التجربة الحربية الفلسطينية والرواية
السيد نجم
18/09/2009
نشرت الباحثة الكويتية"سحر الهنيدى" رسالة الدكتوراه التي حصلت عليها حول موضوع "الانتداب
البريطاني لفلسطين"من إحدى الجامعات البريطانية. وقد أشارت إلى شخصية "هربرت صمويل"
أول منتدب سام على فلسطين, أنه كان عضوا قياديا في النخبة اليهودية البريطانية,
ومؤمن بفكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
بعد عام واحد من الانتداب وقف أحد اللوردات في مجلس اللوردات, أعلن أن وعد بلفور
مشحون بالديناميت, ووصف الظلم الذي يتعرض له عرب فلسطين بأنه "ظلم لا سابقة له في
التاريخ".. إلا أن المخطط بدأ ولم ينته, وبعد عام من تولى "صمويل" ثار عرب إحدى
المناطق الجبلية بفلسطين (في 25يونيو1921), فذهب إليهم المندوب السام في حراسة
السيارات المسلحة, ليستقبله عرب المنطقة رافعين الأحذية القديمة على عصى مرددين
الهتافات المعادية له ولليهود.
كما نشر مؤخرا أن أحد المصورين الصحفيين الأجانب اختفى في ظروف غامضة. ربما يعتبر
الخبر عاديا لولا أن ذاك الصحفي هو الذي ارتكب الخطأ التاريخي والتقط الصورة
الشهيرة, والتي باتت رمزا للانتفاضة الفلسطينية.. صورة ذلك الصبي النحيف القصير (من
ظهره) ثابتا على الأرض, رافعا يده اليمنى إلى أعلى رافعا الحجر في مواجهة الدبابة
المتقدمة نحوه.
يبدو أنه منذ ذاك اليوم البعيد, عام 1921م لم تسقط الأحذية القديمة, وان استبدلت
بحجر.. وبدلا من الرجال والشباب, تولى المهمة الصبية والأطفال!
ومع ذلك يقول "د.محمد عبدالله الجعيدى" في تقدمته للببليوجرافي الهام عن الأدب
الفلسطيني: "وللتدليل على الإهمال الذي لاقاه الأدب الفلسطيني, لأسباب غير موضوعية,
تكفى الإشارة إلى أنه حتى عام 1967م, لم يعرف على صعيد البحث الجامعى غير أطروحتين
جامعيتين. الأولى بعنوان:"حياة الأدب الفلسطيني الحديث من النهضة حتى النكبة"
للباحث "عبد الرحمن ياغى (عن جامعة القاهرة). والثانية بعنوان: "موقف الشعر العربي
الحديث عن محنة فلسطين من2-11-1917الى 31-12-1955للباحث "كامل السوافيرى" (عن جامعة
القاهرة)."ص10
مع ذلك فقد لاقت القضية الفلسطينية وأدبها ما تستحقه, ولا شك أصبحت هي القضية
المركزية لكل القضايا السياسية في المنطقة, وربما هي الأصل ولولاها ما كان كل ما
جرى ويجرى حتى اليوم في المنطقة.
لقد أطلقت التجربة الحربية عام 1967م بكل أبعادها العسكرية والسياسية.. الشعلة (على
الرغم من كل شئ), ولعلها نبهت من نالت منه الغفلة. وبدأ الأدب الفلسطيني يلقى
الاهتمام المستحق منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.
في البدء سعى العالم إلى أدباء الأرض المحتلة للتعرف على آدابهم, أليس الأدب هو
المرآة وبحق, ثم فتحت الجامعات العربية والأجنبية أبوابها لمزيد من الدرس.
أول مطبعة دخلت فلسطين عام1830م بمعرفة الإرساليات الأجنبية, وأول مطبعة وطنية
أحضرها "باسيلا الجدع" إلى حيفا عام1908م..وظهرت بعض المطبوعات الأدبية وشبه
الأدبية..فكانت أول مجلة قصصية شهرية على يد "بندلى بياس مشحور" عام1924م, وتعدد
المجلات التقليدية والثقافية. وطبعت الكتب وخصوصا كتب الشعر, حتى أن مؤسسة ثقافية
مثل "لجنة الثقافة العربية " بالقدس ..نظمت أول معرض للكتاب الفلسطيني عام1946م .
