05/09/2009
الراصد نشرة شاملة ترصد الحدث الفلسطيني بأمانة وحيادية
العام الخامس
كتاب- شواين لاي.. آخر الثوار المحترمين
«أوديسة» تروي خبايا النظام الصيني إبان عمل ماو
يغوص هذا الكتاب في أعماق الحياة السياسية في الصين خلال فترة حرجة من تاريخها وهي عقد الستينات بشكل خاص والتي مارس خلالها الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ سياسة القبضة الحديدية في الحكم وبشكل خاص من خلال ما سمي بالثورة الثقافية والتحولات التي جرت خلاله وانتهت إلى تغير حاد في السياسات الصينية فيما بعد خلال السبعينات على يد دينغ زياو بينغ خليفة ماو. بعبارة أخرى فإنه يمكن للقارئ من خلال الكتاب أن يكون فكرة شاملة عن التاريخ الحقيقي الثورة الشيوعية في الصين.
وتتأتى أهمية الكتاب من الوظيفة التي كان يحتلها المؤلف خلال الفترة التي يقدمها لنا من خلال الكتاب. لقد عمل المؤلف كباحث في المكتب السري للأبحاث في الحزب الشيوعي الصيني والذي يعد بمثابة الأرشيف المركزي الخاص بماوتسي تونج الذي ترأس الدولة ومنافسه ليو تشاوشي ومساعد ماو ودينج زياو بينج الزعيم الذي تولي بعد ماو، وكذلك شين يون الذي صاغ العديد من السياسات الاقتصادية، هذا بالطبع بالإضافة إلى شواين لاي.
تمكن المؤلف من تقديم هذه المادة بالغة الخصوصية من خلال وضعه الوظيفي كباحث في الأرشيف الصيني. وقد كان نظام الحزب الشيوعي الصيني يحتفظ بالوثائق السرية في مجمع محاط بالحراسة على بعد عشرين ميلا من شمال غرب بكين. حيث يتاح هذا الأرشيف لأفراد ذوي مهام خاصة منها مثلا الاستعانة بها من أجل كتابة تاريخ الأحداث في الوجهة التي تريدها الدولة.
وقد عمل المؤلف على الجزء المتعلق بشواين لاي مدة تصل إلى أربعة عشر عاما، وركز على الفترة منذ بداية الثورة الثقافية في عام 1966 حتى وفاة شواين لاي عام 1976 كما قدم لمحة في شأن فترة شباب شواين لاي ودوره في الحزب حتى عام 1949.
التعلم في الغرب
ومما يشير إليه المؤلف في استعراضه سيرة حياة شواين لاي أنه سافر إلى الغرب وبالتحديد باريس ومنها أبحر إلى انجلترا حيث اكتشف أن المبالغ المالية التي تم تزويده بها غير كافية وعلى ذلك قرر التقدم لجامعة إدنبرج في سكوتلاندا حيث تكاليف المعيشة أقل ولا يتطلب الالتحاق بها سوى اجتياز الاختبار في الإنجليزية.
غير أنه لم يجد إزاء تزايد أعباء المعيشة عليه سوى العودة إلى باريس وهناك عاش الحرية وارتاد مدارس مختلفة من الأفكار والأيديولوجيات ولم يعتنق على الفور النموذج الروسي للثورة كما أنه لم يجد في النموذج البريطاني القائم على الإصلاح السياسي التدريجي بغيته وعلى هذا كان شواين لاي يبحث عن طريق وسط يمكن أن يجمع بين محاسن هذين النموذجين المتعارضين.
وهناك التقى بزانج شينفو الذي كان من بين مهامه تأسيس فرع للحزب الشيوعي الصيني في باريس حيث تم تجنيد شواين لاي. ومن باريس انتقل شواين لاي إلى ألمانيا حيث التكلفة نصف تلك التي ينفقها في باريس وأصبح أحد رموز الحزب الشيوعي الصيني في أوروبا. وقد تم إسناد مهمة الدعاية للحزب إلى لاي والذي أصبح أحد الأعضاء الرئيسيين في الثورة فيما بعد.
ومن خلال الغوص في الوثائق الصينية يقدم المؤلف العديد من الحقائق بشأن حياة شواين لاي وشخصيته ربما أكثر من أي شخص آخر لم يعمل بشكل مباشر مع رئيس الوزراء، كما تمكن من إدراك الكثير مما كان يدور في كواليس السياسة الصينية على المستويات العليا الخاصة بالثورة الثقافية بما يفوق ما عرفه الكثيرون باستثناء أولئك الذين شاركوا في صنع الثورة بأنفسهم.
وعلى ذلك فإن ميزة الكتاب تتمثل من أنه يأتي من شخص اطلع على ما يمكن اعتباره التاريخ السري لمسيرة النظام الشيوعي في الصين خلال عقدي الستينات والسبعينات بشكل يسمح لنا بالإطلاع على الصورة الحقيقية التي تبرز الجانب الإنساني بشخصية رئيس الوزراء الصيني الراحل شواين لاي وليس الجانب الأسطوري.
علاقات متداخلة
وقد تمكن المؤلف من خلال الفترة التي قضاها في دراسة الوثائق الصينية النادرة التي تمثل رصدا لخفايا ما كان يجري وراء كواليس الحكم خلال حكم ماو، من الكشف عن مختلف جوانب علاقات شواين لاي مع الحزب الشيوعي الصيني وعلاقاته مع قيادته وبشكل خاص رئيسه ماوتسي تونج.
وحسبما يذكر المؤلف فإن أحداث تيان آن مين في عام 1989 ميدان السلام السماوي في بكين والتي جرى خلالها قمع مظاهرات الطلبة.. اللحظة الفاصلة في حياته على النحو الذي انتهى به إلى تأليف الكتاب، حيث تابع بنفسه الانقضاض على الطلبة في الميدان وقرر قطع علاقته مع الحزب الشيوعي، الأمر الذي استغرق منه بعض الوقت ولكنه تمكن في النهاية من الحصول على منحة من جامعة هارفارد لكي يقدم ما يراه الحقيقة ممثلة في كتاب متكامل عن رئيس وزراء الصين الراحل حيث عمل على تهريب أوراقه ووثائقه إلى خارج الصين عبر مجموعة من الأصدقاء الذين يوثق فيهم.
وحسبما يشير الكتاب في مقدمته وفيما يؤكد على المكانة الخاصة التي يحتلها شواين لاي في التاريخ الصيني الحديث، حقيقة أن كل الأساطير المتعلقة بقادة الصين قد سقطت إلا شواين لاي، حيث أن قيادة الحزب الشيوعي الصيني إنقلبت بعد رحيل ماو على الكل بدءا من زوجة ماو ومن أطلق عليهم عصابة الأربعة. الوحيد.. شواين لاي.. الذي لم يمتد إليه أحد بسوء.
ورغم أن معظم الصينيين كان لديهم فكرة جيدة عنه عكستها مواقفه التي تبناها خلال وجوده في الحكم إلى جانب ماو، إلا أن الكثير من التفاصيل المتعلقة بحياته وبخلفيات تلك المواقف لم تكن معروفة، الأمر الذي يقوم على تحقيقه هذا الكتاب. ولعل ذلك ما يجعل أندروا ناثان في تقديمه للكتاب يصفه بـ «الأوديسة الصينية» التي تعرض لنا ملامح شخصية شواين لاي التي قد تبدو غريبة وهى الشخصية التي كان لمواقفها في التحليل النهائي حسبه نتائج كارثية على الصين. فعلى مدى ثلاثين عاما وحتى وفاته ظل شواين لاي يخدم الحزب الشيوعي بشكل غير مسبوق، دون أن يدري أنه قدم حياته للنظام الذي دمره.
شخصية بالغة التعقيد
جاو يقدم لنا صورة مركبة عن شواين لاي.. رجل بالغ التعقيد.. مكنته مهارته في التقرب من طبيعة ماوتسي تونغ وحالته المزاجية من التخفيف من التأثيرات السلبية للثورة الثقافية، ومن التقارب مع الغرب.
وإذا كان الجانب الأكثر أهمية في الكتاب هو علاقة شواين لاي مع ماوتسي تونغ فإن المؤلف في هذا السياق يستعرض الأساليب التي لجأ إليها لاي من أجل عدم إغضاب ماو والوسائل التي لجأ إليها من أجل تفسير رغبات ماو ومساندة خط ماو القائم على التغيير. كما أنه يقدم لمحة عن قسوة ماو تجاه شواين لاي في سنواته الأخيرة والمعاملة السيئة له ورفضه أن يتلقي علاجا من سرطان المثانة الذي أصيب به.
إن لغز هذه العلاقة حسبما يتكشف لنا من خلال الكتاب لا يكمن في سادية ماو والتي جرى التعرض لها من قبل العديد من الكتاب، ولكن في خضوع شواين لاي.. فرد فعله على ما قام ماو به معه لم يكن تحديه وهو القرار الذي يشير المؤلف إلى أن لاي التزمه تقريبا منذ بداياته الثورية وحتى نهاية عمره. لقد كان ذلك هو الجانب المأساوي في تلك الشخصية المرنة.
وفيما انتقد مؤرخون حزبيون في الصين المؤلف على أنه عري شواين لاي فإنه قد يكون من الدقة القول أنه أبدى قدر من التعاطف معه بشأن ما قد يكون لاي أبداه من ندم على دوره في الثورة الثقافية.
