هؤلاء الضحايا يأتون إلي في كل ذكرى سنوية
لرحيلهم منذ 28 عاماً، فهم في البال دوماً. وأهاليهم، هؤلاء الأحياء الأموات،
أيضاً في البال. غير أنني لست أدري لماذا في هذه الذكرى بالذات، وكلما اقترب
منتصف أيلول، كنت أغرق في حكاياتهم أكثر من أي عام مضى... أستعيد أصوات
الأقرباء والجيران والأصدقاء وهم يحدثوني عنهم: كيف كانوا، كيف عاشوا، كيف
غابوا في لحظة من الزمن. ولجأت مرة إلى الأشرطة المسجلة، فأصابني الذهول والألم،
كأنها المرة الأولى التي أستمع فيها إلى أم علي، وليست المرة العشرين.
لم أشاهد صوراً إلا للقليل منهم، غير أنّ لهم
جميعاً صوراً في مخيلتي لتكرار أوصافهم أمامي، حتى الذين لم يصفهم أحد لي فإني
أتخيلهم أيضاً. كيف أنسى مقابلتي مع الجار الذي حدّثني، بعد عامين من المجزرة،
عن ستة عمال من بنغلادش كانوا يستأجرون غرفة في منزله، وكان هو نفسه لا يذكر
أسماءهم، لكنه كان يحبهم، إذ كانوا مؤمنين طيبين، ولا يتأخرون في دفع إيجار
الغرفة يوماً واحداً في أول كل شهر؟ ويفرك الجار الشاهد يديه ويرفع عينيه إلى
السماء وهو يقول: «ارحمهم يا رب! قتلوهم مساء الخميس، وهم في أسرّتهم يستعدون
للنوم بعد صلاة العشاء. وماذا أقول عنهم أكثر، كانوا لا يعرفون العربية، إلا أن
يقولوا «الله أكبر» كلما سمعوا انفجاراً». والضحايا غيرهم بالعشرات، أعرف
أسماءهم وحكاياتهم، ولا أنسى الأقرباء الذين حدثوني عنهم، والذين أعرف كيف
يعيشون أيامهم وهم يعللون النفس بخبر صغير ولو كاذب، كأن يسمعوا أنّ ولدهم الذي
اختطفته «القوات اللبنانية»، بالقرب من السفارة الكويتية، لا يزال حياً، ولو
عاملاً في ورشة في أقصى الدنيا! يا إلهي.. أمثل هذا حلم أم كابوس؟ إنه من شبه
المستحيل أن يتحقق في الحالتين.
أما الأمر الممكن تحقيقه فهو التوقف عند المجزرة لا كمجرد ذكرى، بل كحدث نستمد
منه العبر، ومنه نندفع لبناء مستقبل لا ظلم فيه ولا قهر حتى الموت. أعرف أنّ
هناك من يعتقد أن لا فائدة من العودة إلى تفصيلات الحدث تحت شعار «عفا الله عما
مضى». لكنني أعترف بأن ليس من همومي الرد على كل ما يُقال، بل الوفاء للضحايا.
أليست هذه الذكرى لهم؟ أعني للضحايا؟ كيف قتلوهم أول مرة؟
استمرت عمليات قتل الضحايا طوال ثلاثة أيام، من غروب الخميس في 16 أيلول 1982
حتى قرابة الواحدة من ظهر السبت في 18/09/1982. وهذا خلافاً لتقرير كاهان الذي
ادّعى أنها انتهت صباح السبت. ويا إلهي.. كم استُجوب، وكم قٌتل، وكم خُطف، في
تلك الساعات الأخيرة التي لم يعترف بها كاهان.
شهدت الساعات الأولى من غروب الخميس عمليات القتل الجماعي للعائلات قبل أي شيء
آخر، ولم يرحم القتلة من احتمى بالملاجئ، ولم يرحموا العائلات اللبنانية، ولا
السكان الفقراء لأي جنسية انتموا، فكان عدد ضحايا اليوم الأول أكثر من عدد
الذين قتلوا في اليومين التاليين. وتواصلت عمليات القتل الجماعي في الأزقة
والملاجئ في يوم الجمعة، وشهد هذا اليوم العشرات من الذين قتلوا في حفر الموت،
وكان اقتحام مستشفى عكا وما رافقه من تعذيب وقتل واستهتار بالقيم الإنسانية
وحرمة المستشفيات، هو العلامة المميزة لهذا اليوم. في مطلع السبت وصل المسلحون
إلى مستشفى غزة، حيث اقتادوا الأطباء والممرضات من أجانب وعرب على امتداد شارع
شاتيلا الرئيسي إلى التحقيق. وتميز السبت كاليومين السابقين بالتعذيب والقتل في
الحفر، لكنه تفوق عليهما بعمليات الخطف.
