النزعة الانفصالية على النمط الإيطالي
08/09/2009
من الثابت تاريخياً أن العديد من الحركات الانفصالية في أوروبا لجأت إلى أشكال
متنوعة من أعمال العنف الإرهابية منذ النصف الثاني من القرن العشرين. وبداية من
الستينات فصاعداً أصبح الموت وتفجير القنابل من الأحداث اليومية المعتادة في مناطق
مثل أيرلندا الشمالية، وكورسيكا (فرنسا)، وجنوب تيرول (إيطاليا)، وإقليم الباسك (إسبانيا).
والآن يعود شبح الانفصالية العنيفة ليطل برأسه من جديد في إسبانيا. فقد أنهت منظمة
الباسك الإرهابية (ETA) هدنتها مع الحكومة الإسبانية، وفي مناسبة الاحتفال بالذكرى
السنوية الخمسين لتأسيسها، زرعت القنابل في مدينة بورجوس وعلى جزيرة مايوركا. ومن
حسن الحظ أن العقل أصبح الأسلوب السائد في أيامنا هذه في أماكن أخرى من أوروبا،
وبات اللجوء إلى العنف في انحسار.
ولكن هذا لا يعني أن النزعة الانفصالية اختفت من أوروبا. فإيطاليا على سبيل المثال
أصبحت تعيش في ظل تهديد متواصل تفرضه النزعة الانفصالية الثقافية والاقتصادية، وإن
كان ذلك بطريقة سلمية. والآن يعكف حزب رابطة الشمال، حليف سيلفيو بيرلسكوني في
الحكومة، على استحضار المخططات لإحراج الحكومة الوطنية بإطلاق التهديدات لمفهوم
الوحدة الوطنية.
إن حزب رابطة الشمال، تحت زعامة أمبرتو بوسي الذي يتمتع بشخصية كاريزمية، يحمل
الأصوات الحاسمة في البرلمان والكافية لإبقاء حكومة بيرلسكوني على رأس السلطة
بالكاد. ويستغل الحزب هذه القوة لابتزاز الحكومة وإرغامها على اتخاذ تدابير تنطوي
على تمييز وتفرقة بين المواطنين في شمال إيطاليا وجنوبها.
إن أنصار رابطة الشمال، مثل عضو البرلمان الأوروبي ماريو بورجيزيو وعضو البرلمان
روبرتو كوتا وعضو مجلس الشيوخ فيديريكو بريكولو، معروفون بتصريحاتهم المعادية
للأجانب في البرلمان، وبخاصة ضد هؤلاء من غير المنتمين إلى بلدان الاتحاد الأوروبي.
ولكن هذا الشكل من أشكال المغالاة في الوطنية لا يتوقف عند ذلك الحد: فهم لا يكفون
عن اقتراح تدابير تميز بين مواطني شمال إيطاليا من فينيتو أو لومباردي وبين مواطني
جنوب إيطاليا من نابولي أو كالابريا أو صقلية.
وأثناء هذا الشهر الذي شهد العديد من الحماقات الانفصالية، كان أول اقتراح يتعلق
بتعيين مديري المدارس في منطقة فينيتو: حيث وافق أعضاء المجالس المحلية في إقليم
فيتشنزا على تنفيذ إجراء يسمح بحجز كافة وظائف إدارة المدارس في الإقليم لمعلمين من
شمال إيطاليا.
وفي نهاية يوليو/تموز، اقترح عضو آخر في البرلمان من حزب رابطة الشمال عدم السماح
للمدرسين من جنوب إيطاليا بالتدريس في مدارس الشمال ما لم يكونوا متمرسين في تاريخ
وتقاليد ولهجات المناطق التي تقع فيها المدارس. ولقد وافقت وزيرة التعليم الإيطالية
ماريا ستيلا جيلميني على مناقشة الاقتراح.
وفي بداية أغسطس/آب وقع الهجوم الثالث على الوحدة الإيطالية من جانب رئيس مجموعة
رابطة الشمال في مجلس الشيوخ، فيدريكو بريكولو، الذي اقترح إضافة فقرة شرطية إلى
المادة رقم 12 من الدستور الإيطالي تقضي بالاعتراف رسمياً بالأعلام والأناشيد
الوطنية للمناطق المختلفة.
وكان آخر استفزاز من جانب رابطة الشمال متمثلاً في الاقتراح الذي تقدمت به والذي
يطالب بحصول موظفي الدولة على رواتب مختلفة عن الوظائف نفسها استناداً إلى محل
إقامتهم (الشمال أو الجنوب). أما وزير الزراعة لوكا زايا فقد ذهب إلى أبعد من ذلك
حين زعم أن ربط الرواتب بتكاليف المعيشة في المناطق المختلفة من البلاد من شأنه أن
يضطر الجنوب إلى الاكتفاء الذاتي والكف عن الاعتماد على المساعدة من الشمال.
ويبدو أن هذا الاقتراح وجد درجة معينة من الدعم من جانب بيرلسكوني، رغم أنه من
المحتمل أن يكون الشخص الوحيد في البلاد الذي يوافق على مثل هذا الاقتراح. ذلك أن
النقابات العمالية، وجمعيات أصحاب العمل، وكافة الأحزاب السياسية، بل حتى العديد من
أعضاء البرلمان من أتباع بيرلسكوني اتحدوا في رفضهم لما اعتبروه شذوذاً وانحرافاً.
ولم تتوقف مخيلة زايا الخصبة عند ذلك الحد: فقد اقترح دبلجة أو ترجمة المسلسلات
التلفزيونية الإيطالية الشهيرة إلى اللهجات المحلية. ويبدو أن بيرلسكوني المنهمك في
الدفاع عن موقفه العصيب باعتباره البطل الرئيسي في سلسلة من الفضائح الجنسية التي
لا تنتهي، لم يعد قادراً على كبح جماح مثل هذه الاستفزازات الصارخة من جانب رابطة
الشمال.
والنتيجة أن حلفاء بيرلسكوني المفترضين مثل الوزير السابق جيانفرانكو ميتشيتش وحاكم
صقلية الحالي رافاييل لومباردو، يفكرون جدياً في تأسيس “حزب الجنوب” لضمان احتفاظ
مناطق جنوب إيطاليا بالقدر الكافي من القوة والنفوذ للتصدي للهجوم الشرس الذي يشنه
حزب رابطة الشمال.
لا أحد يستطيع أن يجزم ما إذا كانت هذه المخططات قد تتحول إلى واقع ملموس. ولكن ما
يبدو مؤكداً هو أن الحركات الانفصالية في إيطاليا، على النقيض من الحركات
الانفصالية في إسبانيا، تكتسب الأرض من خلال ثورة بيضاء. ومن الواضح أن ماو كان
مخطئاً: ذلك أن الابتزاز السياسي يبدو أكثر فاعلية وتأثيراً من فوهات البنادق.
الأمين العام الأسبق لحزب الخضر الأوروبي
وعضو سابق في البرلمان الإيطالي*
والمقال ينشر
بترتيب مع “بروجيكت سنديكيت”
الخليج