وهو الأمر الذي يمكن أن نلمسه من خلال تناول المؤلف لهذا الجانب والذي يشير إلى دور تلطيفي قام به شواين لاي خلال فترة الثورة الثقافية من أجل ما رآه حماية للشعب ومن أجل الحفاظ على الدولة لكي تمضى في خطواتها على طريق بناء الإقتصاد وتحقيق الإنجازات في السياسة الخارجية.
ورغم ذلك فإن سياق تناول المؤلف لموضوعه يشير إلى الحقيقة المرة والتي تتمثل في أنه بدون مساندة لاي لماو فإن هذا الأخير لم يكن ليستطيع أو يتمكن من مواصلة المضي على طريق الكارثة التي شرع فيها ولم يكن لفصول الثورة الثقافية أن تتواصل على النحو الذي بدأت وسارت فيه.
الشعور بالإحتياج لـ «لاي»
باختصار لقد كان ماو يحتاج شواين لاي. ورغم أن هذا الأخير لم يكن لديه القدرة على الإطاحة بماو إلا أنه كان بمقدوره الإنسحاب وحينئذ لم يكن بمقدور ماو السير على الطريق الذي بدأه. وعلى ذلك فإنه في محاولته للتقليل من تأثير سياسات ماو بدلا من معارضتها قبل لاي بشكل أو بآخر أن يكون معاونه من أجل ما يمكن اعتباره ضمان أن يسير قطار الحكم في طريقه الصحيح. وتبدو هذه الفكرة بالغة الوضوح في أن شواين لاي بدا على فراش الموت يعاني من تأنيب الضمير على الاشياء التي قام بها على خلاف قناعاته، فقد كان حريصا على أن تظل هذه المراجعة في إطاره الذاتي خوفا من أن ينقلب عليه ماو أو يتخلص منه.
لماذا ؟ ليس بسبب أنه كان يعتقد بصحة ما يقوم به ماو، فالمؤلف يوضح أن لاي لم يكن واقعا أسر وهم أن ما يقوم به ماو كان جيدا من أجل الصين، أو أن سياساته تعبر عن حاجة حقيقية للثورة ولكن لاي انطلق في مواقفه تلك مما يعتبر في نظر المؤلف رغبة دفينينة في الانتساب إلى المؤسسة. كما تجد مواقف لاي كذلك تفسيرها في أنها تعكس عدم القدرة على خوض مغامرة وجودية والحاجة النفسية لديه لأن يكون الرجل الثاني، الأمر الذي يرجعه المؤلف إلى طفولة لاي باعتباره كان ابنا محبوبا من قبل والدتين.. الأولى أمه التي ولدته والأخرى التي تبنته، وإلى حرمانه من أب فعال، هذا فضلا عن تربيته على القيم الكونفوشيوسية القائمة على العطاء والتسامح والحلول الوسط.
الصفحات: 345 (متوسط)
الكتاب: شواين لاي آخر الثوار المحترمين
تأليف: جاو وينكيان
عرض ومناقشة : مصطفى عبد الرزاق
الناشر: ببليك آفيرز - نيويورك
كتاب - شواين لاي.. آخر الثوار المحترمين (2)
شواين لاي مهندس المصالحة والتقارب بين الصين و واشنطن
نستعرض مع المؤلف هنا الجهد الذي قام به شواين لاي على صعيد التقارب مع الولايات المتحدة القطب الرئيسي في العالم آنذاك، وهو الأمر الذي قد يفسر في جانب منه الإحتفاء بشواين لاي في الغرب، على الأقل من خلال هذا الكتاب، الذي يخلد ذكرى الرجل.
ورغم أن الغوص في سيرة لاي من خلال الكتاب تؤكد على مكانته واختلاف نهجه عن فكر ماو إلا أن ذلك لا ينفي في الوقت ذاته ـ على ما نرى ؟ البعد الخاص بالإشادة بالدور الذي لعبه لاي في محاولة التقارب مع الغرب بشكل عام. ومن خلال بدء الكتاب بهذا الفصل يتبدى لنا الجانب المتعلق بما يمكن اعتباره «تغريب الكتاب» أي جعله مناسبا بشكل أكبر للقارئ الغربي، حيث إنه في نسخته الصينية لم يصدر على هذا الشكل الأمر الذي سنعرض له بالنقاش في نهاية استعراضنا للكتاب. ونتابع مع المؤلف كيف استقبل شواين لاي والشكوك التي كانت تساوره إزاء سطوة ماو وبطشه بمن يخفق في مهامه،. ومن سياق ما يذكره المؤلف يمكن التأكيد على أن لاي كان هو بحق مهندس قضية المصالحة بين الولايات المتحدة والصين. ويبدو ذلك في الكثير من التفاصيل التي يتطرق لها وتكشف عن الملامح الشخصية التي أضفاها لاي وعجلت بالمصالحة.
من خلال تناول جهد لاي في التقريب بين بلاده وبين الولايات المتحدة يعتبر المؤلف أن ذلك الإنجاز الأكبر لرئيس الوزراء الراحل كان يعتبر بمثابة قبلة الموت له على حد تعبيره، الأمر الذي يمكن فهم المغزى الحقيقي له مع متابعة تفاصيل تطورات زيارة نيكسون للصين عام 1972 التي كانت تعتبر تحولا أساسيا على صعيد وضع النظام الدولي القائم آنذاك.
يقدم لنا المؤلف في هذا الصدد رؤية تحليلية داخلية للأبعاد التي دفعت الصين للتقارب مع الولايات المتحدة والأفكار التي دارت في ذهن قيادتها آنذاك ممثلة بشكل رئيسي في فكر ماوتسي تونغ وشواين لاي.
نيكسون في بكين
ففي 21 فبراير 1972 استقبل شواين لاي نيكسون في مطار بكين حيث لم تكن هناك علاقات بين البلدين في مغامرة كان يتحسب لها كثيرا.. أن يستقبل الإمبريالي الأول في العالم. لقد كانت المصالحة قرارا شخصيا من زعيم الحزب الشيوعي الصيني ماوتسي تونغ.
ورغم حقيقة الدور الذي لعبه شواين لاي في هذا الصدد، إلا أنه كان ينتابه قدر كبير من القلق لأن يبدو وكأنه خلف ذلك التوجه في ضوء الحقيقة التي كان يدركها الكثيرون من المقربين من ماو بأن الآخرين يمكن أن يتحملوا ثمنا عاليا للأشياء التي تمضى خطأ. فقد كان ماو معروفا بشكل كبير بشأن تغيير رأيه ومعاقبة أولئك الذين يفشلون في التوافق مع التغييرات التي يحدثها أو يقوم بها. وكان شواين لاي الرجل الذي سهل اللقاء مع نيكسون وكان هو المرشح لأن يكون الضحية حال فشل مثل هذا اللقاء.
وفيما يشير إلى مدى حذره وفي لفتة قد تخفي دلالتها على الكثيرين ويشير المؤلف إلى أنها رغم ذلك تبقى ذات مغزى، يذكر المؤلف أن لاي خلال مأدبة تكريم لنيكسون ليلة وصوله إلى بكين راح يبدي حرصه على أن يكون كأسه في نفس مستوى كأس الضيف قبل أن يقرعهما سويا.في حين أن شواين لاي ـ وفق الدبلوماسية الصينية - كان يبدي حرصه على أن يكون كأسه أقل مستوى من مستوى الضيوف الآخرين في دلالة على الإحترام، غير أنه مع نيكسون لم يكن يريد أن يظهر أنه في موضع الساعي إلى التقارب مع واشنطن، وكذلك لم يرد أن يبدو كمن يتقبل ذلك على مضض وبمعنى آخر.
كان لاي يريد أن يبدو محايدا دون حرص على إظهار ما يمكن أن يفهم أنه نوع من دفء العلاقة أو برودها.. كان يريد أن يبقي مشاعره وموقفه على الحياد. ورغم أن الأمور سارت على نحو أثبت صحة رؤية شواين لاي، غير أن حذره ذاك لم ينفعه من غيرة ماو وطبيعته الإنتقامية.
كفاءة الأداء
فشواين لاي يكاد على مدى عقود من تقاربه وتعامله مع ماو ألا يكون ارتكب خطأ وقد كان ذلك مفتاح نجاحه المستمر وبشكل خاص خلال أوقات الإضطرابات. ولعله مما ساعد لاي على ذلك خبرته الحياتية فكطالب في التمثيل كان يعرف كيف يجيد أداء الدور الذي يقوم به. لقد كان شواين لاي على مدى سنوات يؤدي دورا مهما كـ «خادم» لماو غير ممكن الاستغناء عنه وبشكل كفء.
كان شواين لاي يعرف كيف يصلح ما أفسده ماو أو بتعبير المؤلف إصلاح الأشياء التي كسرها ماو من وقت لآخر. على مستوى من المستويات كان ماو يكره خادمه، والذي كان يعرف بإخلاصه على نحو بدا غير مفهوم، ولعله من هنا يمكن تفسير سلوك ماو ـ وفق المؤلف ـ في انتهاز أية لحظة لإهانة لاي في ضوء معرفته بطبيعته وأنه لن يتمرد عليه بأي حال من الأحوال، وإشعاره في الوقت نفسه بأنه في مرتبة أقل.
ورغم ذلك فإن لاي لم ينل من جانب آخر سوى حسد ماو وحرصه عليه في الوقت ذاته.. لقد كان شواين لاي أستاذا في التكتيك.. الصفة التي على أساسها كرهه ماو، وكذلك الصفة التي من أجلها اعتمد عليه بشكل أكبر من أي أشخاص آخرين. كان لاي يعرف نهج وأسلوب تفكير ماو حتى أنه كان يمكن له أن يدرك ما يفكر فيه في التو واللحظة.