قالت إسرائيل إن الهدف الرئيسي كان القضاء على ألفي مقاتل فلسطيني احتموا
بالمخيمات، ويكفي لدحض هذا القول إن ما جرى كان عملاً من عمليات القتل الجماعي
لعائلات برمتها، وقتلا للمدنيين العُزّل. والسؤال: كيف يمكن القضاء على مئات
المقاتلين ولا قتال هناك؟ ولا مقاتلين بين الضحايا؟
كيف حاولوا إخفاء الجريمة؟
حين توقفت المجزرة كان الكثير من الضحايا قد أضحى مدفوناً تحت الأنقاض، وهُدمت
البيوت على ساكنيها؛ كما كان الكثير منهم قد قتل رمياً بالرصاص وألقي في حفر
الموت ثم ضاعت المعالم تحت عجلات البولدوزر وركام التراب؛ وكان منهم من قضى
بالرصاص أو بغيره، وكان مثواه الأخير قبرا جماعيا حُفر في عز المجزرة. وكم
أُجبر فتيان على حفرها ثم على القيام بدفن أهاليهم بأيديهم.
يا إلهي.. رحمتك.. إنني لا أستعيد هذه المشاهد الدامية التي تحدث كثيرون عنها،
إلا للتوصل إلى الحديث عن الآخرين الذين لم يتحدث عنهم أحد، وأعني بهم من بقي
من الضحايا المشلوحين على الطرقات وداخل بيوتهم بالمئات، هؤلاء الذين ظلوا،
آنذاك، ينتظرون الأهل او المسعفين أو الشرفاء كي يحملوهم إلى المثوى الأخير.
هؤلاء الضحايا هم الذين تعرّضوا للموت للمرة الثانية.
رجال الصحافة والإعلام والكتّاب والمصورون
الأجانب كانوا أول من دخل المنطقة المحرمة، وتبقى كتابات هؤلاء وصورهم
وتحليلاتهم هي الشاهد على ما جرى. ومع هؤلاء كان دخول المؤسسات الإنسانية أمثال
الصليب الأحمر الدولي والدفاع المدني اللبناني والعديد من المؤسسات الأهلية
التي بلغ عددها إحدى عشرة مؤسسة. وكان الجيش اللبناني قد بات مسؤولاً عن حماية
المنطقة. وابتدأ الأهالي المفجوعون بالدخول إلى المنطقة المحرمة بحثاً عن
ضحاياهم. غير أنهم ما كانوا ليبحثوا في مكان حتى يصرخ الناس: إجا سعد حدّاد!
سرت يوم الأحد شائعتان. ويروي المسعف شوقي: «... نحنا دخلنا من جهة الفاكهاني..
وصلنا الأحد الساعة عشرة الصبح، ونحنا كنا بعدنا عم نفوت كانوا كل الناس عم
يركضوا ضاهرين ويصرخوا: «إجا سعد حداد، إجا سعد حداد». ونحنا كمان قبّعنا نركض...»
أما المسعف الحاج ميسم، فقال: «إشاعتان كانوا يوم الأحد، واحدة الصبح، وواحدة
اتنين ونص تلاتة بعد الضهر. بعد الشائعات بكل صراحة ما ضل في حدا، قلال الناس
اللي ضلّوا...
«مرة تالتة طلعت الإشاعة يوم الاثنين إنّو سعد حداد نزل، ما ضل في حدا. شي مرعب
يلّي صار، متل يوم القيامة... كل الناس هربانة كل واحد باتجاه. كل الناس
يوميتها راكضة بحالة ذعر...».
وتتوالى الشهادات عن اكتشاف الأهالي حين عادوا في اليوم التالي اختفاء ضحاياهم.
فأين رحلت الضحايا؟ كان يُقال لهم إنه تم دفنها جماعيا في الحفر، درءاً للأوبئة.
لكن أين هي الحفر؟ قيل مرة لأم ان ابنها قد دفن في المقبرة الجماعية، غير أن
هذه المقبرة لم تكن قد وجدت بعد صباح الاثنين. فأين دُفن؟
وقــائـع ... وشــهـادات
على امتداد يومين متواصلين تبارى البعض في
تجريب «حضارته» في اصطياد الأطفال والفتيات والنساء والرجال. حتى الأطفال
الرضع طعنوهم بالحراب، وقطّعوا أصابع الفتيات الصغيرات، وبقروا بطون النساء،
واغتُصبت الشابات منهن. وما إن استراحوا في اليوم الثالث حتى كان نحو 1500
ضحية طُمرت تحت الأرض أو تعفنت فوق الأرض.