فلما كانت نكبة 1948م, فقدت أغلب المنجز المطبوع ضمن ما فقدته الثقافة المحفوظة بين
دفتي الكتب, بعد أن فقد الفلسطيني الأرض والبيت, ماذا عساه أن يحمل معه إلى الخيمة..
وهو ما عبر عنه الكاتب "عيسى الناعورى" في كتابه "أدب المهجر".. سواء بالنسبة له
شخصيا أو لغيره من الأدباء الفلسطينيين في تلك الفترة.. لا أحد يحمل كتابا.
ومع ذلك فقد بدأت بعض المطابع والمؤسسات الثقافية في تبنى الأدب الفلسطيني (بعد
النكبة), إلا أنه لم يكن بالقدر الوافر والواجب الملائم للقضية وضرورة التعبير عنها,
بسبب القهر السياسي والوضع الجديد الذي أصبحت عليه البلاد.
ربما التقسيم المناسب للأدب الفلسطيني (خصوصا للرواية), يلائم القسمة حسب "التجربة
الحربية" التي عاشها الشعب الفلسطيني.
المرحلة الأولى.. الفترة التي تبدأ مع بدايات القرن العشرين وحتى عام النكبة
(1948م).
المرحلة الثانية.. الفترة من 1948 حتى 1967م.
المرحلة الثالثة.. الفترة من 1967 حتى بداية الانتفاضة الأولى 1987م.
المرحلة الرابعة.. تلك الفترة التي عبرت عن انتفاضة الحجارة, وانتفاضة القدس .....
.. توجد دراسات سابقة(موضحة بعد) تتضمن فن الرواية الفلسطينية.. إجمالا فان المرحلة
الأولى وقد شهدت ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الإحيائي الذي ينتمي إلى ملامح الأدب
العربي عموما والانتماء إليه, وبرز جليا في الشعر وليس في الرواية- أما الاتجاه
الثاني فهو الاتجاه الرومانسي, وربما هروبا من الواقع القاس المعاش ورفضا له, لكن
دون أن ينسى أصحابه الوطن, فكانت الروايات: "صراخ في ليل طويل/جبرا إبراهيم جبرا"-
"وحدي مع الأيام/عبد الحميد ياسين"- "عابرو السبيل/ نجوى قعوار فرح" .
أما الاتجاه الثالث, وقد تبلورت الأحداث وأنتجت أفكارها وأناسها, فكان الاتجاه
الواقعي النقدي. لقد اشتعلت الثورة هنا وهناك, واستشهد الأدباء قبل غيرهم. (يرصد
هنا أن أول قصيدة كتبت على الأوزان الحرة في فلسطين كتبها "محمد إسعاف النشاشى" في
أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي وكانت مرثية في الشاعر "أحمد شوقي", كما شهدت
تلك الفترة أول قصيدة نثرية للشاعر"حسن البحيري" بعنوان "أحلام البحيرة"..حيث كانت
فترة فوران وتمرد على الواقع المعاش هناك والأحداث الدموية بداية من "ثورة البراق",
ثم الثلاثاء الحمراء حيث اعدم الشيخ فرحان السعدي, واستشهاد الشيخ عز الدين القسام,
كما أجهض الإضراب العام بكل شراسة وقسوة المستعمر)
كما أن تلك المرحلة السابقة على عام48, ومع اقتراب التاريخ المشئوم, بدت إرهاصات
التوجس من "النكبة", وقد عبر عنها الشعراء أسرع وأوضح من الروائيين. وهذه الروايات
هي : "البطلة/خليل بيدس", "الظمأ/ محمود سيف الدين الإيراني", "أي السبيلين/نجوى
قعوار" ,و"فلسطين نستغيث/ عيسى العيسى", ثم "مذكرات دجاجة/ اسحق موسى الحسيني"..
