاب أخذ زاند على عاتقه مسؤولية التصدي لأسئلة لا تزال تعتبر من المحرمات في المجتمع الإسرائيلي، أسئلة بالغة الحساسية حول أصل اليهود وجذورهم التاريخية. كتاب زاند أشبه بعملية 'حفر' في المصادر اليهودية وغير اليهودية قادته إلى الاستنتاج بأن 'التاريخ اليهودي' يقوم على مجموعة من الأساطير المختلقة وفي مقدمتها تهجير اليهود بالقوة من أرض فلسطين بعد تدمير الهيكل الثاني على أيدي الرومان.
في مقال له على موقع صحيفة 'يديعوت أحرونوت' على الإنترنت، بتاريخ 27 آب (اغسطس) 2009 بعنوان 'جامعة بن غوريون: جامعة صهيونية؟' وجَه زاند نقدا لاذعا لموقف رئيسة الجامعة مؤكدا على أن جامعة بن غوريون هي جامعة إسرائيلية وليست صهيونية كما تزعم رئيسة الجامعة. واعتبر زاند أن وصف جامعة بن غوريون بالصهيونية لا يختلف عن موقف رؤساء الجامعات في الاتحاد السوفييتي من حيث اعتبار جامعاتهم شيوعية. واستهجن زاند أن يصدر مثل هذا الموقف عن جامعة بن غوريون التي تضم نسبة عالية من الأكاديميين 'غير الصهاينة' ، واعتبر أن موقف رئيسة الجامعة يزيد من إقصاء هذه الفئة من الأكاديميين التي لا تعتبر نفسها 'صهيونية'، كما ودعا رؤساء الجامعات في إسرائيل على شجب موقف زميلتهم من جامعة بن غوريون.

ويتفق زاند مع غوردون بأن إسرائيل هي دولة أبارتهايد، فذلك في رأيه هو الوصف الأكثر دقة للأساليب التي تتبعها إسرائيل في المناطق المحتلة. 'في هذه المناطق، حيث يستوطن وزير خارجية إسرائيل، يعيش شعب منذ أكثر من 42 سنة من دون أية حقوق سياسية بالمقارنة مع أولئك الإسرائيليين المستوطنين في جوارهم'. ويضيف زاند بأن كل حكومات إسرائيل شجعت وما زالت تشجَع الاستيطان الإسرائيلي في جوار السكان المحليين. ويرى أن غوردون ليس وحيدا في استنتاجه المتشائم بأنه في ظل الظروف التاريخية الراهنة، فإن الأمل بولادة سياسة مختلفة في إسرائيل من دون ضغط خارجي يتضاءل تدريجيا.

وكانت الصحافة الإسرائيلية قد شهدت صيفا ساخنا يزخر بمقالات غاضبة تندد بالسياسيات الإسرائيلية في المناطق المحتلة وتنادي بمقاطعة دولية لإسرائيل. بدءا من انسحاب العديد من الأفلام من المشاركة في المهرجانات السينمائية الإسرائيلية، ومرورا بالنقد الشديد الذي تعرض له الفنان العالمي ليونارد كوهين بسبب قراره تقديم حفل فني في إسرائيل. وفي سياق متصل، قامت منظمة Oxfam العالمية لمحاربة الفقر والظلم بقطع علاقاتها مع بعض الفنانين بعد أن شاركوا في الدعاية لمنتجات تجميل صنعت في المناطق المحتلة. وجاء قرار غوردون بدعم المقاطعة احتجاجا على نظام 'الفصل العنصري' الذي تتبعه إسرائيل وتلبية للدعوة التي أطلقها نشطاء سياسيون فلسطينيون في تموز (يوليو) 2005 والتي تلقى تأييدا واسعا على مستوى العالم، والتي تدعو إسرائيل إلى احترام المواثيق الدولية، وحصول الفلسطينيين على حقهم في تقرير المصير. وكان تجمع لمنظمات دولية في بلباو في إسبانيا قد تبنى في عام 2008 حملة 'العشر نقاط' ودعا إلى مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية وكل من يساهم في بقاء الاحتلال، وتشجيع فنانين عالميين على لفت أنظار العالم إلى بشاعة الاحتلال، والتنديد بأولئك الذين يحيون حفلات وعروض فنية في إسرائيل.

'ثورة الأكاديميين الأحرار' هو وصف قد لا يروق لبعض المثقفين العرب، لكنه وصف دقيق لما يحدث في إسرائيل الآن ولا يحدث هنا، في العالم العربي. في ظل ارتفاع هذا الوعي النقدي لدى هذه الفئة من الأكاديميين والمؤرخين والفنانين الإسرائيليين، يحق لنا أن نتساءل أين الأكاديميون والمثقفون العرب من هذه المواقف والتوجهات، ليس في مقاطعة إسرائيل فحسب، بل بمقاطعة حكوماتهم على أساس ممارسات غير ديمقراطية وانتهاكات لحقوق الإنسان وحقوق الأقليات في بلادهم؟ لماذا لا نسمع منهم مثل هذه المواقف الصادرة عن الإسرائيليين بحق دولتهم؟ ولماذا لا يحذو المؤرخون العرب حذو مؤرخين من أمثال زاند، و'المؤرخون الجدد' في إسرائيل، في إعادة النظر ليس في التاريخ اليهودي، بل في تاريخهم هم، التاريخ العربي والإسلامي وذلك من خلال قراءة نقدية تهدف إلى تعرية كل الأساطير والخرافات التي تحيط به بعيدا عن تمجيد الذات ونظريات المؤامرة؟ أليس الوعي النقدي عامل قوة في بناء المجتمعات الحديثة؟ أليس هو من أهم عوامل بقاء إسرائيل في حين أن غيابه في الدول العربية هو عامل ضعف ونكوص؟ لماذا لا يزال الكثير من المثقفين العرب ضحية لازدواجية أخلاقية تتمثل في إدانة إسرائيل وممارستها العنصرية من جهة وغض الطرف عن ممارسات لا تقل عنصرية في بلادهم، من جهة أخرى؟

* ماجستير في تاريخ الشرق الأوسط من جامعة تل أبيب