طا لب حزب الله بوقف التغني بالنصر لأنه صار تاريخا وانتقد الرأسمالية العالمية
زياد رحباني يتألق في لقاء متلفز على قناة المنار
د.
حسين علي شعبان
23/09/2009
اللقاء المتلفز الذي بثته فضائية 'المنار' اللبنانية مساء الاحد 13 أيلول (سبتمبر)
2009، الساعة السابعة والنصف بتوقيت 'غرينتش'، جاء بمثابة رد حازم بل صفعة قاسية
لفتاوى بعض رجال الدين المسلمين المنشغلين في التحريض على الاحزاب الشيوعية
والشيوعيين بتجريمهم حيناَّ وتكفيرهم حينا آخر مطالبين بمنعهم وملاحقتهم واقامة
الحد عليهم.
توقيت ظهور (بعد الافطار مباشرة، وفي زحمة المسلسلات الرمضانية) الشيوعي زياد
الرحباني من على شاشة 'المنار' لمدة خمس واربعين دقيقة ونيف كان موفقا كونه جاء
ليكرس نهج الصراحة وصيانة حق التعبير عن الرأي في وقت الذروة. فمقابلة ولقاء مع
مثقف بحجم زياد الرحباني له تبعات لا يحتملها الا من يحمل بين اضلاعه صدرا واسعا
يتسع للحقيقة المرة التي يقذفها زياد كما تقذف البراكين الحمم. فحزب الله، حزب
اسلامي حقق معجزات داخلية وخارجية يحق لقيادته ان تتباهى بها بل وتختال بما انجزته
وان هي لم تفعل. ففي العلاقات الحزبية والسياسية الداخلية يسجل للحزب براءة فكرية
وابداعات تطبيقية كان السباق اليها في المنطقة العربية. وليس مبالغة ان قلنا
استنادا الى تجربة لا تزال حية في الذاكرة أن ابناء الضاحية الجنوبية لبيروت ينعمون
بتسامح وامن واستقرار لا يختلف عن ما يعيشه سكان لندن، مع فارق الهوة الواسعة في
دور مؤسسات الدولة في البلدين.
تجربة حزب الله في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت منذ تسعينات القرن الماضي فريدة
بخصوصيتها وتنوعها، ونتفهم نعت الناقل الامين لتلك التجربة الى المراكز العلمية في
الغرب بالتحيز وقلة الامانة. خلال اعوام قليلة تمددت تلك التجربة لتتكرس في علاقات
وتحالفات حزبية داخلية حققت نجاحات ترعب دولا وحكومات كبرى. أما الانتصارات الحربية
التي حققها الحزب واذاقت جنرالات وساسة دول الاحتلال مرارة الهزيمة فقد تحولت الى
مادة تدرس في الاكاديميات الحربية وموضوعا لتدريبات ومناورات عسكرية تدأب على
تعلمها جيوش الدول الكبرى.
كعادته كان زياد شفافا واضحا بل يبدو لمن لا يعرفه بانه غير مبال، لكن من تعرف اقله
على فنه يدرك انها المبالاة المنغمسة في ادق تفصيلات الحياة. زياد ليس فنانا وحسب،
وليس كاتبا فقط، ليس سياسياَ او فيلسوفا وكفى بل انه يجمع وبمهارة الحاذق المتواضع
هذه التخصصات والعلوم جميعاَ. انه من وصفه وزير الثقافة الفرنسي في يوم من الايام
بالعبقري. وهو نفسه الذي نصحه القائمون على مؤسسة اعلامية مرموقة بعد انتهائه من
تلاوة رثائه للشهداء العباقرة حسين مروة وكمال حمدان أواخر ثمانينات القرن الماضي
ان ما قاله تجاوز جميع الخطوط الحمراء ويشكل تهديدا لحياته، فغادر لبنان مكرها الى
حين.