وتعد الأخيرة هي أول رواية فنية وذات تقنية تتجاوز ما سبقها في كل إنتاج الرواية
الفلسطينية وقد نشرت عام 1943م.
أما المرحلة التالية – حتى 67- فقدت شهدت ميلاد الإذاعة الفلسطينية عام 1964م لأول
مرة, وكانت البرامج الأدبية التي تعنى بأدب الوطن, ثم كان كتاب "أدب المقاومة"
لغسان كنفاني الذي وضع المصطلح على طاولة البحث وفى ذمة التاريخ لأول مرة, حيث عرض
لفكرة "المقاومة" في الأدب الفلسطيني, وقد نشر عام 67 ثم مزيد ومنقح في طبعة تالية
في 1968م.. (كما صدر كتاب لا يقل أهمية في الشعر الفلسطيني بعنوان "ديوان الوطن
المحتل" عام 1968م/ يوسف الخطيب).
صحيح أن الخبرة المضافة مع التجربة المعاشة ليس بالضرورة تثمر فورا أدبا معبرا
وجيدا, خصوصا في فن الرواية. إلا أنه يمكن الإشارة هنا إلى تلك المرحلة تحديدا كانت
للشعر ومنجزاته التي عبر عن نفسها على مستوى العالم العربي, والعالم الخارجي, بعد
67, فكان الشعراء الذين أضافوا إلى إنتاجهم إنتاجا أكثر توهجا, وشعراء ولدوا مع
النكبة أو قبلها , من الأسماء الواجب الإشارة إليها:( إبراهيم طوقان- فدوى طوقان-
عبد الرحمن محمود- توفيق زياد-مؤيد إبراهيم- توفيق زياد- محمود درويش- سميح القاسم-
سالم جبران..)
أما الرواية فقد صدر منها: "صراخ في ليل طويل/ جبرا إبراهيم جبرا", "فداء فلسطين/
رجب توفيق", "المجموعة 778/ توفيق قناص" وغيرها. لم تكن الرواية بثقل وقيمة الشعر
فنيا خلال تلك المرحلة.
ومع كل ما كان في 67 خرج الفلسطيني إلى معنى الثورة, تتأجج ويعلو النشيد حتى عبرت
عن نفسها في انتفاضة 1987م (بعد أن صمتت البنادق في 1965 لظروف سياسة دولية وغيرها).
لعل أوضح ملامح تلك الفترة (التالية ل67) أن كثرت الدراسات العربية وغيرها حول
الأدب الفلسطيني, وبالذات الجانب المقاومى فيه.. مثل دراسة"محمود درويش شاعر الأرض
المحتلة/ رجاء النقاش- القاهرة1969م" و"الحركة الشعرية في الأرض المحتلة/ صالح
أبواصبع- بيروت 1979".