إحدى الناجيات الفلسطينيات روت ما رأت فقالت: «كان ابن عمي، وعمره تسعة
شهور، يبكي. فعلق أحدهم: لم أعد أطيق صوته، وأطلق النار على كتفه. بدأت
أبكي، وقلت له: انه الوحيد الباقي من عائلتي. أخذه وقطعه من فوق رجليه
نصفين». وزينب المقداد (لبنانية) قتلوا أولادها السبعة، وكانت حاملاً في
شهرها الثامن. بقروا بطنها ووضعوا الجنين على ذراعها. أما وفاء حمود (لبنانية
ايضاً) فكانت مثلها حاملاً في شهرها السابع. قتلوها وقتلوا أولادها الأربعة.
أحد المسلحين «المتحضرين» تباهى بالقول: «بعض النساء اختبأ خلف الحمير
(...). ولسوء الحظ اضطررنا الى اطلاق النار على هذه الحيوانات المسكينة كي
نستطيع قتل الفلسطينيين المختبئين خلفها. لقد تأذت مشاعري عند سماع صراخ
هذه الحيوانات الجريحة (...). وكان هناك كوخ صغير. فتحنا الباب عنوة ورأينا
في الداخل رجلاً مسناً وزوجته وولدين في الخامسة عشرة والسادسة عشرة.
أوقفناهم وبدأنا التفتيش. أحد الأولاد صرخ بنا: «كلاب اليهود». ظن نفسه
شجاعاً هذا الملعون. واحد منا أدخل حربته في قلبه. وبدأ صراخ العجوزين
والولد الآخر. تعجبنا من صراخهم، فنحن لم نقم بأي عمل يؤذيهم. جرّهم رفاقنا
الى الخارج باتجاه الشاحنات المنتظرة، لكن لا أدري إذا كانوا وصلوا»
÷ «كان لا يزال من المستحيل أن نستبعد
مقارنة صبرا وشاتيلا بما يماثلها من وقائع الحرب العالمية الثانية. ففي تلك
الحرب سمح الجيش الالماني لرجال الميليشيا الكرواتيين الذين كانوا متوحشين
كالكتائب بذبح سكان القرى الصربية في يوغوسلافيا سنة 1943. وفي ما بعد قام
اليوغوسلاف بإعدام الضباط الالمان الذين سمحوا بحدوث تلك الفظائع».
÷ «في ليلة الخميس (16/9/1982) وطيلة ثمان
وثلاثين ساعة متواصلة بلا انقطاع، ذبحوا بكل أعصاب باردة الرجال والنساء
والأطفال. حتى الخيول والكلاب والقطط (...)، واستخدموا في وحشيتهم القنابل
اليدوية والسكاكين والفؤوس والمسدسات والبنادق. قطّعوا أثداء النساء،
وحفروا صلباناً في الأجساد. بقروا بطون الحوامل. حتى الأطفال قطعوهم إرباً،
ووجدت أطراف طفل مقطعة وموضوعة حول رأسه».
جوناثان راندل
÷ إن قرار إجلاء المدنيين الفلسطينيين
بالقوة من مخيمات بيروت وجرف المخيمات اتخذ في عهد بشير الجميل. هذا ما
قاله بشير الجميل في حديث له مع شارون: «قرار بسيط. سوف نساعدكم على إجلاء
الفلسطينيين الى مقربة من الحدود السورية بحيث نستطيع طردهم الى دمشق حينما
تتسلم الحكومة اللبنانية الجديدة صلاحياتها (...). سوف يصبح مخيم صبرا في
بيروت حديقة وطنية للحيوانات».