في حديثه عن التقارب الصيني مع واشنطن يبالغ المؤلف في وصفه لدور شواين لاي فيشير إلى أنه حتى أنه قبل أن يستقر تفكير ماو على أنه قد يحتاج إلى لعب الورقة الأميركية وفي ضوء قراءة شواين لاي لهذا التفكير، فإنه بدأ إعداد الطريق لهذه الخطوة.
هنا يستعرض جانبا من الأعمال التي قام بها شواين لاي مبكرا ومنذ عام 1946 فترة التطاحن بين الوطنيين بقيادة تشاي كاي تشيك والشيوعيين بقيادة ماو. كما يستعرض في إطار التمهيد لهذه المصالحة أبعاد العداء بين الولايات المتحدة والصين والتي كانت الحرب الكورية أحد أبرز أسبابها رغم أنها انتهت حسبما يذكر بخسارة كبيرة للطرفين فيما يمكن اعتبارها انتهت بنصر للاتحاد السوفييتي الذي استطاع أن يضرب عصفورين بحجر واحد تمثل في التأثيرات السلبية للحرب على الصين والولايات المتحدة في وقت واحد.
وهنا يشير المؤلف إلى أن العلاقات الصينية السوفييتية بدأت في التدهور خلال حكم نيكيتا خروتشوف ومع نهاية الستينات طال هذا التدهور كل شيء باستثناء العلاقات الرسمية. كما بدأت نزاعات حدودية في الظهور، وهو ما كان يعني أن على الصين أن تعيد صياغة سياستها الخارجية للتكيف مع هذه التطورات. كانت تلك قراءة شواين لاي وكان تصوره أن ماو هو الشخص الوحيد القادر على إحداث ذلك التحول.
وعلى هذا انطلقت فكرة التحرك نحو التقارب مع الولايات المتحدة من أن الصراع الأميركي الروسي يوازي في شدته الصراع السوفييتي الصيني وكانت النتيجة التي خلصا إليها ـ ماو وشواين لاي ـ من ذلك أن حربا تقوم على التحالف بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ضد الصين تعتبر غير واردة، وعلى هذا الأساس أعطى ماو موافقته على لقاء على مستوى السفراء مع الولايات المتحدة في وارسو.
كان تفكير ماو أن الصين في حرب مع الاتحاد السوفييتي وأنه على الولايات المتحدة القيام بالخطوة التالية. كان ينطلق في ذلك من إطلاق الخصوم على قتال بعضهم أو «البرابرة» على «البرابرة الآخرين» حسبما ما قامت عليه استراتيجية الحكام الصينيين القدامى ومن هنا كان اتجاه ماو لإقامة علاقات مع الولايات المتحدة للتعاطي على هذه الخلفية مع الاتحاد السوفييتي.
ومع ذلك يذكر المؤلف أن ذلك لم يكن الدافع الوحيد لماو في تحركه. فقد كان الوقت هو نهاية الستينات وكانت سلبيات الثورة الثقافية التي أطلقها قد بدأت تظهر وكان ماو نجح في القضاء على الموالين للسوفييت في الحزب الشيوعي الصيني ومع ذلك فقد كان يخشى أعداءه. كان يرى إمكانية لغزو سوفييتي للصين ينتهي بعودة كل من أزاحهم عن الطريق وعلى ذلك كان تفكيره بأن يلعب بـ «الورقة الأميركية». وعلى هذا بدأت مظاهر التهدئة بين البلدين.
وقد تواصلت جهود شواين لاي على الصعيد الدبلوماسي من أجل تحقيق هذا الهدف.. لقد راح يلمح للسفير الباكستاني في بكين بأن الولايات المتحدة يجب عليها أن تتخذ خطوات أكثر لتدشين العلاقات مع الصين.
كان لذلك صداه على الجانب الأميركي حيث راح الرئيس نيكسون يعلن أمام الكونجرس في 18 فبراير 1970 في تقرير بشأن السياسة الخارجية بأن الصين تعتبر شعبا عظيما وحيويا.
وهنا يذكر المؤلف أنه من مفارقات الأحداث أن يلعب شواين لاي الذي كان يحظى برفض أميركي دورا حيويا في التقارب بين البلدين. لقد اشتهر لاي بدوره الكبير في محادثات جنيف 1954 التي أنهت الحرب الهندية الصينية. وخلال تلك المحادثات وجه وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس نائبه بعدم مصافحة لاي، غير أن نائبه والتر سميث لم يجد أمامه بد، ليس فقط من مصافحة لاي، بل والربت على يديه بحميمية.
كسر جبل الجليد
وفيما يشير إلى الدور الحيوي الذي لعبه شواين لاي في المصالحة الأميركية الصينية يذكر المؤلف في تركيز على دلالات الأشياء أنه على هذا الصعيد وفيما كانت محادثات وارسو تتواصل خلال اللقاء رقم 136 فإن شواين لاي أمر بتغيير أساسي في وثيقة المفاوضات حيث عبر الصينيون عن «ترحيبهم باستقبال» وفد أميركي.
كان ذلك يعتبر تحولا جوهريا عن الكلمة التي كانت مقترحة والتي كانت تشير إلى أن الصين «ترحب بأن تأخذ في الإعتبار» إتمام تلك الخطوة. لقد راح شواين لاي يقترح أن كلمة تستقبل تعتبر أقل وضوحا وحرارة من الترحيب ولكنها أكثر دلالة من تعبير «تأخذ في الإعتبار». كان هذا التحول في الكلمات يعتبر بمثابة كسر لجبل الجليد بين البلدين، ومن هذه النقطة بدأ الجانبان ـ الولايات المتحدة والصين ـ في التقارب في علاقاتهما الاستراتيجية على أسس جيوسياسية جديدة.
وقد عطل الإنقلاب العسكري الذي وقع في كمبوديا ضد الأمير سيهانوك من تطور العلاقات بين البلدين لمدة عام حيث ساورت الصين شكوكا بشأن نوايا الولايات المتحدة في جنوب شرق آسيا. وبدا ذلك في تعلية ماو نبرته ضد الإمبريالية حيث أمر بتعليق اللقاء رقم 137 بين البلدين في وارسو ودعا لاجتماع جماهيري حاشد شهده نصف مليون شخص في بكين وكانت صرخة الحرب خلاله من قبل ماو فيما عرف «اعلان مايو رقم عشرين» دعا خلاله الجماهير إلى التوحد من أجل محاربة الإمبريالية الأميركية وكلابها. لم يكن أمام شواين لاي وقتها سوى مسايرة ماو في موقفه وإن عمل في الوقت ذاته على الحفاظ على مسار المحادثات الصينية الأميركية قائما بشكل أو بآخر.
كتاب- شواين لاي آخرالثوارالمحترمين-الحلقة(3)
مساعي شواين لاي للعيش في جلباب ماو
حسب المؤلف كان هناك شيء واحد واضح في ظل تلك التطورات وهو أن ماو ونيكسون أخذا على عاتقهما هدف المصالحة. ومن الخطوات التي قام بها نيكسون على هذا الصعيد ما أسر به لرئيس باكستان يحيي خان في ذلك الوقت وتشاوشيسكو رئيس رومانيا برغبته في إرسال مبعوث أميركي إلى الصين وكان من بين الدلالات الهامة التي يشير إليها المؤلف كذلك حديثه عن الصين هذه المرة باسمها الرسمي وليس الصين الحمراء كما كان يطلق الأميركيون عليها.
انفتاح أميركي
ورغم ذلك كان تفكير ماو مختلفا بعض الشئ رغم ما بدا من انفتاح أميركي. لقد كان يريد أن يبدو وكأن الصينيين أصحاب اليد العليا وأن الأميركيين هم الذين أتوا إليهم يقرعون أبوابهم طلبا للسلام. كان ماو يعتقد أن تلك هي الطريقة الوحيدة التي تضمن له حفظ ماء الوجه في التراجع عن السياسات العدائية التي كان النظام الشيوعي يعلنها في مواجهة الولايات المتحدة ولضمان تسويق هذا التوجه ـ بالتقارب مع الولايات المتحدة ـ سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي.
وقد كان من بين القضايا التي ألحت الصين على بحثها لتحقيق هدف التقارب مناقشة وضع تايوان التي تقع تحت سيطرة الوطنيين فيما تعلن بكين أنها جزء من أراضيها.
وعلى هذا يشير المؤلف إلى أن زيارة نيكسون للصين وتدشين العلاقات الدبلوماسية بين البلدين كان يعتبر النجاح الأساسي الذي حققه شواين لاي خلال حياته. لقد وصل به إلى الذروة على الساحة العالمية وجرى الاعتراف به على الصعيد الدولي كرجل دولة من الطراز الأول. ومع ذلك فإن شواين لاي كان مدركا لدوره كخادم لماو.
وكان من بين المواقف التي تثير الدهشة في هذا الخصوص أنه انتقد بشدة موقف وكالة الأنباء الصينية حين وزعت امتداح الصحافة العالمية لدوره. كان شواين لاي يحرص دوما على أن يكون ماو في الصورة، خاصة في تلك اللحظة التي تعكس انتصاره الشخصي.. في اللحظة التي لم تكن أسهم ماو فيها عالية.