ويمكن الإشارة إلى أهم الدراسات عموما في الرواية الفلسطينية تحديدا..(عدد خاص
لمجلة الآداب البيروتية /عدد مارس1964م- "في القصة والرواية الفلسطينية"/إبراهيم
خليل- جهد خاص لإبراهيم السعافين والأقرب إلى الهدف المنشود في "الرواية في فلسطين
في عهد الانتداب" و"نشِأت الرواية والمسرحية في فلسطين حتى 1948" و"الرواية في
الأردن"- "الأدب والمعركة"/جهد توثيقي"- "الرواية في الأدب الفلسطيني(1950-1957)
و"الرواية والحرب"/ بقلم أحمد عطية أبو مطر"- عدد خاص من مجلة أقلام العراقية في
فبراير 1975"- "الاغتراب في الرواية الفلسطينية/بسام خليل فرنجية"- الأدب الفلسطيني
المعاصر في المعركة/ثريا عبد الفتاح ملحس 1970"- "زمن الاحتلال: قراءة في أدب الأرض
المحتلة/خليل سلامة السواحرى"- "مراجعات ومتابعات في الرواية والقصة الفلسطينية/شمس
الدين موسى"- "في الأدب الفلسطيني الحديث قبل النكبة وبعدها/ عبد الرحمن ياغى"-"أدب
المقاومة في فلسطين المحتلة 1948-1966/ غسان كنفاني (ويجدر الإشارة إلى أهمية هذا
الكتاب, حيث يعد إشارة هامة لميلاد أدب المقاومة كاصطلاح وكحقيقة– دار الآداب
ببيروت1966)– "الرواية في الأردن/ فخري صالح"- "نماذج المرأة البطل في الرواية
الفلسطينية/ فيحاء عبدا لهادى"- "أدب الانتفاضة الفلسطينية في الأرض المحتلة, أدب
الحجارة- العدد الثالث والعشرين 1989/ مجلة الكاتب العربي"– "أدب المرأة الفلسطينية/كمال
فحماوى"- "الشخصية في الرواية الفلسطينية المعاصرة/محمد أيوب"– "نقد الذات في
الرواية الفلسطينية/ مصطفى عبد الغنى"- "في الرواية الفلسطينية/ نبيه القاسم"- "الأرض
والثورة قراءات في الرواية الفلسطينية/وليد أبوبكر").
بالإضافة إلى ما سبق توجد العديد من الدراسات المفردة حول رواية أو مجموعة روايات
أو حول كاتب بعينة, بالذات "غسان كنفاني" الذي يحتل الصدارة في تلك الدراسات بين
مجمل روائي فلسطين.
والآن يمكن الإشارة إلى عدد غير قليل من الأسماء الروائية الفلسطينية, وقد احتلت
موقعها الإبداعي عن أعمال عالية القيمة الفنية: جبرا إبراهيم جبرا– غسان كنفاني–
رشاد أبوشاور- يحيى يخلف– غالب هلسا- نبيل خوري– سحر خليفة– ليانة بدر.. وغيرهم.
كما أشار محمود قاسم " في كتابه "الأدب العربي المكتوب بالفرنسية" عن "إبراهيم
الصوص" الدبلوماسي الفلسطيني الذي شاء أن يخاطب الفرنسيين بلغتهم وطريقة تفكيرهم,
فكانت روايته "بعيدا عن القدس", تلك الروية التي يمكن أن تصنف برواية تجربة التهجير
أو الطرد.. تلك التي ترتبط بالحروب. وقد عرض الروائي لتجربة طرد أسرة من بيتها في
القدس حيث التشرد عام 1935م. أما وقد أحب أحد الشباب العربي "نبيل" الفتاة اليهودية
الجارة "جابريللا", ثم تزوجا.. وتمضى الحياة على الرغم من التناقض بين الزوجين بسبب
الحب. وأرى في تلك الرواية خصوصية الكتابة بلغة غير العربية, وفى خصوصية التجربة.
وقفة مع "الانتفاضة":
تعتبر الانتفاضة الفلسطينية في زمانها ومكانها تعبيرا لا يخص أصحابها وحدهم, ولا
سكان المناطق المجاورة. باتت "الانتفاضة" تعبيرا صارخا عن أزمة التطور الحضاري
عموما/ وفى الوطن العربي خصوصا. كما تعنى بكونها الصورة الواقعية للتخلف التقني
والعلمي في الأمة العربية!
حتى القرن الماضي(القرن العشرين).. كانت الحرب تفرض الخراب والدمار للشعوب المغلوبة
على أمرها والمنهزمة.. وغالبا ما تستتبع الحروب بشكل من الاستغلال الاقتصادي
للبلدان المنهزمة, مع قدر بارز من النفوذ السياسي للدول المنتصرة.. إلا أنه تلاحظ
ظهور ملامح جديدة في العقد الأخير من القرن الماضي , تمثل ذلك في ظاهرة "العولمة"
وفرض "النظام العالمي الجديد".(يقدر القتلى في حروب القرن الماضي ب175 مليونا من
البشر).
