"الثورة الهادئة في الضفة الغربية: تنسيق أكثر وقتلى أقل"..

 

05/09/2009 


المسؤول الفلسطيني للاسرائيلي : "ما دمت تقول كذلك فأنا أصدقك".


 

كتب عاموس هرئيل في صحيفة "هآرتس" تحت عنوان "الثورة الهادئة في الضفة الغربية: تنسيق أكثر مع السلطة الفلسطينية وقتلى أقل" مستعرضا ما يحصل في الضفة الغربية في ظل أجهزة الأمن الفلسطينية المدربة، وصراعها مع حركة حماس، وتراجع فعاليات الجيش الإسرائيلي في الضفة مع تصاعد نشاط أجهزة الأمن الفلسطينية.

ويشير الكاتب إلى سلسلة من الوقائع كان من المتوقع أن تؤدي إلى إشعال "انتفاضات" في الضفة الغربية، بيد أن الهدوء ظل قائما، وبحسبه فإن ردود الفعل في الضفة الغربية كانت أقل بكثير من توقعات أجهزة الأمن الإسرائيلية.

يتناول الكاتب استشهاد محمد نايف، فتى فلسطيني يبلغ من العمر 14 عاما ونصف العام، وهو من مخيم الجلزون القريب من رام الله، مساء الإثنين الماضي بنيران جنود الاحتلال. ويدعي أن نايف ومعه فتى آخر قاما بإلقاء زجاجة حارقة باتجاه مستوطنة "بيت إيل"، وقام أحد جنود "كفير" بإطلاق النار باتجاهه. ويدعي التحقيق العسكري -الذي أجراه جيش الاحتلال مع نفسه- أنه النار إطلقت باتجاه قدمي الفتى إلا أن الرصاصة أصابته في البطن، واستشهد لاحقا في أحد المستشفيات الإسرائيلية.

ويتابع الكاتب أن موت الفتى في مطلع شهر رمضان كان من المفروض أن يشعل عاصفة من المظاهرات وأعمال الاحتجاج في رام الله، ولكن ظلت المدينة هادئة. وفي الغداة هاتف مسؤول كبير في السلطة الفلسطينية رئيس ما يسمى بـ"الإدارة المدنية" في الضفة الغربية، يوآف مردخاي. وقال المسؤول الفلسطيني: "في الجلزون يقولون إن الفتى لم يقم بإلقاء زجاجة حارقة". ورد عليه مردخاي بأن هذه الأقاويل كاذبة، وأن لديه صورا من موقع الحادث. ويرد عليه المسؤول الفلسطيني: "ما دمت تقول كذلك فأنا أصدقك".

ويشير الكاتب إلى أن مردخاي هو ضلع ملموس في المثلث الإسرائيلي الشريك في ما أسماه بـ"الثورة الهادئة" التي تحصل في الضفة الغربية منذ سنة. أما الرأسان الثاني والثالث فهما؛ القائد العسكري لمنطقة المركز غادي شمني، وقائد قوات الجيش في الضفة الغربية نوعام تيفون. وكلاهما سينهيان مهام منصبيهما قريبا.

وهذه العملية -الثورة الهادئة- تم بناؤها بمتابعة عن كثب من قبل رئيس هيئة أركان الجيش غابي أشكنازي، ووزير الأمن إيهود باراك، ومؤخرا رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو. وقد بدئ العمل بها من الأسفل إلى الأعلى، من الميدان وحتى المستوى السياسي. ويلخص أشكنازي ذلك بقوله: "حيث تعمل السلطة أكثر نحن نعمل أقل".

ويضيف أن المجتمع الدولي معني أساسا بتسهيل حركة الفلسطينيين وبالتوقعات بشأن الانتعاش الاقتصادي في الضفة الغربية، إلا أن ما يحسم مصير التجربة الواسعة هذه هو "امتحان الدم". منذ مطلع العام 2009 قتل 13 فلسطينيا في الضفة الغربية مقابل 4 إسرائيليين، وفي العام الماضي قتل 51 فلسطينيا ولم يقتل أي إسرائيلي. الوضع الأمني تغير كثيرا وهو يسمح بتطوير الاقتصاد الفلسطيني وإن كان "سلام نتانياهو الاقتصادي" مبالغا فيه.

وفي ظل الهدوء المتواصل يشير الكاتب إلى أن كبار القادة في الجيش يتحدثون عن رئيس السلطة محمود عباس، ورئيس حكومته سلام فياض، بمصطلحات لم يستخدمها ضباط إسرائيليون من قبل، حتى في "الأيام الحلوة والقصص عن آمال أوسلو".

ويقول الضباط الإسرائيليون إن عباس وفياض توقفوا عن استخدام "اللغة المزدوجة" بشأن العنف/ المقاومة، وخفضوا بشكل حاد "مستوى التحريض ضد إسرائيل" ويتحكمون بشكل وثيق بقوات الأمن لديهم. وفي الوقت نفسه يجري تنسيق أمني وطيد ومتواصل بين الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام الشاباك وبين أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، وبمواكبة المبعوثين الأمريكيين إلى المنطقة. ولكن ذلك لا يعني أن عباس وفياض ليسوا خصوما في الجبهة السياسية، حيث لا يبدو هناك أي تنازل، علاوة على أن المديح يحسن من مكانتهم وقدرتهم على المساومة في الساحة الدولية.

