في سنينه الأخيرة، حتى قبل
الحصار، ادرك الراحل ياسر عرفات فخ اوسلو ومراوغات الاسرائيليين واصرارهم على
التنازلات من الجانب الفلسطيني خاصة في الثوابت، القدس، وحق العودة، ومقومات
الدولة. أيقن ان اسرائيل لم ترد من السلطة الفلسطينية ان تكون شريكاً لسلام
عادل ودائم، بل قوات أمن وشرطة لحماية الكيان الصهيوني.
منذ ان تولى محمود عباس منصبه كرئيس للوزراء ايام عرفات، وهمه ان يرضي الجانب
الامريكي ـ وبالطبع الاسرائيلي ـ وما زال حتى الآن يؤمن بأن السلام ممكن، رغم
ان الجميع اعلنوا ان السلام قد مات ـ وشبع موتاً ـ ولكنه مصرّ على أهمية
المفاوضات وشرطه الوحيد هو 'تجميد' الاستيطان، لاحظوا سقف المطالب من ازالة
المستوطنات في الضفة الى تجميد المستوطنات في الضفة الى تجميد المستوطنات في
القدس فقط كما يلوّح الجانب الامريكي مؤخراً، محمود عباس يمد يديه
للاسرائيليين للمفاوضات، ولكنه ممتنع عن المفاوضات ـ أو بالأصح الحوار ـ مع
غزة، وما زال يعتقل كوادر حماس ويطلق العنان للعملاء في الضفة ـ وغزة ايضاً ـ
وفي مؤتمر القاهرة تصر فتح على ارغام حماس بالقبول بالاتفاقات المبرمة،
والاعتراف الصريح بوجود اسرائيل، اي ان حماس يجب ان تغير اسمها الى سماح!
في السياسة الفلسطينية، لا يتفق اثنان على معنى الشرعية فالحكومة الشرعية
اصبح اسمها حكومة مقالة، والحكومات الطارئة برئاسة فياض أصبحت حكومات شرعية.
والرئيس عباس منتهي الصلاحية ولكنه ما زال يعتبر الرئيس الشرعي للحكومة
الفلسطينية، أين الشرعية الحقيقية، وأي شرع هذا؟!
مؤتمر فتح السادس (الخامس كان قبل عشرين سنة) عقد في بيت لحم/فلسطين، ولا
تنسوا ان فتح عقدت فقط قبلها خمسة مؤتمرات في 24 سنة (1965 ـ 1989) ومن
المفترض ان تكون هذه المؤتمرات سنوية. شكك البعض في نزاهة الانتخابات ثم خفتت
الأصوات المعترضة وتم التراضي (دون معرفة التفاصيل) تفاجأت كما تفاجأ معظم
فلسطينيي الداخل والشتات بفوز محمد دحلان لعضوية اللجنة المركزية لفتح مع
تعاظم الشبهات حوله. الآف الفلسطينيين ينظرون بريبة الى الرجل ولكن اكثر من
نصف المجتمعين في بيت لحم يعتقدون ان دحلان يستحق منصباً قيادياً لفتح في
المرحلة المقبلة. ـ عجبي ـ.
من المواقف الكوميدية ان مؤتمر فتح أعلن عن الحق في بقاء خيار المقاومة مع
العلم ان كل الاعضاء الحاضرين أعطوا ختم الموافقة الاسرائيلية للحضور سواء من
الداخل او من الخارج ـ للأمانة ما عدا قائد كتائب الأقصى وبضعة من رفاقه
المطلوبين ـ اي مقاومة هذه يا فتح، يمكن بالقلب (اذا احسنّا الظن).
المفارقة الثانية ان مؤتمري فتح لم يعطوا الثقة لقريع ليكون عضو اللجنة
المركزية للحركة، فكيف يكون في مركز أعلى كممثل للحركة في اللجنة التنفيذية
لمنظمة التحرير الفلسطينية؟ المفارقة الأكثر سخرية ان ياسر عبد ربه لا يمثل
اي فصيل في اللجنة التنفيذية بعد استقالته من حزب فدا ـ قبل سنوات ـ والأكثر
سخرية ان اللجنة لا تستطيع فصله!
عدد من الشخصيات الفلسطينية رغبت أن تكون في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير،
ولكن اكتشفوا ان المجلس الوطني الفلسطيني لا يعترف بالانتخابات ولا بالترشيح،
بل فقط بالتوافق، قمة الديمقراطية!
منظمة التحرير الفلسطينية (م. ت. ف) بامكانها الاحتفاظ بالاحرف الثلاثة، ولكن
التاء لم تعد تمثل التحرير، بل قل تفاوض، تهاون، تنازل، تناسخ، تسليم، تناسي،
تمويه، تشريد، تطنيش،.... والسؤال الحقيقي هو أن اكثر من نصف الشعب الفلسطيني،
ونصف أعضاء المنظمة في دمشق هم من المعارضة، بربكم من تمثل منظمة التحرير
الفلسطينية الآن فتح، أو حتى جزءا منها؟
أما المجلس الوطني الفلسطيني فمن المفترض ان يعقد جلساته سنويا، عقد المؤتمر
في الضفة على عجالة، والمؤتمر السابق له كان في غزة قبل اكثر من عشر سنوات
عقد على عجالة أيضا لتعديل الميثاق الفلسطيني لعيون كلينتون الذكر واسرائيل،
وذلك تنفيذا لأوسلو وشروطها، لماذا عدل الميثاق قبل الدولة الفلسطينية وقبل
حل مسألة القدس وحق العودة؟ ظني ان المؤتمر القادم سيعقد للاعتراف بيهودية
اسرائيل، الله يستر!
المجلس الوطني الفلسطيني غاب عنه أعضاء حماس، والاعضاء من الخارج، والموتى،
والسجناء،... المؤتمر الحالي والمجلس الحالي من يمثل؟
الفلسطينيون بحاجة الى انتخابات جديدة شاملة، مجلس تشريعي، ورئيس، ومجلس وطني
فلسطيني يمثل الداخل والمنافي، المرحلة الجديدة مرحلة مهمة لوقف نزيف
التنازلات والتمسك بالثوابت. حق العودة والتعويض أولها وأهمها قبل ان يفوت
الاوان لنجد من يسمون انفسهم ممثلين لنا يفرطون فيما تبقى لنا من حقوق في
فلسطين. فلسطين التي تعرفونها جميعكم الممتدة بين النهر والبحر.
بالمناسبة التاء الاخيرة التي نسيتها في م. ت. ف. بدلا من التحرير هي التفريط،
وتاءات أخرى كثيرة لا داعي لذكرها.
* كاتب فلسطيني مقيم في أمريكا