بدأ زياد حديثه بالتوقف عند مقولة الشغل أي العمل وهي صفة أصبحت تجلب الدونية
والاستخفاف لصاحبها في البلدان العربية. فالمشاهد مثلاَ لأخبار البورصات العربية من
على شاشات الفضائيات، يلاحظ حال الشذوذ التي يعيشها المستثمرون العرب حيث لا ينقص
تلك البورصات الا اسرة وحريما للترويح عن المستثمرين وهم يتابعون أخبار أسهمهم
الموظفة في قطاعات اقتصادية استهلاكية هامشية. هنا يسجل لحزب الله الاختراق الاكبر
في جدار الانحطاط العربي؛ فلائحة انتصارات الحزب تخلو من هزيمة واحدة (نجحت قيادة
الحزب في قلب هزيمة الانتخابات البرلمانية الاخيرة الى نصر) هي عطاء عمل دؤوب
متراكم تتحد فيه جهود العاملين من جميع التخصصات والمراتب. وليس صدفة ان يرد السيد
حسن سبب تلك الانتصارات الى رجال الميدان الذين لا يعرف الناس كثيرين منهم الا بعد
استشهادهم.
بعباراته البسيطة نعت أو شبه زياد رجال المقاومة الذين تحقق نصر تموز على ايديهم
بأنهم - الله - وهو يعني ان قوة الله تجلت في هؤلاء الرجال. هنا التقى بل وتطابق
رأي زياد وممارسة السيد حسن الذي خاطب رجاله في ساحات الوغى في تموز من ذلك العام؛
قائلا: اقبل جباهكم، أقبل أقدامكم وأيديكم ...
توقف زياد امام خاصية الكتمان والتكتم التي هي بديل التبجح والافراط في اللغو الذي
يشكل العدو الاول للسذج والجهلة العرب الذين يستسهلون امتطاء السنتهم جاعلين انفسهم
واوطانهم مطايا طيعة للطامعين. السرية والكتمان صفة من صفات الايمان والمؤمنين،
اعاد حزب الله الاعتبار اليها ورد مكر الجواسيس والعملاء الى نحرهم ونحر أسيادهم.
جنود وضباط حزب الله ومناصريه في كل قرية وضيعة جنوبية لكن احدا لا يعرفهم وهم
يتحدثون مع كل الناس وعن كل شيء الا عملهم الاصلي وهذا امر حير قوات اليونفيل
والاسرائيليين وقبلهم الفرنسيين والامريكيين والمفاوضين الالمان.
لم يتردد زياد عن نقد الحزب، فطالب بوقف الحديث والتغني بنصر تموز، كون ذلك النصر
قد أرخ له في التاريخ العربي المعاصر وكونه حفر في الذاكرة الجماعية والفردية
العربية وتحولت الى كابوس يقض مضاجع جنرالات العدو وساسته. وكأن زياد يدعو
للاستعداد للحرب القادمة لا محالة، والتي لن تكون حرباَ عادية أو تقليدية؛ فهي حرب
فاصلة اما ان تكرس نصر العرب وهزيمة المشروع الصهيوني أو تعيد العرب الى قمقم
هزائمهم وبقائهم خارج معادلة التطور والحضارة. لم يتورع زياد عن نقد وانتقاد سياسة
الحزب الداخلية المتصلة بالتحالفات الانتخابية، فنصح قادته بعدم الانشغال كثيرا
بموضوع الحزب التقدمي الاشتراكي وتحدث عن استبعاد حزب الله لمرشحي الحزب الشيوعي في
الانتخابات النيابية.
تطابق تحليل زياد مع تصريح السيد حسن في حقيقة أن حزب الله اللبناني هو حصاد العمل
الثوري والجهادي المتراكم في لبنان والمنطقة خلال العقود الماضية. فبنى الحزب على
كل ما هو ايجابي وطوره، متنكراَ للصغائر وواضعا الاخطاء في حجمها ومكانها الطبيعي.