نافذة أمل
وإذا كانت الثورة الثقافية مزقت أوصال البلاد فإن الدبلوماسية الجديدة فتحت نافذة للأمل أمام النظام الشيوعي بقيادة ماو. غير أن الظروف لم تكن مهيأة تماما لذلك التطور فإثر عدد من الأحداث السلبية التي جرت في تلك الفترة ومع اقتراب زيارة نيكسون للصين شعر ماو بوطأة المرض وجراء تأثر مركزه من تبعات الثورة الثقافية فقد رفض تلقي العلاج بشكل أدى إلى دخوله في غيبوبة. كان ذلك التطور فوق ما يمكن أن يتصوره شواين لاي، غير أنه لحسن الحظ، قبل ماو في أواخر يناير وقبل نحو ثلاثة أسابيع من الزيارة التخلي عن موقفه ووافق على تلقي العلاج.
غيبوبة ماو
لقد راح شواين لاي يلح على الأطباء بأن زيارة الرئيس الأميركي قد اقتربت حاثا إياهم على علاج الرئيس والتأكد من أن حالته ستسمح له باستقبال الضيف. وهو ما تحقق بالفعل حيث استقبل ماو نيكسون في وقت متأخر من وصوله يوم 21 فبراير يرافقه هنري كيسنغر وونستون لورد السفير المقبل للولايات المتحدة في بكين. استغرق اللقاء نحو الساعة.
كانت نتيجة الزيارة بيان شنغهاي والذي بمقتضاه اعترفت الولايات المتحدة بالصين. كان البيان من نتاج تفكير شواين لاي الذي حرص على أن يبدو كل طرف وكأنه حقق مكسبا. ومرة أخرى يتم تحجيم دور شواين لاي كخادم حيث يشير دوما لماو.
أنه يعمل بلا تعب، على ما يبدو لنحو 14 أو 15 ساعة يوميا من اجل تحقيق نجاح السيد وفي قيامه بذلك فإن نجمه يأفل. وقد استطاع نيكسون أن يلمس هذه الحقيقة عندما قال أن شواين لاي كان رجلا عظيما من النادر أن نصادف مثله في القرن العشرين ومع ذلك فقد كان عليه ان يعيش في ظل ماو دائما حريص على أن يدع الأضواء تسلط على ماو.
وينتهي المؤلف إلى تقرير نتيجة عجيبة يقول من خلالها أن هناك ما يمكن اعتباره ازدواجية عجيبة نجمت عن سياسة الإمحاء الذاتي من قبل شواين لاي. فقد أصبح مصطلح «دبلوماسية شواين لاي» مصطلحا عالميا بين الصحافيين والمؤرخين ويستخدم لشرح النصر الدبلوماسي الصيني.
ورغم أن نجم شواين لاي يلمع في الأفاق الدولية بفعل دوره في هذا التقارب، فإن النصر الذي عكسه بيان شنغهاي المشترك والذي صدر بين الصين والولايات المتحدة في نهاية زيارة نيكسون وضع اللمسة النهائية لعبقرية شواين لاي ونجوميته كما كان كذلك في الوقت ذاته بمثابة قبلة الموت.
مسيرة الثورة الصينية
من هذا الجانب ينقلنا المؤلف في سياحة أخرى على جانب من حياة شواين لاي ودوره في مسيرة الثورة الصينية خلال مراحلها المبكرة وصولا إلى حقبة الستينات.
وفي هذا الخصوص يذكر المؤلف أن الجيش الأحمر نجح في التصدي في ظل قيادة ماو له لثلاث محاولات من قبل تشاي كاي تشيك لتقويض الثورة الشيوعية وإثر تلك الهزائم المتوالية قرر الأخير الإعداد جيدا لمحاولة رابعة في المناطق المركزية مع الإتحاد السوفييتي متبعا استراتيجية جديدة تتجنب الأخطاء التي وقعت فيها قواته في المرات السابقة. وقد تم إسناد قيادة العمليات للقوات الشيوعية إلى شواين لاي الذي تنقصه الخبرة في هذا المجال إلى حد كبير لقيادة قوات تقدر بنحو نصف مليون جندي.
في تلك الأثناء كاد شواين لاي أن يتعرض لمحنة كبيرة حيث عبر أعضاء المكتب السياسي إثر عودتهم من مؤتمر نينجدو عن شكهم في شواين لاي إلى وانج رجل ستالين في الصين والحليف المخلص لموسكو والذي كان ينافس ماو على زعامة الحزب الشيوعي. لقد راحوا يتهمونه بعدم الإستقرار في مواقفه خلال الصراع السياسي باعتبار ذلك نقطة ضعفه. كان الهدف من ذلك في ظل الصراع الذي كان قائما على السلطة في الحزب الشيوعي الصيني آنذاك هو إحراج لاي والمحاولة بالإشارة إلى ولائه لماو الذي لم يكن قد أحكم قبضته على الأمور بعد.
وردا على ذلك اعترف شواين لاي بأنه بالفعل لا يبدي حماسا لانتقاد ماو لكنه أبدى عدم اتفاقه مع مقولة عدم وضوحه في خطه السياسي. وراح يشرح أسبابه في الحفاظ على ماو قريبا من السياسة العسكرية بدعوى سنوات خبرته في العمل في جبهات القتال واستطاع أن يحوز ثقة قيادة شنغهاي.
وهنا يشار إلى أن الأمور لم تستتب لماو سوى في مرحلة متأخرة من الثورة حيث أنه سبق إبعاده في إطار الصراع داخل الحزب الشيوعي عام 1927 وحرمانه من التصويت بالحزب على يد تشين توسيو والذي أبعد هو ذاته فيما بعد. وقد انتخب ماو فيما بعد ذلك رئيسا للجمهورية السوفييتية الصينية عام 1931 خلال المؤتمر الأول للسوفييت الصينيين.
مواجهة حملات كاي تشيك
المهم أن شواين كسب المعركة السياسية وبقي أمامه كسب المعركة العسكرية مع قوات تشاي كاي تشيك. وقد اتبع لاي سياسة عسكرية خاصة به مخالفا تلك التي تم إقرارها من قبل اللجنة الشيوعية. ووفقا لرؤية ماو وتمكن بالفعل من القضاء على التهديد الذي كانت تمثله قوات كاي تشيك الأمر الذي رفع أسهمه عاليا في السماء وقد منحته اللجنة الشيوعية ميدالية عسكرية هي النجم الأحمر تقديرا على نجاحه.
ومن المفارقات التي يشير إليها المؤلف أن انتصار شواين لاي على الوطنيين يبدو أنه أنهى أي أمل لماو في العودة إلى الدور القيادي لما يعرف كل شخص بأنه مركز قوة الحزب الشيوعي الصيني: الجيش الأحمر. فقد انتهت الحملات الأربع التي شنها كاي تشيك بدعم انتصارات الجيش الأحمر والذي تمكن من الحصول على ذخائر وأسلحة من القوات الحكومية المنسحبة.
في تلك الأثناء حافظ شواين لاي على مسافة بينه وبين ماو وأعطاه في النهاية ظهره وبدأ يحول ولاءه إلى وانغ مينغ وزمرته ولهذا فإن ماو لن يغفر ذلك الموقف لشواين لاي. من جانبه فإن لاي أعرب عن أسفه على أفعاله تجاه الرجل الذي أصبح فيما بعد رئيس الحزب الذي يقود كل الصين.
غير أن الأمور لم تسر على هذا النحو بالنسبة لشواين لاي حيث أنه خلال نحو العام عمل كاي تشيك على تنظيم حملة خامسة استعان خلالها بقوات كبيرة وبضباط ألمان وأوصى هؤلاء بإنشاء خطوط دفاعية محصنة على غرار تحصينات خط ماجينو لقطع الطريق أمام الجيش الأحمر الذي لقي هزيمة منكرة أدت إلى تراجع وضع شواين لاي نظرا للخسائر الكبيرة التي لحقت بالقوات الشيوعية لقد أطاحت هذه المعركة بشواين لاي إزاء الخسائر التي لحقت بالقوات الشيوعية حيث التحق فيما بعد بماو. ومع حلول أكتوبر 1934 اشتدت حدة المعركة إلى أن انتهت، بهزيمة ساحقة للقوات الشيوعية التي خسرت مع يناير 1935 أكثر من خمسين ألفا من عناصرها.
غير أن المؤلف يشير إلى ما يعتبره براعة شواين لاي الذي سيولد النصر ولكن لرئيسه ماو من رحم هذه الهزيمة المريعة التي لحقت بالقوات الشيوعية، ويمهد الطريق أمامه للقيادة، في رد فعل على تنحيته من قبل زعامة الحزب الموالية للسوفييت.
كتاب- شواين لاي.. آخر الثوار المحترمين (4)
الثورة الثقافية عكست صراعاً عنيفاً على السلطة
نتابع مع المؤلف في هذا الجزء من الكتاب جانبا من تفاصيل الدور الذي لعبه شواين لاي فيما يمكن اعتباره المرحلة التأسيسية للثورة الصينية التي توج ماو بمقتضاها كزعيم للحزب الشيوعي الصيني والبلاد. فإثر الهزيمة المنكرة التي لحقت بقوات الجيش الأحمر على يد قوات الحكومة المركزية بدا أن الأمور تتجه لإنتهاء نفوذ ماو غير أن شواين لاي عمل على إخراجه من هذا الوضع.
