يجب تقديم مجرمي الاحتلال الى المحكمة الدولية
هيفاء زنكنة
12/09/2009
عزفا على مقطوعة 'السيادة الوطنية'، في العراق المحتل، تتناوب الألحان كما يتكاثر
المغنون، كل على هواه. 'رئيس الوزراء' نوري المالكي هو مغني الواجهة، بينما تقف
وراءه فرقة الانشاد من الوزراء واعضاء البرلمان وميليشيات الاحزاب. ولا تخلو خشبة
المسرح، بين الفينة والفينة، من نشاز التصعيد بين المحتل وإيران في مجرى بحثهما عن
التلاؤم الإقليمي على أرضنا، ولا من ظهور اعضاء المجلس الرئاسي، في دبكة على ايقاع
هذا الطبل أو ذاك، هذا اذا لم يكونوا مشغولين اما بالسطو على احد المصارف او زيارة
احد المعتقلات بصحبة مصوري التلفزيون للترويج الاعلامي أو حضور الولائم لالتهام
اكبر الوجبات.
وأعني بالوجبات، فضلا عن الطعام، توقيع عقود النفط الجانبية وادارة اموال 'حكومة
الاقليم'. وبين هذا وذاك، تواصل الطائرات الايرانية والتركية، قصفها القرى والمواقع،
لاضافة المؤثرات الصوتية للفاصل الغنائي.
وقد انتبه مغني السيادة الوطنية، السيد المالكي، اخيرا، بأن الحكومة السورية تخل
بهذه السيادة (التي باتت مثل المنخل لفرط الاخلال بها من قبل الداني والقاصي)،
وانها تتدخل بالشأن العراقي الداخلي وانها تصدر الارهاب وانها يجب ان تعاقب، فكتب
الى الامين العام للامم المتحدة ومجلس الامن رسالة يطالب فيها بتشكيل لجنة تحقيق
دولية مستقلة، واصفا الهجمات بأنها 'ترقى الى مستوى جرائم ابادة وجرائم ضد
الانسانية يعاقب عليها القانون الدولي'.
لن ادافع، هنا، عن موقف الحكومة السورية من اللاجئين العراقيين وبضمنهم السياسيون
المناهضون للاحتلال فهو موقف انساني وسياسي أخلاقي ليس بحاجة الى الدفاع. و لو كانت
حكومة المالكي والطالباني ديمقراطية وتدافع عن حقوق الانسان وتحمي المواطن حقا كما
يدعي ساستها لما هاجر العراقيون المتمسكون بعراقيتهم الى حد النخاع بالملايين بحثا
عن الملجأ الآمن من ميليشيات الاحزاب الطائفية ومعتقلات وزارات الدفاع والداخلية
والعدل وفرق الموت والفرقة الخاصة التابعة للمالكي نفسه.
هذه الامور وغيرها تدفعنا الى المطالبة بتدخل القانون الدولي ومجلس الأمن والقوانين
الانسانية، لا ضد الحكومة السورية (والارجح ان حكومة المالكي ستتراجع وتتوصل الى
اتفاق ما مع الحكومة السورية)، بل الى جانب الفرد العراقي الذي بات يحمل كل
المواصفات باستثناء صفة المواطن. فلا يفوت اسبوع ما لم تصدر احدى المنظمات الدولية
تقريرا تصف فيه حال العراقي المتردي من سيىء الى اسوأ وتضع التوصيات تلو التوصيات .
فلا سامع من ناحية 'الحكومة العراقية' ولا مجيب. وقد توسعت دائرة صفات العراقي في
التقارير حتى لم يعد للصبر متسع. فهو اللاجىء، النازح، المهجر قسرا، المستجدي،
المهان في كرامته وعزة نفسه، المغدور، القتيل، الشهيد، المتسرب من المدارس،
المستجدي، العاطل، باعة الاطفال، ومتعاطو المخدرات، وزوجات المتعة. هذا غيض من فيض.