لفت زياد الى تسمية 'الامين العام' وهي تسمية تستخدم في الاحزاب الشيوعية، ليؤكد
على طريقته واسلوبه أن مشارب حزب الله الفكرية لم تأت بفعل قالب فكري. كيف لا وقد
تمتع الشيوعيون (الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي) اللبنانيون بنفوذهم وشعبيتهم
الواسعين في الجنوب اللبنابي لدرجة راج معها الاختلاط والالتباس في عقدي سبعينات
وثمانينات القرن الماضي بين تعبيري شيعي وشيوعي. كما يسجل ويشهد للشيوعيين
اللبنانيين رباطة جأشهم وثباتهم على مواقفهم ومقاومتهم للاحتلال الاسرائيلي ومحاربة
اعداء الداخل. وليس اتهام المخابرات الاسرائيلية باغتيال الامين العام للحزب
الشيوعي جورج حاوي قبل عدة سنوات الا شهادة تفقأ عيون فقهاء المناسف الجاثين عند
ابواب السلاطين ودهاليز الفضائيات.
يحق لزياد الرحباني أن يفتخر ويفاخر بانتمائه الفكري، فهو عبقري سليل عباقرة موقرين.
فالسيدة فيروز رفعت الفن الى مستوى القدسية، فصانت نفسها وفنها وصوتها يوم اصبح
الباعة المتجولون مطربين ينعقون رخيص الكلام في فضائيات الانحلال. هو من يعزف
مقطوعاته الموسيقية مساء للأغنياء والرأسماليين. وهو نفسه من يبشر بالاشتراكية
والعدالة بين الناس لينقشع نور الحقيقة. ارتضى لنفسه حياة القسوة والقلة، حياة
التقشف والعمل الدؤوب رافضا وبايمان الناسك المتعبد ان يجعل فنه وقلمه ولسانه مطية
لجهله لا يجيدون الا تبذير المال وجعل أبناء وطنهم أرقاء يساقون الى بورصات النخاسة
في البنوك الدولية.
لم يفت زياد ان يعرج على النظام الرأسمالي العالمي، الذي انفضحت عورات منظريه
وساسته الداعية لتهميش الدولة ودورها الاقتصادي، فاذا بهم يبتلعون نظرياتهم ويرتمون
في حضن الدولة اموال دافعي الضرائب هي خشبة خلاص لرأسماليين ونظامهم. جزمت الازمة
الاقتصادية العالمية الراهنة بصحة ما جاء به كارل ماركس قبل قرن ونيف حول الدور
الريادي للبروليتاريا (العمال الصناعيين) والصناعة بشكل عام. ففي معرض دفاعه عن
سخاء الدولة بمليارات الجنيهات الاسترلينية لصناعة السيارات في شركة جاكوار ولاند
روفر التي تعود ملكيتهما الى رأسمالي أجنبي، اكد رئيس حكومة المملكة المتحدة غوردن
براون أن مستقبل المملكة وتطورها اللاحق رهن بصناعة السيارات، حيث يؤمن كل عامل او
موظف فيها ما يقارب 15وظيفة للعاملين في القطاعات الاقتصادية الاخرى.
ربما لم يكن مردود اللقاء على الشاهد العربي وفيرا، كونه انحصر في الوضع الداخلي
اللبناني وكون زياد يتحدث في بعض الاحيان بلغة الرموز التي لا يفهمها الا من يعرف
تضاريس السياسة ودهاليز الطوائف اللبنانية وتعرجاتها. ففي هذه الدهاليز والاوكار
ينقلب الخائن الى وطني؛ والمقاوم الى (طايح أو فراري )، وتتلوى السنة وقلوب
المنتفعين بحسب بريق السلطة؛ فمن كان صوفيا خشنا فجرا ينقلب الى حريري ناعم عصرا.
يبقى ان نذكر رجال الدين المنشغلين بسروال الصحافية السودانية لبنى احمد حسين ودور
ومكانة الحزب الشيوعي السوداني أن الاسلام أكثر رحابة وأكثر تسامحا وأكثر سعة، وان
الانغلاق والتعصب هما العدو الاول والاكثر خطورة على المسلمين. فالاسلام ليس سبحة،
رداء طويل وحذاء نايكي وهو ليس لحية شعثاء ولا حبة زيتون يدمغ بها الجبين لتضليل
العامة. ألم يتباهى احد كبار موظفي الادارة الامريكية قبل عد سنوات أن المخابرات
السوادنية كانت عين واذن مخابراتهم في القارة الافريقية؟
كاتب فلسطيني -
بريطانيا