لقد جرى عقد اجتماع في حضره كافة القيادات الشيوعية العسكرية والسياسية لمناقشة الهزيمة التي لحقت بقوات الجيش الأحمر وكان الاتجاه إلقاء اللوم على القادة الذين خاضوا العمليات وهم شواين لاي وبو جو ولي دي. في مواجهة هذا الموقف راح شواين لاي يقدم استقالته واضعا مسافة بينه وبين القائدين الآخرين فيما كان يعرف بالترويكا التي قادت المعركة مشيرا إلى أنه كان أحد الأشخاص الذين وضعوا الثورة فوق كل مصالحهم وعلى ذلك منحته القيادة العليا ثقتها فيما تم إزاحة القائدين الآخرين بو جو ولي دي من مناصبهم العسكرية.
يمكن للقارئ استيعاب هذه التطورات في ضوء معرفة طبيعة الأوضاع في الصين في تلك الفترة حيث كانت تسيطر حكومة تشاي كاي تشيك تسيطر على العاصمة بكين وعدد من المناطق المحيطة بها، غير أن بقية الصين حكمها أمراء حرب متنازعون ولم تتعد أراضي الكثير منهم، وفق بعض الروايات، أكثر من بضعة كيلومترات.
وفي المناطق التي كان أمراء الحرب فيها ضعفاء أو منقسمين على أنفسهم أو حيث كانت التربة فقيرة جدا بحيث لا يمكن استدرار أي ربح منها كان ممكنا أن تعيش «المناطق المحررة»، حيث كانت تلك المناطق عبارة عن مناطق جبلية كثيرة يمكن فيها الهروب من حكم المسؤولين وملاك الأراضي المحليين.
ووفق ما تذهب إليه بعض الروايات لتلك الفترة من تاريخ الصين فإن المناطق المحررة التي كانت تتعرض لتهديد القوات الحكومية على نحو قلص منها وأدى إلى ما عرف بالمسيرة الطويلة، وهى المسيرة التي تؤكد المصادر التاريخية أنها لم يجر التخطيط لها، حيث أنه إزاء الهزيمة الكبيرة في الحملة الخامسة لقوات تشاي كاي تشيك التي أشرنا إليها كان الأمل الوحيد لقوات الجيش الأحمر إعادة الاستقرار في منطقة أكثر أمانا.
ولكن كلما تعرضت المسيرة للهجوم المستمر من قوات كاي تشيك كلما اضطرت للتوغل أعمق فاعمق في احراش الصين الغربية. ومع وصول المسيرة الطويلة إلى شانكس بدأ ماو في وضع هدف أخر وهو إقامة جبهة متحدة ضد اليابان وهنا حولت الحرب ضد اليابانيين الحزب الشيوعي إلى قوة قادرة على المنافسة على السلطة.
صلة غامضة
هنا وفي عودة إلى دور شواين لاي يقول المؤلف أنه حتى وفاة ماو في سبتمبر عام 1976 فإن قصة العلاقة التي ربطت بينه وبين شواين لاي كما تطورات في مؤتمر زوناي بقيت من أسرار الدولة، حيث جرى تسجيل وقائع ذلك المؤتمر الحرج في وثيقة تمثل تقريرا ملخصا عن المؤتمر الموسع للمكتب السياسي في مؤتمر زوناي جرى إعداده من قبل شين يون الذي أصبح فيما بعد أحد كبار الاقتصاديين الصينيين وتسجل الوثيقة التغييرات الرئيسية التي أقرها الحزب في المؤتمر ومنها انتخاب ماو على رأس المكتب السياسي. كما كان من بين قرارات المؤتمر كذلك الإبقاء على شواين لاي في المستويات العليا لبنية القيادة.
يذكر المؤلف أن هذا الوضع يعكس الرؤية التي كان شواين لاي يحاول تطبيقها خلال مواجهة الحملات التي شنها تشاي كاي تشيك وتتمثل في أن يكون ماو القائد العسكري مع استعادة سلطته النهائية. كانت تحركات لاي في هذا الخصوص تنطلق من إدراكه، وهو المنطق ذاته الذي كان سائدا في الحزب، أن ماو هو القائد الوحيد للجيش الأحمر الذي يمكن أن يحقق النجاح. لقد كانوا في حاجة إلى حكمة ماو العسكرية غير أنه لم يكن هناك أحد في القيادة يريد أن يعطي ماو مزيد من القوة السياسية .
وكان شواين لاي كذلك يدرك أنه إذا بالفعل تحالف مع الآخرين من منافسي ماو، فإن هذا الأخير، ربما يتمكن من مواجهة هذا التحالف. ويخلص المؤلف إلى القول أن رؤية شواين لاي السياسية العميقة أنقذت الحزب فقد كان يعرف ما كان يقوم به وتحمل اللوم عن مسؤولية الفشل خلال الحملات الخمس منقذا بذلك مرة أخرى وجه الحزب ولكن شواين لاي أيضا حصل على ما كان يريد.. المساعدة في الحفاظ على وضعه وبقائه قريبا من ماوتسي تونغ.
وقد تواصل الأمر حتى اندلاع الثورة في عام 1949، ذلك أنه بحلول عام 1945 كان أكثر من 10% من الصين في أيدي الجيش الأحمر بينما كانت عصابات الحزب الشيوعي تقوم بالعمليات على مساحات أوسع من ذلك بكثير وجاءت الحرب الأهلية التي اندلعت فور الإنتصار على اليابان تمثل تطورا غير متكافئ تماما.
فعلى الرغم من الكميات الضخمة من الأسلحة الأميركية توالت هزائم قوات الحكومة المركزية بشكل مضطرد وهب عشرات الآلاف من جنودها إلى قوات الجيش الأحمر واستمرت الحرب ثلاث سنوات أساسا بسبب المسافات الضخمة التي كان يجب على الجيش الأحمر أن يغطيها. وفي النهاية فإنه مع حلول 1949 اعترف تشاي كاي تشيك بالهزيمة وهرب إلى تايوان وأصبح ماو سيد الصين.
إقصاء شاو تشي
يضعنا المؤلف في جانب من الصراعات التي خاضها ماو تسي تونغ على السلطة بعد ذلك ونجح خلال أغلب مراحلها في إبعاد منافسيه ومنهم ليو شاو تشي والذي اعتبره ماو من منافسيه. وكان تشاوتشي احد الأعضاء الأول في الحزب الشيوعي الصيني، حيث انضم للحزب عام 1921 بعد قليل من تأسيسه. وفي السنوات التالية شغل العديد من المناصب الهامة في الحزب.
وانتخب ليو بعد ذلك نائبا لرئيس لحكومة الشعب المركزية في سبتمبر عام 1949، قبل تأسيس الصين الجديدة مباشرة. وبعد ذلك انتخب رئيسا للجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصين. وفي ابريل 1959، انتخب رئيسا لجمهورية الصين الشعبية. كما عمل ماو على القضاء على المكانة التي كان يحظى بها مساعدي تشاوتشي ومع ذلك فقد كان يدرك أن موقعه في الحزب ما زال ضعيفا.
كان ماو يخشى حسبما يذكر المؤلف أن ينجح رئيس الدولة في العودة مرة ثانية. حيث كان قد أدار الحزب الشيوعي لسنوات. وكان تأثيره على أعضاء الحزب وفي المناطق والبلديات يشبه شجرة ضخمة متشعبة في مختلف الاتجاهات. وكان من بين الدلائل على ذلك أنه خلال زيارة لليو لأحد المواقع الرسمية في أغسطس عام 1966 ووجه بصور ماو الضخمة غير أن الجماهير راحت تحييه قائلة يحيا ليو تشاوتشي.
وكان هذا النوع من الاستقبال من ذلك الذي يحظي به ماو فقط. وعلى هذا كان تفكير هذا الأخير أنه إذا لم يتحرك بسرعة فقد يستغل ليو الفرصة ويضرب ضربته. ومن هنا فقد ألقى بحمله على الحرس الأحمر وعمل على تدعيمه ليكون سنده في معركة الصراع على السلطة. وكان ذلك بمثابة إطلاق يد الحرس الأحمر في البلاد بناء على موافقة صريحة وتشجيع من ماو.
مصائب الثورة الثقافية
وقد كان التوجيه الصادر لهم من رئيس الحرس لين بياو الذي عينه ماو هو دمروا الأربعة القدامي:« الأفكار القديمة، الثقافات القديمة، التقاليد القديمة، العادات القديمة. وعلى ذلك راح أفراد الحرس وقد كان عدد كبير منهم من الطلبة صغار السن يطيحون في البلاد ويضربون كبار السن وينهبون المنازل ويقصون كل من كان ذي شعر طويل ويحرقون الكتب.
وأصدر ماو أوامره للجيش ومكتب الأمن العام بعدم التدخل على الإطلاق. لقد هاجم أفراد الحرس الأحمر كل شئ في طريقهم وكان من بين أهدافهم الخاصة ما يسمون بالعناصر السوداء في الحزب المحلي والحكومة أو اتباع ليو تشاوتشي. وحيثما وجدت عناصر مؤيدة لليو مارس الحرس الأحمر بشكل تلقائي العنف ضدهم. وقد أدت هذه الحركة العنيفة بالحرس الأحمر إلى توليد مقاومة محلية.
ويكشف ذلك الحقيقة التي يؤكد عليها الكثيرون وتتمثل في ان ما وصف بالثورة الثقافية التي اطلقها ماو إنما كانت جزءا من صراع على السلطة عنيف ودموي داخل الطبقة الحاكمة اعتقل خلاله وسجن فيه الملايين ومات مئات الألوف ونقل ماو الصراع للشوارع لسبب بسيط هو أنه لو تم قصر النزاع على الطبقة الحاكمة لكان خسر المعركة.
