الأحزاب العربية وفلسطين: مخيم الشباب نموذجاً
غدي
فرنسيس
«أهلاً ومرحباً بشباب الأحزاب العربية»، تقول لافتة على مدخل مدرسة عمر المختار في
الخيارة - البقاع الغربي، في منطقة معزولة عن القرية والسكان، حيث تعقد دورة
«القرار العربي المستقل» لشباب الأحزاب. داخل المدرسة، تعلو اللهجات العربية
المختلفة باسم «فلسطين»، حول النرجيلة أو في قاعات المحاضرات، في حلقة للنساء فقط،
أو أثناء إصلاح السيارة. وأول ما يراه الباحث في المدرسة والمخيم، شباب كبار،
أعمارهم تفوق غالباً الثلاثين عاماً، وأحياناً الأربعين، مسؤولو أحزاب، ولباس موحد
للمشاركين، وقضية واحدة، «كل يراها من زاوية».
شاركت جميع البلدان العربية؟ لا
طبعاً، ولم تتحقق تلك المشاركة الكاملة يوماً. لكن غياب مصر للمرة الأولى كان فاقعاً.
لم تسمع لهجة مصرية، ولا عراقية أيضاً، لا في المحاضرات ولا في الأحاديث الجانبية،
كما كانت الحال في المخيمات السابقة. ظروف أعاقت قدومهم أو مشاركتهم؟ ربما. لكن، من
جهتها، ظروف الاحتلال الإسرائيلي لم تعق قدوم شباب من داخل فلسطين، عبر الأردن.
شباب المخيم عيّنة صغيرة من بلدانهم وأحزابهم. وكما هي حال هذه، تراهم في المدرسة
البقاعية، يتمازجون تارة وينفصلون طوراً في تجمعات صغيرة. كل ثلّة تجتمع حول محورها.
وكلهم يجتمعون تحت اللافتة التي تعلن أنه المخيم الرابع، من تنظيم مؤتمر الأحزاب
العربية. وذكر الجهة المنظمة هنا لا بد منه، لأن الأحزاب العربية نفسها تتمتع
بعضوية في اتحاد آخر، اسمه اتحاد الشباب العربي، الذي يقوم بدوره بنشاطات عربية
شبابية مشابهة، خلف القضية عينها.. فلسطين!
من المدخل، يبدو المشاركون المنتشرون في حديقة المدرسة كالتلامذة في وقت الفرصة. تجمعات صغيرة في كل الزوايا، وأساتذة كبار يشرفون على التلامذة. الفرق الوحيد، أن التلامذة كبار، وأن الأساتذة «رفاق في الحزب»، وأن النرجيلة مسموح بها. وعندما يقرع جرس، تلتف التجمعات الصغيرة حول بعضها في ركن أساسي كبير، قوامه سبعون مشاركاً، يدخلون إلى صف واحد، قاعة المحاضرات، التي هي نفسها قاعة الأكل، ويستمعون إلى محاضر جديد لا يعرفونه يلقي كلمة قديمة يعرفونها.
في الرواق الخارجي، تجلس عضوتان في البرلمان التونسي، وسيلة العياري ونوال الهميسي، مع شابين من حزب البعث في الأردن. كلماتهم وتصريحاتهم تخرج كأنها مواقف سياسية رسمية. تقول وسيلة إنها، كما حزبها المعارض، شاركت «كي لا يمرّر عزل المغرب العربي عن المشرق». الوفد التونسي يتألف من سبعة مشاركين ينتمون إلى حزبين معارضين وحزب حاكم.
عند الحديث عن غياب المصريين، تتغير
ملامح وجه المشاركة التونسية، ويرتسم الغضب في محياها الأربعيني. تقول وسيلة: «ليس
مفاجئاً أن لا تشارك مصر، يكفي موقفها حيال عدوان غزة!». كأنها تستعيد بعض الخطاب
العربي المستعد دائما لتوجيه الاتهامات. لكن معتصم من الأردن يقاطعها: «نحن لا نعرف
ظروفهم، الأحزاب المصرية شاركت في المخيمات السابقة». ويستدرك بإشارات من عينيه
المستديرتين، خوفاً من تحوير كلامه إلى موقف حزبي. ينظر إلى رفيقه تامر، وإلى
التونسيتين، ويصمت الجميع.
في مكان آخر، كان رائد محمد، المشارك البعثي من سوريا، يتهم السلطات المصرية تحديدا:
«أكيد منعوهم من المشاركة». لكنه يتابع موضحاً: «الحس القومي موجود عند الجميع، لكن
الخلل يكمن في الأنظمة العربية. همومنا واحدة، هذا ما لمسته في المخيم، لكن كل منا
ينظر إلى الأمور من زاويته، نحن بحاجة لتقريب وجهات النظر».
