فنجان قهوة

 
خارج التقليد

 صالح الخريبي


هو محمود زين العابدين، واحذروا التقليد.



ومحمود صحافي محترف يقفز فوق الأخبار بسرعة النسر، هو من لواء الاسكندرون، وفي الزمن السليب المستباح كان هو الوطن الذي هجره مواطنوه، والأرض الصلبة التي يقفون فوقها، وكان من مجموعة النبلاء في مهنتنا العقوقة. ولم يكن اليأس يتسرب إلى نفسه عندما كنت أقول له “كم أنت ساذج عندما تحلم بتغيير العالم”، فقد كان شديد الثقة بأمته، إلى أن أدركه الموت، وأدركتني الفاجعة.



وأذكر أن أول درس حقيقي في الصحافة تعلمته منه. فقد كان مسؤولاً عن صفحة المقالات في الجريدة التي أعمل بها في بداية السبعينات، وذات يوم، أرسل لي أحد الأصدقاء مقالاً للنشر، فحولته إلى محمود، فقرأه وعلق عليه بقلمه “مقال تافه” ثم أعاده إلي. وذهبت إليه في مكتبه والمقال بين يدي، وقلت له “يبدو أنه لا يعجبك إلا المقالات التي تكتبها أنت، وكل مقال عداها تافه” فابتسم، وقال لي “حسناً، المقال معك، اجلس، واحذف منه ما يطلق عليه “العكاكيز اللفظية” مثل: “والواضح” و”الثابت” و”مما لا شك فيه” و”غني عن البيان” وغير ذلك من عكاكيز لا تعني شيئاً”، ففعلت، وهممت بإعادة المقال إليه، ولكنه طلب مني أيضاً حذف المبالغات والصفات، من نوع “المجيدة” و”العريقة” وغيرها من الصفات التي اعتدنا إدراجها في مقالاتنا لوصف الأمة العربية، وعبارات من نوع “شذاذ الآفاق” التي نستعملها لوصف “إسرائيل”، فحذفتها، وكانت كثيرة في المقال، ثم طلب مني أن أحذف الاستطرادات التي لا تقدم أو تؤخر في المعنى وإنما توهم القارىء أن الكاتب غزير المعرفة، ففعلت، وسألني بعد ذلك: “ماذا تبقى من المقال؟” فقلت له “45 إن و23 ولكن و17 ما و22 لعل و.. و..” فقال لي ساخراً “هل تريدني أن أنشر مقالاً كل ما فيه هو إن ولكن وما ولعل”. وانسحبت، وأنا أداري خجلي”.



والدروس التي تعلمتها من محمود زين العابدين كثيرة، وأذكر أن مدير إحدى وكالات الأنباء الهندية زارنا في الجريدة عارضاً التعامل مع الوكالة التي يديرها، فسأله محمود سؤالاً واحداً طرحه بشكل بريء هو “كيف غطيتم خبر اغتيال أنديرا غاندي؟” فقال له مدير الوكالة “لقد خصصنا خمسة صحافيين لمتابعة الحدث وذيوله”، وفي نهاية المقابلة اعتذر محمود عن عدم التعاون، ولما سألته عن السبب قال لي “لا شك أنك قرأت ما فعلت “النيوزويك” في تغطية حادث اغتيال جون كينيدي، هل تذكر ما فعلت؟”. وقلت “لقد خصصت 600 صحافي لتغطية الحدث، وفي كل لحظة من لحظات الليل أو النهار كان هنالك واحد منهم يتابع التطورات في مكتب التحقيقات الفيدرالية، وآخر يتابعها مع أسرة كينيدي، وثالث مع أسرة لي هارفي أوزوالد الذي اغتاله، وحشد كبير من المراسلين في كل دائرة حكومية أو مؤسسة أهلية لها علاقة بالجريمة”، فأجابني ببرود “هل تظن أن اغتيال انديرا غاندي بالنسبة للهنود، أقل أهمية من اغتيال كينيدي بالنسبة للأمريكيين؟” وصمت.. ولم أجب.



ومحمود كان يرتدي اللحظة، ويلهث وراء النص السليم الخالي من الشوائب المهنية، وقد ظل يلهث حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.



abukhaldoun@maktoob.com

alkhaleej

  28/09/2009