لم يعش بشير الجميل طويلاً كي يرى مصير توقعاته؛ فقد مات تحت الركام، ولم يتحول حي صبرا الى حديقة للحيوانات. لكن، عند أطراف مخيم شاتيلا، تنزوي مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا، بلا رياحين، وبلا أوراق اللبلاب، ولا حتى سعف النخيل. فبعد ثمانية وعشرين عاماً لم تنمُ شجرة خضراء إضافية فوق تراب الضحايا، ولم تتفتح واحدة من شقائق النعمان الحمراء، كأن دماء هؤلاء بلا تاريخ، وبلا هواء وبلا أزهار. كأنما كان المرغوب فيه أن يموت الشهداء بصمت، وأن يصبحوا مجرد ذاكرة واهية للنسيان أو مكباً للنفايات. غير أن الأدهى من ذلك كله أن المجموعات العنصرية التي ارتكبت جريمة صبرا وشاتيلا ما زالت تعرّش في ربوع لبنان، لا كشجر أخضر، بل مثل خضراء الدمن، وما أكثرها. وهذه الجماعات العنصرية الرثة ما زالت تحرض على الفلسطينيين بخرافة التوطين البائدة، وتزعم، يا للوقاحة، انها إنما كانت، بجرائمها المتعددة، تمارس فعل المقاومة ضد التوطين. إنها أكذوبة لا تنطلي على أحد، حتى لو كان طفلاً مخبولاً. فهيهات ان يكون القاتل مقاوماً.
هكذا قتلوا المدنيين العُزّل الأبرياء مرتين:
في المرة الأولى قتلوا الجسد. وسلبوا من صاحبه حقه في الوجود حياًّ. وفي المرة
الثانية اغتالوا حق الإنسان بأن يُعرف عنه خبر موته. وهكذا سلبوه حتى حقه في
الوجود ميتاً.
هم أرادوا اختزال عدد الضحايا ما أمكن، حتى تُصدّق الدنيا أن ما جرى كان مجرد
معركة عادية، لا مجزرة من أبشع مجازر القرن العشرين. أما الشائعات بعودة سعد
حداد، فبررها أحد المهاجمين القتلة بكل صفاقة: «لا شيء مُهمّا حصل. اختلط الأمر
على الناس البُلهاء عندما رأوا مغاوير الجيش اللبناني فقالوا من خوفهم: «سعد
حداد»».
الناس ما كانوا بلهاء، ولو كان الأمر قد اختلط عليهم كما ادّعى هذا «العبقري»،
لكان عليهم أن يقولوا بعفوية وتلقائية: «القوات اللبنانية»، لا «سعد حداد»؛ ذلك
أن أهالي المنطقة المنكوبة شاهدوا القوات اللبنانية وحدها، وهي التي كانت تطغى
على من عداها، أعداداً ولباساً وتبجحاً وانتقاماً.
نجح القَتلة في إخلاء ساحة الموت لهم وحدهم
يوم الأحد، لكنهم فشلوا يوم الاثنين، هذا على الرغم من تكرار شائعة عودة سعد
حداد وهروب السكان والقسم الأكبر من المسعفين؛ وهم لو نجحوا في هذا اليوم أيضاً،
لضاعت آثار المئات من الضحايا، ولما وُجدت المقبرة الجماعية، ولَما أضحت هي
الشاهد على سبعمئة ضحية وأكثر ترقد تحت ترابها.
كان من القلائل الذين بقوا على أرض المجزرة عصر الاثنين شباب الدفاع المدني
لكشافة الرسالة الإسلامية، فهؤلاء أصروا على البقاء للقيام بواجب دفن الضحايا
وفقا للمراسم الدينية. ويقول عدنان المقدم، قائدهم، والمعروف بين إخوانه بـ «الحاج
ميسم»: «نحنا اختلفنا مع الجيش اللبناني على طريقة الدفن، واختلفنا مع جهات
ثانية من الدفاعات المدنية. نحنا عنا شرع عام، ولازم المسلم يندفن حسب الطرق
الشرعية... نحنا لقينا إنّو الجيش اللبناني مع الصليب الأحمر معتمدين يجيبوا
الجرافات وتتم عمليات الدفن محلها، دون أي صلاة، ونحنا متل غيرنا طول اليوم كنا
نشتغل حتى طلعت إشاعة سعد حداد، وما بيضلّ بالآخر دومري واحد، منضل نحنا لحالنا.
وكان النهار قرب يخلص. إجانا الأستاذ فؤاد رستم، قَلْنا: «الوضع خطير جداً،
الشباب بدهم يفلّوا». قلتلّو: «نحنا مش قادرين نفلّ». قلّي: «بتحملوا مسؤولية
حالكم؟» قلتلّو: «نحنا مستعدين». رحنا لعند الجيش اللبناني، وقَلْنا ضابط إنّو
ما في حل غير نقيم الجثث بالجرافات. قلتلّو: «أنا معي بهاللحظة سبعين من شباب
الرسالة، لو كلْنا بدنا نموت، نحنا مستعدين. هيدول الضحايا لازم يندفنوا بطريقة
مشرفة». رجع قلّي: «وين بدك تروح بهاالناس؟». أنا بعد في بمخيلتي من مشاهد
النهار كله مناظر ألف وأربعمية جثة... أنا بعرف عدد كبير أخدوهم أهاليهم
بالنهار، من بيت المقداد ومن غيرهم. رحت قلتلّو: «بنجيب جرافات بتحفر في الأرض
على عمق منيح، في أرض فاضية، ومنجيب شيخ يصلّي قبل الدفن».