كان ذلك التطور الخاص بالحرس الأحمر مصدر قلق كبير بالنسبة لشواين لاي الذي كانت مهامه الرسمية أقرب إلى المهام الروتينية. ورغم أنه صوت بالموافقة على قرار الحزب بإطلاق الثورة الثقافية فإنه كان يعارض بشدة أفعال الحرس الأحمر. وكان لاي يخشي من أنه إذا لم يتم السيطرة على حالة الفوضى فإن الأوضاع في البلاد يمكن أن تخرج تماما عن السيطرة. كان لاي يعرف أيضا أن الفوضي العظيمة كانت سياسة متعمدة من قبل ماو وفي الوقت ذاته يدرك أنه لا يمكنه مراجعة سياسته التي التزمها على مدى طويل بتجنب الصدام مع الرئيس. وعلى هذا قرر أن ينتهز اللحظة ويتصرف بشكل تكتيكي بالغ الدقة.
لقد لاحت تلك الفرصة بشكل سريع ولم يدم الوقت طويلا في انتظارها فخلال حملاته التي شنها الحرس الأحمر كان من بين ضحاياه أفراد من الرابطة الديمقراطية غير الشيوعية الأكبر من بين ما الأحزاب التي تدور في فلك الحزب الشيوعي وعلى الرغم من عدم قوتها فقد كان قد جرى السماح لها بالتواجد كجزء من الجبهة المتحدة للحزب الشيوعي وإستراتيجيته، حيث ساند أعضاء هذه الأحزاب الشيوعيين في الحرب الأهلية التي كانت قد جرت بين 1946 و1949 وساهموا في هزيمة الوطنيين.
كتاب- شواين لاي.. آخر الثوار المحترمين-الحلقة(5)
شواين لاي في مهب المتاعب بين سيدتين
في محاولة لتفسير طبيعة شخصية شواين لاي يحاول المؤلف أن يقدم لنا جانبا من مواقفه التي تشير إلى أنه لم يكن مساندا لماو على الدوام، وإنما كان يحاول مسايرة الأوضاع في الصين آنذاك في حدود الممكن. وعلى ذلك فإن جاو وينكيان يذكر أنه فيما كان لاي رافضا للثورة الثقافية التي أطلقها ماو، إلا أنه لم يعلن عن ذلك صراحة وإنما عمل على تقويضها من الداخل، إذا صح التعبير، وهو الأمر الذي لا يعفيه من المسؤولية في ضوء الآثار الكارثية التي لحقت بالصين جراء هذه الثورة وممارساتها بالغة السلبية.
ونتابع مع المؤلف في هذه الحلقة جانبا من الجهود التي بذلها لاي في سبيل تحقيق رؤيته القائمة على حماية الشعب من عمليات السلب والنهب والقمع التي تعرض لها على يد الحرس الأحمر الذي راح ينفذ أوامر ماو وفق رؤيته دون رادع أو قانون، في ضوء أن الزعيم أعطى الضوء الأخضر لهذه الممارسات. وقد لاحت أول الفرص لشواين لاي لتحقيق هدفه إزاء اتساع نطاق ضحايا الحرس الأحمر.
كان من ضحايا تلك الهجمات مفكر سياسي لامع يدعي زهانج شيزهاو ينحدر من المنطقة التي ولد فيها ماو وهي هونان وكان له علاقات قوية مع الرئيس. وقد كتب إلى ماو يطلب منه المساعدة في وقف ممارسات الحرس الأحمر، وقد وصف زهانج بالتفصيل كيف نهب الحرس بيته. وعندما قرأ ماو هذه الرسالة حولها إلى رئيس الوزراء شواين لاي ودعاه إلى التصرف على الوجه الذي يراه مناسبا وأن يقدم الحماية اللازمة لزهانج. واعتبر لاي الأمر موافقة من ماو على عقاب من قاموا بهذه الأعمال ولم يشأ أن يفوت الفرصة.
وعلى الفور قرر أن يوفر الحماية لزهانج شيزهاو من الحرس الأحمر، كما عمل على إعداد قائمة بآخرين من أعضاء الرابطة الديمقراطية الذين ينبغي حمايتهم ومنهم سونغ كينكلينغ أرملة صن يات صن منشئ الجمهورية الصينية، قائد جيش الوطنيين الذي انشق وانضم لصفوف الشيوعيين وسلم بكين سلميا لهم عام 1949، ولي زونجرين الرئيس الفعلي للجمهورية الصينية في 1949 بعد أن فر تشاي كاي تشيك إلى تايوان والذي سلم الصين إلى الشيوعيين.
حماية المسؤولين السابقين
وقد مد لاي نطاق الحماية لتشمل كذلك الزعماء الحزبيينٍّ والحكوميين. وبمقتضى الإجراءات التي قام بها لاي تم السماح للبعض من هؤلاء بمغادرة منازلهم مؤقتا فيما سمح للبعض الآخر بالذهاب إلى المستشفي والحصول على إجازة مرضية بينما أرسل البعض خارج المدن للتعافي، كما جرى تزويد آخرين بحراس تم إيقافهم أمام منازلهم بأوامر بعدم تعرض الحرس الأحمر لهم.
من بين هؤلاء جميعا فإن سونغ كينغلينغ مثلت مشكلة لشواين لاي. ففي السنوات الأولي للجمهورية الشعبية كانت عضوة غير شيوعية في المؤتمر الشعبي السياسي الصيني وهو غير ذي نفوذ ولكنه يبدو كناصح رمزي أو لجنة تتمتع بتأثير معنوي على قيادة الحزب. وقد أرسل ماو زوجته جيانغ جينغ، لزيارة سونغ في بداية الثورة الثقافية لكي تشرح لها الأبعاد التي على أساسها قرر إطلاق هذه الثورة.
غير أن سونغ لم تتجاهل فقط جيانغ ولكنها انتقدت علنا الحرس الأحمر بسبب الأذى الذي ألحقه بالناس الأبرياء. وقد شعر ماو بالاستياء إزاء هذا الموقف والمعاملة التي رأى أنها سيئة لزوجته وتصل حد الإهانة. كان من نتيجة ذلك أن وجهت زوجة ماو الحرس الأحمر بإلحاق الأذى بسونغ حيث تم الإغارة على منزلها رغم توجيهات شواين لاي. وقد أمروا سونغ العجوز بقص شعر رأسها كما نبشوا قبري والديها في شنغهاي وعبثوا بهما وهو ما أصاب سونغ بصدمة أصيبت على أثرها بالمرض.
تكريم أرملة صن
كان شواين لاي قد طور صداقة قوية مع سونغ على مدى سنوات وهو ما زاد من قلقه وخوفه عليها. وقد كان أيضا تنتابه التخوفات من أن يدخل في تحد مباشر مع جيانغ كينغ التي تعتبر الزعيم الكبير الأنثوي للثورة الثقافية. وعلى ذلك سعى لإقناع سونغ بترك شنغهاي والانتقال إلى بكين من أجل توفير الحماية لها كما دعا السلطات إلى حمايتها وبذل كل طاقته لكف الأذى عنها متسلحا في ذلك بأنها زوجة الزعيم صن يات سين الذي امتدحه ماو بنفسه على دوره في قيام الصين الحديثة.
كما اتخذ لاي خطوة لتوفير وضع أفضل لسونغ عندما أمر حكومة شنغهاي بأن تصلح وتستعيد على الفور ما تم إفساده بالنسبة لقبري والديها وإرسال صور بشكل سريع للقبرين إثر عمليات الإصلاح لإطلاع سونغ عليها. ليس ذلك فقط بل ان لاي استغل حلول الذكرى المئوية لميلاد صن يات سين وأمر بإعادة طبع الأعمال المختارة له كما أصدر الناشر كذلك طبعات جديدة من الأعمال المختارة لسونغ نفسها.
كذلك عمل شواين لاي على أن تكون الأمور تحت السيطرة منذ اللحظة الأولى، حيث سعى بلا كلل لتحسين أيديولوجية الحرس الأحمر وتهدئة لغته وأصدر مجموعة من الأوامر التي تجعل من العمليات التي تتم بمقتضى الثورة الثقافية خفيفة الوطأة على الشعب، ومن ذلك حضهم على ضرورة الحد من عمليات التدمير التي تتم خلال عمليات الإغارة على المنازل.
كما حرص على أن يحضر بنفسه عدد من جلسات المناقشة والمؤتمرات وكذلك على أن يكون قريبا من قيادات الحرس الأحمر ومتابعا لهم. ولم يمل من التأكيد على: «التزموا التزاما صارما بالنظام، حاولوا أن يكون هناك تواصل مع الغالبية وتحاوروا بالكلمات وليس بالعنف».
وإزاء ما رآه من أن الحرس الأحمر كان يسعى لتنفيذ أوامر ماو على نحو يكاد أن يقضي على القيادة حرص على أن يهذب سلوكهم وكان من بين ما قاله للحرس الأحمر أن المرء يجب عليه ألا يطبق دعوة ماو بحرفيتها ويهاجم كل منظمات الدولة والحزب. إنه ليس من المفترض أو المبرر أن يتم ضرب الناس دون تمييز أو أن يتم معاملة القادة كما لو كانوا عناصر سوداء. إن قادة الحكومة والحزب ليسوا كلهم رأسماليين انتهازيين.