وجاء القرن الجديد بمعطيات جديدة في مجال الحرب/ التقنيات العلمية المبتكرة. أما عن
الوسيلة المستخدمة في الحروب.. فقد كانت مع بدء البشرية: الرمح, الفأس, السهم,
المنجنيق.. الخ, وهى تعتمد أساسا على القوة العضلية. بينما في الحرب الحديثة التي
يؤرخ لها بحرب الخليج الثانية, وحرب كوسوفو, وحرب أفغانستان ففرد واحد هو الجالس
أمام الزر يستطيع أن يدمر ويقتل أضعاف ما فعلته كل حروب العالم السابقة. وسيلته
تقنية علمية جديدة وليس في حاجة إلى القوة العضلية أو حتى إلى أعداد كبيرة من البشر.
بالنظر إلى أسباب الحروب, بدأت الحروب القديمة بسبب الصراع بين القوميات أو
الأيديولوجيات. فيما يقول مفكرو الغرب "صموائيل هانتجنتجون" أن سبب الحروب الآن هو
صراع الحضارات أو الثقافات!
والسؤال الآن: هل يمكن أن يتحول "الصراع" الآن إلى "حوار" بين الأطراف أو البلدان
أو الأمم غير المتكافئة حضاريا وعلميا, أو بين المتخلفة والمتقدمة تكنولوجيا؟ وكيف
أصبحت "الانتفاضة تعبيرا عن الأزمة؟
في إشارة سريعة لصورة التقدم التقني الحربي الآن, تبرز عدة حقائق: أثبتت حرب الخليج
أن 30ثلاثون جرام من "السيلينيوم" (المستخدم في تقنية الحاسوب) يفوق طنا من "اليورانيوم"
(المستخدم في القنابل الذرية والنووية).. فقد أستخدم 3000ثلاثة آلاف جهاز حاسوب على
أرض معركة الخليج, فضلا عن آلفين آخرين ضخمة وذات إمكانيات فائقة على أرض الولايات
المتحدة الأمريكية وإلى جانب التغطية المعلوماتية لقمرين صناعيين بنظام "أواكس وجي
ستارس.
وهو ما جعل مذيع محطة س.إن.إن. يصف الضربة الأولى على العراق من خلال الشاشات
التليفزيونية قائلا: "إننا أمام فيلم سينمائي أو حفل العاب نارية مسلية!".
قد تبدو الصورة أوضح إذا ما قارنا بين التقنيات على مدار الزمن (الحديث). يقال أن
الأسطول البريطاني عام 1881م ضرب مدينة الإسكندرية بحوالي 3000ثلاثة آلاف قذيفة,
كانت القذائف المؤثرة منها 10%. وفى الحرب الفيتنامية احتاج تدمير جسر "تان هوا"
الفيتنامي إلى 800ثمانمائة طلعة طيران, وفقدت عشر طائرات .
في المقابل احتاجت الطائرة الأمريكية "اف4" ذات الرأس الذكية إلى طلعة واحدة لتدمير
الهدف.. فيما حققت الطائرة "اف117" الإنجاز نفسه باستخدام قذيفة واحدة.. (بينما
كانت الطائرة "بى17" أثناء الحرب العالمية الثانية تحقق الهدف نفسه بعد 4500 طلعة)
و(وفى الحرب الفيتنامية تحقق الهدف بعد 95طلعة واستخدام 190 قذيفة).
وقد يبرر ذلك ويقرب الصورة إلى المطلع, أن الولايات المتحدة بعد حرب الخليج وفى عام
1993م اشترت 30,000ثلاثون آلفا من أجهزة الحاسوب(وهناك اتجاه بتسليم كل جندي أمريكي
جهازا, حتى قالوا أن عدد الحاسوب سيفوق عدد البنادق في الجيش الأمريكي).