وفي ساعة من الزمن كانت شاتيلا قد انقلبت من حال إلى حال: جاء الشباب بجواب من
العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، وأيضاً بجواب من السيد محمد حسين فضل الله،
وكان رأي كل من المرجعين بأنه تجب إقامة المراسم الدينية لكل الضحايا ومن دون
أي إبطاء. وأعطى الغطاء الديني دفعا معنويا للأستاذ فؤاد رستم مسؤول الدفاع
المدني اللبناني، فأرسل بطلب الشيخ سلمان الخليل وأخيه الشيخ جعفر الخليل، وما
ان رأى شباب الصليب الأحمر ما يجري حتى عدلوا عن الخروج وعادوا للمساعدة.
واستمرت الجرافات تعمل.. والشباب يلفون الأجساد الدامية الملقاة بالحرامات،
والشيخ يصلي على كل مجموعة بالتناوب مع اخيه، وتحول الليل إلى نهار.. وفي اليوم
التالي استمرت عملية الدفن. وهكذا أصبح لضحايا صبرا وشاتيلا، أينما دفنوا في
الأماكن المجهولة، عنوان واحد هو: «المقبرة الجماعية».
أن يتوفر للضحية قبر أو متران في قبر جماعي
أمر، وأن يُسجل اسمه في عداد الضحايا أمر مختلف تماماً. وكم كان الأمر الثاني
أشد صعوبة في شاتيلا. هناك أعداد كبيرة من الضحايا لم يتمكن ذووهم من تسجيل
أسمائهم . فأين الإثباتات؟
تلك حكاية طويلة... نكتفي منها بالقول إنه ما من مؤسسة دولية أو رسمية أو أهلية
قامت بتسجيل أسماء الضحايا والمخطوفين والمفقودين وتعدت أسماء لائحتها
الثلاثمئة ضحية ومفقود، ومن الطبيعي أن تتكرر الأسماء. وما من مؤسسة تكرّمت
بالإعلان عن أسماء لائحتها وقامت بتسليمها إلى أهالي الضحايا ـ كما تقتضي
الشرائع والقوانين ـ فلوائح أسماء الضحايا دخلت في سرداب الممنوعات. أما بعض ما
عُرف منها سراً، بين الحين والحين، أو ما بين قرن وقرن من الزمان، فقد تم بعد
صعوبات.
إن أقل ما في الإمكان القيام به لتكريم ذكرى الضحايا بعد 28 عاماً هو أن نعمل
جميعاً على تكريمهم بالبحث عن أسمائهم المفقودة أو المخفية في الأدراج، أولاً؛
وبالسؤال عن أسمائهم المحفورة في ذاكرة الأهالي والسكان، ثانياً؛ وبنشر جميع
الأسماء، ثالثاً. ولننطلق من أسس واضحة. ففي دراستي عن صبرا وشاتيلا تمكنت عبر
18 عاماً من جمع 17 لائحة لأسماء الضحايا والمخطوفين والمفقودين، وهي تحتوي على
أسماء 906 ضحايا، و484 مخطوفاً ومفقوداً لم يعد منهم أحد، وجميع الأسماء موثقة
بالمصادر الأولية. هذه الأسماء يجدر أن تضاف إليها الأسماء التي نشرها صحافيون
ومخرجون وكتّاب في مقالاتهم أو كتبهم أو أفلامهم. أما المصادر التي ما عاد
الصبر على تغييبها ممكناً، فهي لوائح المؤسسات الإنسانية التي جُمعت قبل نهاية
ذلك الأيلول وفقاً لشهادات المسعفين العاملين فيها، ثم رفض المسؤولون تسليمها
أكثر من مرة. فإلى متى؟
أما آن الأوان لضحايا صبرا وشاتيلا أن تصبح لهم مكانة الضحايا لا أكثر ولا أقل؟
أما آن لهؤلاء الضحايا أن ينتقلوا من خانة الأرقام إلى خانة الأسماء؟
تلك مأساة المجازر. الإنسان تُسلب منه الحياة، ثم تُسلب ذكراه بعد مماته.
ملف فلسطين الشهري في صحيفة السفير اللبنانية*
09/2010