جناحا الثورة الثقافية
لقد كان ماو يتابع ويحكم قبضته على مسيرة الثورة الثقافية من خلال ما يمكن وصفه بجناحين الأول عبر المجموعة الثورية المركزية للثورة الثقافية والتي يترأسها شين بودا والذي كان فعليا يقع تحت سيطرة زوجة ماو جيانغ كينغ والثاني هو الحزب المركزي والذي كان يدير أموره شواين لاي وقد بدا الجناحان في حالة تصادم، حيث تتعارض دوما توجهات قادة الجناحين في مواجهة توجهات الطرف الآخر.
وفي ذلك على سبيل المثال كانت جيانغ زوجة ماو حانقة على مواقف شواين لاي وبشكل خاص تجاه سونغ. فعندما وقعت في يدها نسخة من أعمال سونغ كتب عنوانها بخط يد لاي نفسه ألقت بها على الأرض وراحت تدهسها في غيظ، معلنة ضيقها البالغ من أن يقوم لاي بذلك الأمر.
وقد كان ماو نفسه ساخطا كذلك على ما فعله شواين لاي وإن كان بقدر أقل من زوجته، غير أن الموقف بالنسبة له كان يتخذ وضعية مختلفة. فقد كانت التقارير تشير إلى أن الفلاحين والعمال يقومون بهجمات ضد الطلاب الثوريين القائمين على تطبيق الثورة الثقافية وعلى ذلك أصبح مقتنعا بأن الكوادر المحلية ما زالت مخلصة لليو تشاوتشي والذي لا بد أنه أقر الهجمات. أدرك ماو أن ليو لايزال له أتباع في إطار كوادر الحزب والحكومة وعلى ذلك كانت أولويته إزالة هذه الحجر العثرة أمام الثورة كلية.
وسطية مرفوضة
يقول المؤلف في تحديد للسياسة العامة التي يتبعها ماو إنه كان يعود إلى التاريخ لكي يجد الإجابة لديه عما يريده وعلى ذلك فقد تذكر ما اتبعه خلال فترة الأربعينات في موقف مماثل.
وعلى ذلك قرر أن يوجه لليو تهمة اتباع إستراتيجية تخالف خط الحزب الصحيح. وكان ذلك يكفل له انفضاض الآخرين من حوله وإضعاف موقفه. وسط كل ذلك فقد كان شواين لاي يرى أن ذلك قد يعني توسيع نطاق الثورة الثقافية بما يعنيه من تزايد نطاق الهجمات على المدنيين وإطلاق الاتهامات وهو ما يدخل الحركة في حفرة سوداء عميقة لا نهاية لها.
غير أنه وهنا تبدو مشكلة لاي حاول أن يتخذ موقفا وسطا في قضية من الصعب اتخاذ موقف وسط بشأنها فالأمر إما مع أو ضد وفق السياق الذي يشير إليه المؤلف ويبدو هنا حنقه عليه وانتقاده الشديد له، فلاي حسب المؤلف، أمر الكوادر الحزبية بأن تحاول التعاون مع هذا التوجيه من قبل القائد وراح يسوق في ذلك كلاما يبدو لا معنى له يصفه المؤلف بالحديث الأحمق في محاولة لتقديم موقفه.
ومن ذلك مثلا قوله: «إنه من دواعي فخرنا وسعادتنا أن نعيش في مثل هذه الأوقات المفعمة بالنصر وأن نشارك في مثل هذه المعركة الكبرى. وراح يضيف يجب أن نرفع كل صور ماو». والنتيجة التي يخلص إليها المؤلف أنه رغم أن لاي كان ضد الثورة الثقافية على طول الخط فإنه لم يستطع أن يعلن صراحة موقفه وراح يتبع ماو وسياساته.
غير أن المؤلف يوضح أن لاي كان يبدو ملتاعا بشأن الدور المزدوج الذي يلعبه في الثورة الثقافية. وفي ذلك يذكر أن لاي كثيرا ما أشار خلال الثورة الثقافية إلى أنه «ملتزم بأداء واجبه حتى وفاته». وعقب وفاة لاي في 1976 فإن هذه الجملة كثيرا ما جرى الاستشهاد بها باعتبارها التعبير الحقيقي بشأن شخصيته الحقيقية حيث تعكس النزاع الداخلي الذي كان يجري داخله.
فمن ناحية كان يعرف أن ماو يجر الدولة إلى فوضي وكارثة غير مسبوقين ومع ذلك استمر في متابعة موقفه الذي التزم به وهو عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الرئيس. من ناحية أخرى فإن ضميره الشخصي كان يحثه على ما يمكنه القيام به من أجل انقاذ الدولة. وعلى ذلك يفسر المؤلف موقفه بأنه ربما جاء في إطار ما قام به وجرى استعراضه في السطور السابقة كان يحاول القيام بما يراه نوع من التوازن النفسي بين نوعين من الالتزامين المتعارضين.
كتاب- شواين لاي..آخر الثوار المحترمين (الأخيرة)
شواين لاي ظل بعد رحيله مصدر قلق لماو
يقدم لنا المؤلف صورة بالغة المأساوية بشأن وفاة شواين لاي في ضوء التأثير الذي خلفه في حياة الصينيين. وحسبه فإن وفاة شواين لاي كان لها تأثير كبير على الموقف في الصين حيث غرقت الأمة بكاملها في بحر من الحزن ونفذت من الأسواق ملابس الحداد السوداء. وقد شعر كل صيني بشعور كبير بالخسارة عندما توفي رئيس وزرائهم الذي تولي المهمة لفترة طويلة.
وقد أصبح الناس في حالة قلق بشأن الموقف السياسي في البلاد. حتى الصحافة الوطنية بما فيها صحيفة الشعب اليومية راحت تنعى لاي فيما أصدر ماو منعا مباشر للجريدة من تأبين رئيس الوزراء بشكل واضح.
وإثر إعلان الوفاة تجمع سكان بكين في ميدان تيان آن مين في قلب العاصمة لكي يؤبنوا لاي ووضعوا باقات زهور تقديرا له أما النصب التذكاري للشهداء. كان الشعب في كل مكان يبكي موت رئيس الوزراء الراحل غير أنهم في ذلك كانوا يبكون كذلك على المصير السياسي المجهول الذي يواجهونه إثر رحيله.
ارتفع مستوى الحزن واللوعة على رحيل لاي إثر معرفة الشعب بأن لاي قرر قبل أن يموت بألا يتم جمع رفاته مع زعماء الحزب المشهورين ما أجج من مشاعر السخط والغضب تجاه الثورة الثقافية والقمع الذي تواصل خلالها.
وعلى هذا فإن وفاة لاي كان لها تأثيرها في تعزيز التأييد لدينغ زياو بينغ الذي كان ماو يسعى لإبعاد عن القيادة، وعقاب جيانج كينغ زوجة ماو وإبداء قدر من التبرم بماو نفسه. وفيما خرجت عربة الدفن التي تحمل جسد لاي تمر بشوارع بكين انتشر ملايين الأفراد خارج منازلهم ومصانعهم ومدارسهم ووقفوا في الجو شديد البرودة يصل حد التجمد. في هذه اللحظة وجد المزاج السياسي للصينيين طريقه للتعبير عن نفسه.
في هذا الجانب يفصل المؤلف في تناول رد فعل ماو على ذلك الخبر في ضوء العلاقة المعقدة التي ربطت بين الشخصيتين فيذكر أنه لدى سماع ماو بوفاة شواين لاي، إنتابه شعور مختلط بالسرور والقلق في الوقت ذاته. لقد شعر ماو بالراحة حيث قلل رحيل لاي الذي كان يعتبر منافسا صعب المراس من شعوره بالخوف الذي كان يتنابه بشأن النظرة التي كان سيتم التعامل معه بها إثر رحيله هو قبل لاي.
ولكن القلق انتابه كذلك من ان روح لاي السياسية كانت موجودة أينما يمكن للمرء أن يذهب في الحزب، وفي الجيش من المركز إلى المستوى المحلي. لقد استطاع رئيس الوزراء أن يجذب الكثير من المريدين والمؤيدين ومن بينهم بشكل أساسي دينغ زياو بينغ الذي تولى القيادة بعد ذلك وحاد عن طريق ماو منخرطا بالصين في الساحة العالمية.
تأثيرات رحيل لاي
وقد كانت كوادر الحزب الكبيرة أو المسنة والمحترمة منفتحة بشأن التعبير عن سخطها العميق على الثورة الثقافية، ولم يكفوا عن إرسال إشارات بأنهم سينتهزون أي فرصة تلوح لهم لكي يقلبوا المائدة السياسية على كل من ساهم في تدشينها بما في ذلك ماو.
ورغبة في استخدام الميت لمواجهة الحي فإن هؤلاء الكبار الآن مستعدون تحت شعار ذاكرة شواين لاي للضغط على قيادة الحزب المركزي لتحويل الهجمات على دينغ زياو بينغ التي أطلقها ودشنها ماو شخصيا.
لم يكن ينقص ماو الخبرة لكي يسئ تفسير الأحداث التي تبعت رحيل شواين لاي. فبوفاته أصبح لاي نقطة الالتقاء لقوى المراجعة سواء في داخل أو خارج الحزب الشيوعي. فعندما واجه الأعضاء الباقين من المكتب السياسي مسألة ما إذا كان ماو يجب أن يحضر الجنازة أما لا فإنهم أرجعوا ذلك الأمر إلى الطاقم الطبي لماو لاتخاذ القرار النهائي. وإزاء رؤيتهم بأنه لا توجد مشكلة حقيقية إذا ما حضر فقد أعدوا لمواجهة أي طارئ. وفي الوقت المحدد لإنطلاق حفل التأبين كانت كل العيون مركزة على المدخل .