وقد ظهرت النتائج في حربي "كوسوفو" و"أفغانستان" التي يقدر عدد القتلى الجنود
الأمريكية فيها بالاشىء يذكر!, وان أضافت المصادر العلمية أنه في الحرب الأفغانية
استخدمت تقنية الصاروخ ذي الرأس الذكية القادر على البحث عن بوابات ومداخل الكهوف
والمواقع, وربما إلى مكاتب القادة تحت الأرض أو فوقها. (ولا يمكن تجاهل تقنيات
الحرب الصامتة التي تعتمد على تعطيل الأجهزة الإلكترونية والمعدات التقنية عند
الطرف الآخر إن وجدت).
خلاصة صورة الصراع: أننا نعيش في عالم فقد فكرة المساواة. فقد كانت 10%من سكان
العالم تستغل 90%من موارد العالم حتى قبل عام 1960م. أصبحت النسبة أن الأولى أغنى
من الثانية عام 1960 30مرة, وأصبحت 150 مرة خلال التسعينيات, ثم 190مرة مع بداية
القرن21.. ويتوقع أن تصبح 230مرة في 2010م.
والآن ماذا عن صراع"الانتفاضة"؟
تعتمد الانتفاضة على ظاهرة جديدة لم تبشر بها معطيات التقنيات الحديثة كوسيلة
للصراع, ألا وهما الحجر والاستشهاد أو التفجير الذاتي للفرد المقاتل. هذا في جانب "الوسيلة"
أما في جانب الأسباب فلم تعد الصراعات القومية والأيديولوجية أو الحضارية هي بؤرة
التفجير حسب التفسيرات المختلفة للحروب والصراعات السابقة وحتى العقد الأخير من
القرن الماضي، بل تعد الانتفاضة حالة خاصة يلزم تأملها والبحث في جذورها المتشابكة
بين الصراع من أجل الأرض وضد الطرد والتهجير بل والإبادة.. والصراع من أجل الهوية
والذات التراثية المعاصرة.. والصراع ذا الطابع الديني والأنثروبولوجي.. والصراع
السياسي والاقتصادي والاجتماعي من أجل حياة أفضل, وربما من أجل "الحياة" ذاتها!
يبدو أنه يجب علينا أولا ثم على الآخر.. أن يتفهم الجميع خصوصية الانتفاضة, وألا
تغرينا تحليلات ومقولات الأبواق الأخرى أيا ما تكون, وعلى الآخر أن يسمعنا مهما
كانت توصيفاته ومعطياته.
كما أن معطيات الفكر الغربي (في هذا الإطار) وفكرنا في إطار فهمنا للبعد الحقيقي
للصراع المعبر عنه الانتفاضة, يجب أن يكون في إطار حقائق ثلاث رسخت في فكر دارسي "الحروب/
الصراعات" عموما الآن وهى: إن معالجة العنف بالعنف, لا يحل المشاكل والصراعات التي
قد تؤدى إلى الحروب ولابد من الرجوع إلى درس البشرية الناصع بعد الحرب العالمية
الثانية, ألا وهو الرجوع إلى "الشرعية الدولية".. الحقيقة التالية والتي يجب أن
ننتبه نحن العرب إليها قبل الآخر, هي أن "السلام" يعتمد الآن على المعرفة بكل
أشكالها (العلمية/ الإنسانية), خصوصا بعد الثورة الرقمية الهائلة التي نعيشها
الآن(ثورة الديجيتال).. ثم تأتى التنمية الشاملة للبلدان والتي ما عادت تنفصل عن
جوهر الصراعات والحروب.
وهو ما يجعل "الانتفاضة" على خصوصيتها هي قضية العرب من مشرقة إلى مغربه.. فلا
انتصار حقيقي إلا من خلال تفعيل مفاهيم ثلاثة:الشرعية الدولة (مع الاقتناع بظواهر
الأزمة التي نعيشها مع المصطلح الآن), إعمال وتكثيف المعرفة (وخصوصا المعرفة
الجديدة والعلمية, مع قناعة وعورة طريقها وقدر تكلفتها), والعمل على تحقيق التنمية
الشاملة وفى كل المجالات (تلك التي تقاس بقدر استيعاب مستجدات القيم والمفاهيم
والتقنيات الجديدة).