نعود إلى الجلسة التونسية الأردنية.
يمشي شاب صغير باتجاه الحلقة. يسحب كرسياً وينضم إلينا. هو محمود الجيوسي من الأردن.
عمره 17 عاماً، وهو رغم صغر سنّه عضو مكتب أمانة عامة. هنا أيضاً يقاطع معتصم
للتبرير قبل أن يقول محمود شيئاً سوى عمره: «والده رفيقنا مسؤول حزبي في الأردن،
لذلك ابنه في الأمانة العامة، لكن لا دور له بتحريك المحاور المطروحة دوره فقط
تنظيمي»!
بمعنى آخر: هو ابن المسؤول الحزبي النموذجي، في معظم أحزابنا العربية، وخاصة تلك
التي قضيتها المركزية فلسطين. من يدخل صغيراً إلى سدّة المسؤولية من دون دور محوري،
هو ابن معظم المسؤولين الحزبيين.
خطوات قليلة ونصبح في «المحور السوري اللبناني الفلسطيني» المجتمع حول نرجيلتين. جلسة ترفيهية للترويح عن النفس. شباب يضحكون ويمزحون ويناقشون بعض الأفكار على وقع «كركلة» النرجيلة. يختارون أكبرهم سناً للتحدث باسمهم: إياد طلب، نائب رئيس فرع جامعة دمشق لاتحاد الطلبة السوريين. يرسم «عبسة» على جبينه ويتذمر: «الإقامة سيئة جداً، المخيمات السابقة كانت تعقد بشكل أفضل. إنها منطقة معزولة عن العالم، لا تكييف لا مروحة حتى، لا صحيفة لا نبأ، وإذا أردنا الوصول إلى القرية سيكون الأمر مكلفا، حوالى خمسمئة ليرة سورية...».
ويصل تذمر إياد إلى المحاضرات: «هناك ضعف في المحاضرين، لا نائب ولا شخصية سياسية، لا صفة للمحاضرين...»، لكنه في المقابل يسجل إيجابيتين: «حضور مهرجان النصر وسماع كلمة سيد المقاومة، ومحاضرة الشيخ مسعود ابو محفوظ عن القدس، لأنها كانت مختلفة، وتواصلنا مع القدس مباشرة على الهاتف».
عند ذكر «محاضرة القدس»، تلمع كل العيون من حول النرجيلة، ويتهافت الجميع للشرح. مشهد عربي بامتياز. حين تفتح فسحة الأشعار والشعور، يتكلم الجميع. يقول محمد من جبهة النضال الشعبي الفلسطيني: «محاضرة القدس أبكتنا». يرد محمد قاسم: «لقد أخبرتنا بالصور والحقائق ماذا يحدث في الأقصى، مساحته، تفاصيله.. وكيف أصبح عائماً فوق الحفر الكبيرة التي أحدثها الصهاينة تحته. كانت لنا مكالمة هاتفية من سدنة القدس مع شيخ ومطران وخبير الأرض والسكان والاستيطان». ويختم إياد لحظة الصمت في مداخلة شعرية: «كل ما سنأخذه معنا من هنا.. أوجاعنا»!
يعود الحديث إلى المخيم، وتحديدا إلى «صورته الإيجابية» التي تمثّلت في الخروج بتوصيات ثلاث مهمة، بحسب محمد الفلسطيني من سوريا. يعدد: «الوثيقة المليونية (جمع مليون توقيع على وثيقة رفض للاحتلال ورفعها إلى الأمم المتحدة) وسفينة كسر الحصار (تحمل شباب الأحزاب إلى أسدود وثم العودة براً) و.. لحظة! ماذا كانت الثالثة؟». يجيبه علي: «لجنة مقاطعة ومقاومة التطبيع». التوصيات التقليدية للأحزاب العربية، حلول لا تغيّر، جربتها جميعها سنون النضال في الأحزاب العربية. حلول أقرب إلى كونها إعلامية، غير قادرة على معالجة المشكلة.
إباء «الناطقة باسم وجع الشباب
الفلسطيني» كما يصفها أحد رفاقها، تبرر للتوصيات: «قد يقول البعض إننا ندور حول
الفلك ذاته، لكننا نحن الشباب لا نقاوم بالسلاح هنا، فحربنا حرب إعلامية». لكن أين
أصبحت نتائج هذه الحرب الإعلامية، والأقصى عائم منذ زمن فوق الحفر كما ورد في
المحاضرة الأكثر شعبية بين المشاركين «الشباب»؟ ويظلّ السؤال معلقاً من دون أجوبة!