وفي النهاية لم يظهر ماو، حيث تغيب اعتمادا على الرواية الرسمية التي تزعم بأنه كان بالغ المرض إلى حد أنه لم يكن يستطيع الوقوف. يرجح المؤلف أن ذلك جاء في إطار خطة ماو لتوجيه انتقادات ضد دينغ زياو بينغ، فإن شواين لاي حتى في موته يجب أن يكون مشمولا بالانتقاد. وقد يكون ماو لهذا السبب رفض أن يشهد جنازة رئيس الوزراء. إن رئيس الحزب الشيوعي الصيني لم يعرب عن تعازيه لشواين لاي بأكثر من إرسال بارقة ورد.
لقد ظهر شبه إجماع بين أعضاء المكتب السياسي بأن ماو يجب أن يحضر الجنازة. وبفعل ذلك فإنه سيخمد العديد من الشائعات بشأن الصراع السياسي داخل الحزب. ولكن الرئيس رفض أن يفعل ذلك. لقد كان ماو يرى أن كل تفصيله تحتاج عناية خاصة في التخطيط للهجوم على لاي. وبكلمات الناس الذين في موضع معرفة فإن ماو جعل ما يلي بالغ الوضوح:
«إنني حر في عدم الحضور» في ضوء اتهامه لرئيس الوزراء مرة ثانية بمعارضة الثورة الثقافية. وفي محاولة لتمثل موقف ماو يقول المؤلف أنه ربما كان مما يردده في سره أو بينه وبين نفسه: إن كل الكوادر القديمة كانت تصغي إلى، تساندني، وتصرخ «يعيش ماو» ولكن لا يوجد أي شئ من ذلك يأت من قلوبهم من أجل ذلك فإنني قلق ولذلك فإن الفجوة الكبيرة التي تفصل بين رئيس الوزراء وبيني لن يتم تجسيرها».
تأجيج مشاعر الجماهير
وبعد نحو ثلاثة أسابيع في 30 يناير 1976 عشية العام الصيني الجديد بدا المناخ السياسي باردا برودة فصل الشتاء، عندما قادت جيانغ جينغ حملة ضد دينغ زياو بينغ خليفة شواين لاي. وفيما كانت أجواء الحداد على موت شواين لاي متواصلة فزع معظم الصينيين من التحركات الحاشدة الموجهة ضد دينغ وانتابهم القلق بشأن مستقبل البلاد.
ولكن إزاء قلقهم من القوة المرعبة للحزب الشيوعي، فإنهم لم يكونوا يجرؤون على التعبير عن غضبهم بشكل علني. في هذه الليلة وبالقرب من مقر إقامة ماو ملأت الأجواء ألعاب نارية.
لقد سارت الشائعات في الأوساط السياسية بأن ماو أطلق هذه الألعاب النارية التي تعكس في التراث الصيني الفرحة أو الاحتفال. وقد كان حدوث هذا الأمر وبهذه السرعة بعد وفاة شواين لاي ما عزز النظر له باعتباره عدم احترام للمتوفي ومن هنا أصبح تأبين لاي عاملا ساهم في تعزيز الأزمة السياسية الكبرى التي ستلحق بالبلاد منذ الثورة الثقافية.
وفي 5 أبريل وهو اليوم الذي يقوم فيه الصينيون بممارسات تعبر عن الاهتمام بالمقابر الخاصة بأسلافهم تجمعت أعداد كبيرة من المقيمين في بكين في ميدان تيان آن مين لتأبين شواين لاي فيما عبروا كذلك عن رفضهم وتحديهم لجيانغ جينغ وعصابة الأربعة وقد تم إلقاء خطب غاضبة وشعر ورفعت لافتات كبيرة ضد زوجة ماو ومؤيديها مع انتقادات مبطنة إلى حكم ماو عززت التخمينات بأن عهد ماو قد انتهى.
لقد كان ماو لعقود يعتبر نفسه الشخصية المفضلة لدى الشعب الصيني ولذلك كان يصعب عليه قبول مشهد تيان آن مين في 5 أبريل أو تصوره.. لم يرد على الإطلاق في خيال الرئيس أو في أكثر أحلامه أو كوابيسه بمعنى أصح أنه يمكن أن تأتي اللحظة التي يمكن أن تخرج فيها الجماهير في ذات المكان الذي شهد فيه مجده، حيث شهد الميدان ذاته تجمع الملايين من شباب الحرس الأحمر في مرحلة سابقة وهم يرددون «يحيا ماو» في ذروة الثورة الثقافية. لقد تحول هذا المكان بعينه الآن إلى موقع للتعبير عن رفض ماو ومعارضة حكمه.
وكخبير في تعبئة الجماهير خلال جهوده الأولى للاستيلاء على السلطة وتدمير منافسيه فإن ماو لم يستغرق الكثير من الوقت في فهم الإشارات الصادرة من ميدان تيان آن مين، حيث يجري تحدي سلطته بشكل مباشر.
إن حياته البطولية التي عمل على خوضها الآن تجد طريقها للتواري بهذا الحدث وحكم التاريخ سيكون كما يعرف بالغ القسوة. لقد انتهي ذلك بقائد الحزب الشيوعي الصيني إلى الخوف والإحباط. فشواين لاي مات ولكن روحه استطاعت أن تجلب الاضطراب الكبير لماو. وآخذا في الإعتبار افتقاد زوجته للشعبية ومجموعة الثورة الثقافية فإن ماو أطلق خدعة مزدوجة.
فمن ناحية هاجم القوى المعادية للثورة الثقافية داخل وخارج الحزب وحاول الحيلولة بين الجماهير وبين تنظيم أنشطة تأبينية من خلال قرار نشر قوات ضد مظاهرات تيان آن مين. على ناحية أخرى فإن ماو أعاد صياغة خطته الأصلية القاضية بالسماح لمجموعة الثورة الثقافية بالسيطرة على كل المستويات وبدلا من ذلك اختار هوا جيوفينغ أن يكون رئيسا للوزراء.
تمهيد الطريق لعصابة الأربعة
غير أن هدفه الحقيقي كان إفساح الطريق لزوجته وعصابتها لتطبيق الثورة الثقافية أو ميراثها فيما بعد وفاته في ضوء عدم ثقته بأي شخص باستثناء أسرته ولذا لجأ إلى الاستعانة بابن أخيه. وعلى الشاكلة ذاتها بالنسبة للثورة الثقافية التي استهدفت تحويل الصين من الحكم غير الشخصي من قبل الحزب الشيوعي إلى حكم شخص واحد هو ماو فإنه كان يريد كذلك أن تتحول السلطة إلى أيدي زوجته وابن أخيه منشئا حكما دائما أساسه عشيرته.
وإذا كانت خطط ماو قد خابت بسبب وفاة إبنه الأول في الحرب الكورية فإنه أصبح يعد العدة لكي تتولى زوجته وإبن أخيه بالحكم. وتحقيق هدفه. ولهذا السبب في خطابه إلى هوا جيوفنغ الذي كان ماو يأمل في أن يوحد مجموعة الثورة الثقافية، فإن الرئيس أكد لهوا أنه: من خلال وجودك في السلطة فإنني مرتاح. وإذا كانت لديك أية أسئلة أسأل جيانغ جينغ.
وقبل الهجوم السياسي الأخير على شواين لاي وإطلاقه مات ماو.وخلال أسابيع سيتم الإطاحة بهوا جيوفنج ومجموعته مع القبض على زوجة ماو وعصابة الأربعة ومحاكمتهم في الأعوام التالية وسجنهم. (وستقضى زوجة ماو في مستشفى تحت الإقامة الجبرية حيث ستلقى حتفها في 1991). وسيحل دينغ زياو بينغ محل هوا النجم الصاعد من 1978 وحتى 1993 والذي سيفعل ما كان يخشاه ماو تماما: إدانة الثورة الثقافية أو وصفها بانها كارثة والإنتقال بالصين إلى الأهداف المتعلقة بالثروة والقوة اللذين كانا هدف شواين لي ومعظم قادة الحزب الشيوعي.
انتهاء حقبة صعبة
إن وفاة ماوتسي تونغ في 9 سبتمبر 1976 بعد نحو ثمانية شهور من وفاة شواين لاي أدت إلى نهاية حقبة من الفوضى والرعب في تاريخ الصين الحديث. ومن الحقيقي أن روح ماو ما زالت تطفو فوق الحياة السياسية في الصين ولكن من الحقيقي أيضا أن الصين في النهاية على طريقها نحو التحديث.
ولتنتهي فترة من التاريخ الصيني بانتصار لاي الذي لم يجرؤ في حياته على التفوه بكلمة معارضة لماو وساهم بالتالي في خلق النظام الديكتاتوري والذي أصبح هو نفسه أحد ضحاياه. ذلك أن وفاة ماو لم تؤد إلى انتهاء الثورة الثقافية فقط ولكنها أيضا أعلنت إفلاس الأسطورة الشيوعية.
بقيت كلمة وتتمثل في أن النسخة الإنجليزية تختلف كثيرا عن النسخة الصينية حيث أن الأخيرة لا تعتبر سيرة ذاتية بالمعنى الحرفي وإنما تضمنت فترة ما بعد الثورة الثقافية ودور شواين لاي فيها حتى بدايات السبعينات. فيما تم إضافة فصول عديدة في النسخة الإنجليزية لتبدو كسيرة متكاملة للاي الأمر الذي كان المؤلف قد قام عليه في عمل آخر سابق.