ولا يبقى إلا إبراز دور المبدع (الكاتب والفنان) لرصد تلك الثورة الجديدة
"الانتفاضة" حفاظا على جوهر هويتنا المقاومة ضد القهر والظلم.
الحضور الأدبي في الانتفاضة:
لعل الشعر كما هو حال الشعر دوما سباقا في كل المواقف الحياتية الخاصة/ العامة, وهو
حال الشعر مع الانتفاضة الفلسطينية.
كما كانت القصة القصيرة عنصرا مشاركا وإيجابيا, مع قلة عددها نسبيا مقارنة بالقصائد
الشعرية.
وان كانت الرواية من أرسخ الأشكال التعبيرية الأدبية في تنوع مواقفها ومساحتها
الزمانية والمكانية, وبالتالي تتيح مجالا كبيرا للتعبير عن الأحداث الكبرى في حياة
الأفراد والشعوب.. إلا أنها أيضا أقل الجناس الأدبية كما في الإنتاج لخصوصية
الرواية التقنية, واحتياج الروائي إلى البعد الزمني اللازم لتعمق الفكرة والبحث عن
أغوارها, ولأهمية توافر الرؤية البانورامية لتلك الأحداث الهامة .
وهو ما لم يتوفر في الانتفاضة. ومع ذلك كانت هناك بعض اليوميات أو السير الذاتية
التي تفاعلت بين الذات الأدبية والانتفاضة, ومنها "يوميات الاجتياح والصمود- تفاصيل
المأساة لحظة بلحظة" وهى اليوميات التي كتبها الكاتب الفلسطيني "يحيى يخلف".
وفى إشارة سريعة لبعض القصص القصيرة المعبرة عن الانتفاضة, هناك بعض الأفكار التي
حرص الكاتب الفلسطيني على رصدها والتعبير عنها, وهى:
:قسوة العدو الإسرائيلي في مواجهة الانتفاضة.. وهو ما عبر عنه "محمد نفاع" في قصة
"الجنرال".. ذاك القائد العسكري الذي أمر بجمع الأطفال لقتلهم أمام أعين أمهاتهم.
: دور المرأة في الانتفاضة.. وهو من إيجابيات الانتفاضة أن جعلت من دور المرأة في
الحياة متكاملا, وغير مقتصر على الدور التقليدي للمرأة بل شاركت في الكفاح. ففي قصة
"صباح بعد انحسار الغطاء" للكاتب "سعيد نفاع". تظل المرأة تعانى الآم المخاض, بينما
زوجها في المعتقل الإسرائيلي, تسترجع ذكرياته معها, وتفرح عندما تلد, وكأن حضور
زوجها (المتصور) وقد حضر مع لحظات الولادة, حقيقة واحدة .
: دور القيم الروحية في تزكية الانتفاضة.. وهو ما عبر عنه القاص "فياض فياض" في قصة
"طز.. قيد له", فيكون نداء "الله أكبر" داخل المسجد محفزا لمواصلة الانتفاضة, وقد
أشار إلى محاولة اليهود سرقة المقدسات الإسلامية في القدس.
: إبراز الجانب الإنساني للإنسان الفلسطيني على الرغم من كل الوحشية التي يتعرض
لها.. وهو ما برز في قصة "الحاجز" للقاص "نبيل عودة" حيث يستوقف الجنود
الإسرائيليين أحد الأطباء الفلسطينيين لعلاج مصابا إسرائيليا, وبعد تردد يوافق
الطبيب.
: وهناك بعض القصص التي انشغلت بنقد الموقف العربي, مثل أحداث الحرب الإيرانية/
العراقية, وكذلك أحداث غزو الكويت.. وهو ما أثر بدرجة ما على ما يجرى على الأرض
الفلسطينية. وضح ذلك في قصص: "دماء/ محمود سعيد", و"الجندي الآخر/عبد الستار
خليفة".