على بعد خطوتين من حلقة المزاح السياسي، طاولة وفتاة تجلس بين خمسة شبان فلسطينيين
ولبنانيين. عيونها تتكلم تعباً، وسيجارتها ترتجف، ووجهها خالٍ من تجاعيد «شباب
الأربعين» كحال بعض زميلاتها في المخيم. رهام ابو غوش من القدس، عشرينية، سلكت طريق
الأردن لتأتي، لترى «كيف يعيش الشاب اللبناني، مناطق لبنان، حياة لبنان
السياسية...».
رهام تقول إنها صدمت كثيراً، فلا أحد سألها في المقابل عن القدس. «حتى بعد المحاضرة (الشهيرة) والبكاء الذي ساد القاعة حيال صور المجازر المؤلمة، ظننت أنني سأجيب كثيراً على أسئلة تطرح عليّ عن احتكاكنا اليومي بقوات الاحتلال، عن حواجز تفتيشهم ورواياتها، عن أبي الذي سجن عشر سنوات.. ظننت أنهم يريدون رؤية القدس من عيوني، لكن أحداً لم يسأل، حتى إن البعض لم يعرف أنني من القدس».
تقطع حديث رهام «تعليمات» أعضاء من
هيئة التنظيم، تطلب من الجميع الدخول إلى المحاضرة التالية عن دور الشباب في العمل
الحزبي. المحاضرة، من الخارج، تبدو جيدة. تصفيق وأصوات شجب ونضال مرتفعة. هكذا
سمعها شابان مكثا خارج القاعة، قبل أن يعثر عليهم «المسؤول»: «يقول الأمين العام،
من لا يحضر هذه المحاضرة سيحرم من شهادة المشاركة في المخيم»!
تنتهي المحاضرة، وتمتلئ باحة المدرسة بالتجمعات الصغيرة الجديدة، إذ تختلف نوعية
«الفرز» بعد كل محاضرة. سودانية وسوداني وتونسي، يجلسان للتعارف. يسألها إن كانت
متزوجة، فتجيب رشا، «نعم»، والفرح لا يفارق وجهها الأسمر. «المخيم رائع، فرصة
للتلاقي والتعارف، الإقامة جيدة، وأجمل شيء كان مشاهدة السيد حسن نصر الله».
احمد أبو ناصر شاب كان ضمن الهيئة التحضيرية. يجمع مع أصدقائه أن البرنامج الذي وضعوه، مختلف عن الواقع. فقد كان مقررا أن ينعقد المخيم في الجامعة اللبنانية الدولية حيث كان سيتم تنظيم مسابقة للسباحة، رحلات تسوق، جلسات تفاعل وحوار. ويتابع أحمد: «الجامعة أصبحت مدرسة، والمخيم أصبح مؤتمراً، والحوار أصبح محاضرة».
آخر المشاهد يختبئ في غرفة إدارة المدرسة. يسند الأمين العام لمؤتمر الأحزاب العربية عبد العزيز السيد، عصاه في يسراه، وسيجاره القصير في يمناه، وحوله يدور شباب الأمانة العامة، واحد يحمل دفتراً، والثاني يتابع التعليمات. في سؤال عن المحاضرات، يقاطع: «لا لم نجر محاضرة، نحن نظمنا حوارات..». وبعد الإيضاح بأن كلمة «محاضرات» مصدرها المشاركون، يقول بغضب: «من قال إنها محاضرات؟ قولي لي اسمه..»، ويتابع مهددا: «يا «فلان»، أكتب في الدفتر تبعي كلمة محاضرات..!».
غضب الأمين العام و«إشرافه» على مصطلحات «الشباب» يخفت بعد لحظات، لصالح تصريح «شعري» يحرص على الإدلاء به: «هذه أزهار إذا تفتحت سيكون البستان الشبابي أكثر خصوبة ويناعة، لدينا سبعون حزباً من خمس عشرة دولة.. (الخ)». يذكر أن عدد المشاركين على الورقة والقلم من المكتب الإعلامي، مئة وتسعة عشر مشاركاً من الأردن، البحرين، اليمن، المغرب، موريتانيا، فلسطين، لبنان، سوريا، تونس، والسودان، أي عشرة بلدان فقط.
على المدخل مجدداً، في طريق العودة،
تودّع العين تجمعات عربية صغيرة يشبه بعضها بلدانها. تودع أصواتاً عالية تتناقش
وتتحاور بلهجات مختلفة، مرّة بعد مرّة، حول القضية القديمة نفسها.. فلسطين.
http://shabab.assafir.com/Article.aspx?EditionID=30&ArticleID=1267
11/08/2010
* يقوم موقع الصفصاف بوضع تذكير بالقائد النموذج الأسير أحمد سعدات الذي اقتربت محاكمته في الشهر القادم ، وهو يقبع في العزل الانفرادي بزنازين الصهاينة منذ فترة طويلة .. تضامنوا مع أسرى شعبنا .. ولا تنسوا أنهم امانة في رقابكم