وبحسب الكاتب فإن التغيير البارز في أداء السلطة يتصل بالصراع مع حركة حماس. حيث حسم الأمر في أعقاب "انقلاب حماس في حزيران 2007"، وخرجت حركة فتح من الصدمة، وأدرك كبار المسؤولين في السلطة أنه من أجل منع تكرار السيناريو في الضفة الغربية عليهم ألا يتركوا هذه الحرب لإسرائيل، وأخذت السلطة على عاتقها الحرب على المنظمات الخيرية (الدعوة) التابعة لحركة حماس، وتم إغلاق مئات الجمعيات، واستبدل رؤساؤها بآخرين مرتبطين بحركة فتح، وتم فصل 150 إماما من المساجد، وتقوم السلطة بفرض الخطب الدينية الأسبوعية بكاملها.

ويتابع أنه في الشهور الأخيرة صعدت السلطة من صراعها العسكري مع حركة حماس، حيث تم اعتقال ما يقارب 2000 ناشط، لا يزال 800 منهم في سجون السلطة. وبلغ الصراع أوجه في قلقيلية في شهري أيار/ مايو وحزيران/ يونيو. وفي سلسلة من حوادث إطلاق النار من مسافات قريبة قضى رجال الشرطة في السلطة الفلسطينية على خلية لحركة حماس، والتي كان يلاحقها الجيش والشاباك سنوات طويلة دون تحقيق نجاح يذكر. وقتل إثنان من رجال الشرطة في هذه المواجهات. أما فياض فلم يشعر بحاجة إلى الاعتذار، بل اكتفى بالتعبير عن أسفه لسقوط قتلى. وبعد 40 يوما وصل إلى قلقيلية وقلد رجال الشرطة الذين شاركوا في المواجهات الأوسمة.

كما يتناول الكاتب اتفاق "المطلوبين" الذي بلوره "ر" المسؤول عن الضفة الغربية في جهاز الشاباك، والذي أخرج الذراع العسكري لحركة فتح من "ساحة الإرهاب"، على الأقل حتى اليوم. وحصل مئات المطلوبين على "العفو التدريجي"، وتوقفت إسرائيل عن ملاحقتهم. أما اليوم فإن الأسرى السابقين، من حركة حماس الذين يطلق سراحهم مع نهاية محكوميتهم، يشكلون خطرا في حال توجهوا نحو تشكيل خلايا جديدة.

ويشير الكاتب إلى تبدد مخاوف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من رد الفعل في الضفة الغربية خلال الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة، حيث يكتب أنه "حتى الحرب العدوانية الأخيرة على قطاع غزة، ما يسمى بـ"الرصاص المصبوب"، وسقوط أكثر من ألف شهيد فلسطيني، قوبل في الضفة الغربية بالمظاهرات ورشق بالحجارة. وتبددت مخاوف الاستخبارات الإسرائيلية والتي بموجبها فإن السلطة الفلسطينية سوف تفقد السيطرة في حال سقوط أكثر من 250 شهيدا في قطاع غزة".

ويضيف أن الخطوة الأهم التي قام بها الجان بالإسرائيلي هي إزالة غالبية الحواجز من الطرقات في الضفة الغربية، ما أتاح إجراء تقليص تدريجي لقوات الجيش الموجودة في الضفة الغربية، وتوجيهها إلى التدريبات العسكرية. كما تراجع عدد المعتقلين من قبل قوات الاحتلال في النصف الأول من العام الحالي بنسبة 40% بالمقارنة مع العام الماضي.

ويشير الكاتب إلى أن الصعوبة القائمة حاليا هي في الحفاظ على ما أسماه "اليقظة العملانية" للجنود، وذلك خشية أن تنقلب الأمور رأسا على عقب، وتندلع مواجهات عنيف بشكل فجائي، مثلما حصل في انتفاضة النفق في العام 1996، والانتفاضة الثانية بعد 4 سنوات.

وفي أجابته على التساؤل: "هل سيؤدي تعزز قوة أجهزة الأمن الفلسطينية إلى توجيهها ضد إسرائيل يوما ما؟"، يقول إنه لا شك أن هذه الأجهزة مدربة ومنضبطة لقادتها وعتادها أفضل من السابق. وفي المقابل فإن إسرائيل تصر على ألا يتجاوز تسلحيها "أم 16". ويشير في هذا السياق إلى أن المدرعات الخفيفة التي تنتظرها السلطة منذ أكثر من عامين لا تزال عالقة في موسكو.

وينهي تقريره بالقول إن الجيش الإسرائيلي يدرك أن هذا الهدوء ليس مضمونا لفترة طويلة، إذ يكفي أن تقع عملية واحدة ينفذها فلسطيني ضد يهود، أو بالعكس مثلما حصل في مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل في العام 1994 التي نفذها الإرهابي باروخ غولدشتاين

عــ48ـرب