قليلة هي الرواية المعبرة عن تجربة "الانتفاضة" (نسبيا). وقد أشار اليها "د.مصطفى
عبد الغنى" في كتابه "الاتجاه القومي في الرواية" يقول:" ويلاحظ في ذلك كله أن
الروائي لم يصنع بطلا واحدا- على كثرة الأبطال الأسطوريين وغلبة أدوارهم –وانما
تحولت الانتفاضة- في حد ذاتها- إلى حالة (أسطورية) غير عادية, تنسج خيوطها هذه
الحركة اليومية المستمرة من نضال آلاف الكوادر والمقاتلين في الأرض المحتلة, أو
داخل المعتقلات الإسرائيلية غير الإنسانية, وحالة الحصار التي تفرض على المخيمات
بشكل مستمر لإرغامهم على التسليم, أو استخدام الأسلحة المحرمة دوليا, وما أكثرها,
للنيل من الأطفال والنساء والشباب الفلسطيني, أو –حتى- بمواجهة أولئك المتعاونين مع
القوى الصهيونية ضد حركة المقاومة واستمرارها" ص340
من تلك الروايات: "الحواف/ عزت الغزاوى ", "زغاريد الانتفاضة/ محمد وتد", "الجراد
يحب البطيخ/راضى شحاته", "العربة والليل/ عبدالله تائه"..
وقد اعتمدت محاور تلك الروايات على عنصرين أساسين:
: تصوير وقائع نضالية/مقاومة.. حيث كتب الروائي "محمد نصار" رواية "نزيف القلب"
راصدها مجزرة "مخيم جباليا" ضمن أحداث الانتفاضة حيث استشهد ثمانية عشر فلسطينيا.
صور الروائي الكثير من صور الاضطهاد والقسوة في معاملة الأسرى والمعتقلين وذويهم.
تتبع الروائي أحد الأسرى الذي أشفق على زوجته وطلب منها الموافقة على تطليقها. رفضت
الزوجة, لكنه طلقها, لتتزوج ابن عمها وتصاب بمرض تفقد بعده الذاكرة. أما وقد خرج
الأسير من المعتقل, لم يعثر على أسرته, حتى وجد زوجته المريضة تسير في إحدى
المظاهرات وتصرخ للإفراج عن زوجها الذي لم تعرفه.
: تصوير الحياة اليومية في ظل الاحتلال.. كتب الروائي "عبدالله تايه" رواية "العربة
والليل" التي تتضمن تفاصيل أحوال سكان المخيم تحت ظل أوامر حظر التجول المستمرة
والممتدة والتي تصل لعدة أيام. فيقل من يخرج للعلاج أو لشراء طعاما لأطفاله, أو حتى
للعثور على جرعة ماء.
إجمالا يمكن القول بأن الخطاب الأدبي خلال الانتفاضة تحريضيا ومتفائلا, والشخصيات
إيجابية.. وربما قصة "اسحب تربح" للقاص "صبحي حمدان" تبرز هذا الجانب بقدر من
البساطة حينما تعامل مع بائع الترمس الذي يسعى للانتهاء من البيع سريعا حتى يتفرغ
للمشاركة في أعمال الانتفاضة الجارية في شمال المدينة!
لم يعد الكاتب الفلسطيني حريصا على تلك البكائيات التي شاعت في شعره وقصصه منذ
1948م.. حتى أن الدارسين استسهلوا استحضار موضوع "سقوط الأندلس" في الشعر الفلسطيني
قبل الانتفاضة, وتعددت الدراسات حول نفس الموضوع. وهو بالحقيقة التي تعامل بها
الأديب الفلسطيني مع موضع الأندلس حتى أن استحضار رموز الأندلس المكانية/ الأدبية
/بل والقيادات الحاكمة مع استحضار الوقائع الأندلسية الشائعة.. كان من الظواهر
الفنية في الأدب الفلسطيني قبل الانتفاضة.. ونرجو ألا تعود!
Ab_negm@yahoo.com