فمن الذي يجب ان يقدم الى المحاكمة الدولية، في هذه الحالة؟ أليس المسؤول الحكومي
الذي تتم في ظل حكومته جرائم القتل الجماعية والتهجير الجماعي وابقاء القوات
الغازية ومرتزقتها، هو الذي يجب ان يقدم الى المحاكمة؟
والسؤال الرئيسي الذي يطرح نفسه ونحن نتحدث عن تحمل المسؤولية السياسية والاخلاقية،
هو: متى وقفت 'الحكومة العراقية' سواء برئاسة المالكي او الجعفري او اياد علاوي
بجانب المواطن العراقي، دفاعا عن حريته وكرامته؟ متى قامت بالتحقيق في جرائم قتله؟
واذا كانوا وطنيين مخلصين للوطن والشعب معا، كما يدعون، فلم لا تزال القواعد
العسكرية لقوات الغزو تتوسع والقتلة من المرتزقة يزدادون والطائرات تحتل سماءنا
واطفالنا ونساءنا يجلبون الى المنطقة الخضراء، بعلم المسؤولين والساسة وفي ظل 'البرلمان
الديمقراطي'، لتسلية القوات العسكرية والمتعاقدين 'الضجرين'؟
ولئلا نتهم بالعموميات عند الحديث عن انتهاك السيادة الوطنية في ظل حكومات الاحتلال
المتعاقبة، فلنطرح سؤالا محددا وواضحا عن سبب تجديد عقود المرتزقة وتوسيع القواعد
الامريكية الرئيسية واستخدام العراقيين كخدم فيها بعد ان طبل سياسيو الاحتلال
ترويجا 'لاستعادة السيادة' ؟ حيث تدل التقارير الامريكية عن خصخصة الحروب الامريكية
في العراق وافغانستان على زيادة التعاقد مع المرتزقة ليخوضوا حروب الامبراطورية
الامريكية قتلا وتعذيبا وانتقاما. وان اعداد المرتزقة في العراق تساوي عدد قوات
الجيش النظامي للمحتل. وتدل شهادات عدد من مرتزقة بلاكووتر، وهي واحدة من عشرات
شركات الحماية والمرتزقة التي تصول وتجول بحرية في العراق، بان قتلهم للعراقيين
متعمد وان توجههم للعمل في العراق جاء نتيجة رغبتهم في الانتقام منهم 'لانهم قتلوا
امريكيين' في الحادي عشر من ايلول/سبتمبر 2001. فكيف تسمح حكومة المالكي بتجديد عقد
قتلة جاؤوا الى العراق للانتقام من ابنائه ؟ كيف حدث وكان رد حكومته بانها 'تتفهم
الموقف الامريكي' عندما تم اطلاعه على تجديد العقد؟ ألا يشكل هذا الموقف، مشاركة في
الجرائم الانتقامية المستهدفة علنا للمواطن العراقي، ويستدعي التقديم السريع الى
القضاء؟
وردا على من يقول بان القواعد سيتم تسليمها الى قوات الجيش العراقي وفق جدولة
الانسحاب، نقول: انظروا اولا الى قاعدة بلد لتتبينوا الحقيقة من التضليل الاعلامي.
اذ تقع قاعدة بلد أو قاعدة البكر الجوية سابقا، على مبعدة 64 كيلومترا، شمال بغداد.
وهي واحدة من ست قواعد يطلق عليها صفة ' سوبرقاعدة' لامكانياتها وقدراتها العسكرية
ومساحتها البالغة 25 كيلومترا مربعا. فيها 39 ملجأ للطائرات وهي نقطة انطلاق
مقاتلات أف 16 والمروحيات بالاضافة الى وجود انظمة السيطرة وتوجيه الطائرات بلا
طيار. وتكمن اهمية القاعدة القصوى في قربها من بغداد وامكانية توفيرها الحماية لاية
عملية عسكرية هناك. كما بامكانها توفير الحماية في اي مكان يتعرض للهجوم في العراق
خلال 15 دقيقة فقط. وفيها محطات تزويد بالوقود. وبامكان جهاز الرادار فيها رصد
وتصوير كل شيء في فضاء العراق كله.
أما بالنسبة للخدمات المتوفرة للخمسة وعشرين الف جندي فيها فانها كثيرة. اذ يوجد
فيها مسرح ودار سينما وقاعة لدروس الرقص ومسبح داخلي وآخر خارجي بمواصفات اولمبية
ومطاعم للوجبات السريعة ومستشفى وصالة عمليات ومركز لعلاج الصدمات النفسية، وتصدر
فيها صحيفة خاصة بها. ويقصدها النجوم الامريكيون لتقديم العروض المسلية لجنودهم.
ويصف الصحافي الامريكي مارك سنتورا القاعدة، في مقالة كتبها يوم التاسع من الشهر
الحالي، بانها مدينة كاملة لاعلاقة لها بالعراق والظروف التي يعيشها العراقيون.
ويتوفر فيها كل ما حرم منه المواطن العراقي وهو في بلده. اذ توجد فيها محطتان
للكهرباء ومحطتان للمياه. الاولى لتزويد القاعدة بـ1.9 مليون غالون من الماء يوميا
للاستحمام وغيره والثانية لتعبئة المياه الصالحة للشرب. حيث تزود الجنود بسبعة
ملايين قنينة ماء شهريا. هناك 15 خطا للباص و80 باصا في حركة نقل مستمرة في كل لحظة.
هناك محطتان لاطفاء الحرائق. ويقوم مستخدمون من الفيليبن والهند وبنغلادش بخدمة
الجنود والمرتزقة.
ماذا عن العراقيين في القاعدة؟
ان المكان الوحيد الذي يسمح فيه للعراقيين بالتواجد هو الذي يسمى 'المنطقة الحرة
العراقية'. وهي منطقة صغيرة مسورة بالاسلاك الشائكة والجدران الكونكريتية، يقوم
فيها عدد من الباعة العراقيين ببيع أشرطة الفيديو والسجائرالرخيصة والالكترونيات
وبعض نتاجات الحرف اليدوية. مما يجعلني استعيد صورة عدد من الهنود الحمر القاطنين
في معسكر، على مقربة من اريزونا في امريكا، يقومون ببيع بعض منتوجاتهم اليدوية
البسيطة شبه المنقرضة بعد ان تعرضوا للابادة الجماعية على يدي الامريكي الابيض. وكل
الدلائل تشير الى ان بقاء نوعية المالكي وسياسيي الاحتلال، في العراق، لن يؤدي الى
شيء مغاير وان القواعد الامريكية باقية ماداموا محاطين بساسة يحملون روح العبيد.
' كاتبة من العراق
القدس العربي