28 تموز 2002
مصطفى سعد رمز المقاومة الوطنية اللبنانية ..
بقلم : نضال حمد*
بعد صراع طويل مع
المرض اللعين, غيب الموت يوم الخميس الماضي 25تموز مصطفى سعد، المناضل اللبناني
الأصيل والمقاوم العربي الكبير, الناصري المتواضع والقومي الأبي والفلسطيني القلب
والحب, واللبناني الانتماء والموت والحياة. رجل العقيدة ثورة وجهاد ووفاء وانتماء
للعروبة المتوهجة كشمس الحرية المشعة فوق وطننا العربي الكبير المبتلي بما فيه وما
لديه من حراس يعملون على إقلاق شعوبهم وراحة أعدائهم.
أراد القدر للمهندس الشاب أن يتولى مسؤولياته السياسية والنقابية والحزبية مبكرا بعدما غيب الموت والده المجاهد النقابي والبرلماني اللبناني الكبير القائد الناصري معروف سعد المعروف عنه دفاعه الشديد وتبنيه الدائم لقضايا البحارة والصيادين. حتى أن الناس العاديين كانوا يلقبونه بأبي الصيادين. اغتيل معروف سعد في شباط من عام 1975 برصاص المجرمين القتلة من أعداء وحدة لبنان وعروبته ومن تجار البر والبحر في لبنان, وبمقتله كانت شرارة بداية الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان ودمرته. وكانت عملية الاغتيال مقدمة لاغتيال عروبة لبنان عبر تفجر الحرب الأهلية التي زعزعت بنيان ذاك البلد الصغير وقضت على ازدهاره ومكانته في المنطقة.
في هكذا أجواء وجد
أبو معروف نفسه في موقع أبيه الشهيد, قائدا لصيدا قلعة المقاومة وعرين العروبة
الملتهب, فعمل على قيادة فقراء وبحارة صيدا ورجالات والده الذين انتخبوه أمينا عاما
للتنظيم الشعبي الناصري.
وكذلك عبر قيادته للمدينة الأبية وللمجلس السياسي للحركة الوطنية اللبنانية في الجنوب عام 1975 أيضا.
ثم تسلم أبو معروف قيادة القوات المشتركة اللبنانية الفلسطينية في جنوب لبنان بعد الاجتياح سنة 1978. هكذا كان أبو معروف رجلا عمليا ومناضلا مخلصا لا يجيد الخداع أو التفذلك والكذب والدجل واستغلال الكلمات لأجل مصالح التنظيمات والأحزاب والفصائل والحركات. كانت كلماته تعبر عن نفسها ببساطتها وقربها لقلوب الفقراء والبؤساء وبحارة صيدا وصياديها. كانت كلماته تجد صداها القومي والثوري في قلوب أبناء الجنوب والمخيمات الفلسطينية المحاصرة بالفقر والتضييق والخناق الغير مبرر والحواجز التي لا تجلب أمنا لا للمخيمات ولا لجوارها بل على العكس من ذلك, فهي تزيد من الفصل والانعزالية وتنشر التفرقة والكراهية بين أبناء الأمة العربية الواحدة والقضية الواحدة. هكذا كان أبو معروف يقول علنا ما في باله وما في فكره, رجلا لا يعرف الدجل ولا يقبل بغير مواقف الرجال التي تليق بأبناء الرجال. فهو رجل مناضل ووالده كان من قبله رجلا كبيرا وقائدا جليلا ومناضلا قاتل مع القائد عبد الناصر دفاعا عن فلسطين والأمة العربية في الجليل وعند الحدود مع لبنان في اللواء العربي, في المالكية.
هكذا تربى مصطفى
سعد وهكذا كان حتى وافته المنية بعد صراع طويل مع المرض العضال. كان يردد شعارات
المقاومة التي كان له شرف تأسيسها ومن ثم قيادتها في رحلة الجهاد والعمل المقاوم,
حيث شنت العمليات والهجمات القوية ضد الاحتلال الصهيوني في الجنوب اللبناني. وكانت
تلك المقاومة باسلة وصلبة وفعالة وقوية, توحدت فيها البنادق الشريفة التي واجهت
الأعداء بقنا عات قومية وعربية ووحدوية وتقدمية استطاعت إلحاق الخسائر الجسيمة
بالاحتلال وعملائه.
لم يكتف أبو معروف
بذلك, ورغم الممارسات التعسفية والتحقيقات المهينة والقاسية التي تعرض لها عند
الاحتلال, إلا أنه واصل العمل من أجل استمرارية المقاومة وحماية عروبة لبنان ونصرة
الشعب الفلسطيني ورفع راية تنظيف لبنان من عملاء الاحتلال وأزلا مه من أشباه
الرجال. كما أنه أعلن موقفه الأبي والشريف والقوي الذي أعلن فيه رفضه المطلق
لاتفاقية 17 أيار 1983 المذلة بين الصهاينة المحتلين والدولة اللبنانية.
أسس سنة 1985 جيش التحرير الشعبي قوات الشهيد معروف سعد, حيث شارك هذا الجيش في معارك شرسة وعنيفة وقوية ضد الاحتلال في شرق صيدا وعلى محور كفر فالوس لبعا عين المير وكذلك في الجنوب اللبناني بشكل عام.وبناء على مواقفه هذه وقيادته للنضال الوطني اللبناني ضد الاحتلال في الجنوب , قام الصهاينة بمحاولة اغتياله عبر وضع سيارة مفخخة بالمتفجرات أمام منزله في صيدا يوم 21-1-1985, وأدى انفجارها إلى مصرع ابنته ناتاشا واصابته وزوجته بإصابات بليغة أفقدته بصره وأطفأت نور عينيه لكنها لم تطفئ نور الثورة وشعلة الجهاد المتوهجة في قلبه. بعد العملية الحاقدة غدت صيدا بكل طاقاتها الوطنية والقومية والتقدمية تبايعه على قيادة المقاومة ومن ثم قيادة المدينة في مرحلة التغيير والوفاق الوطني وإعاده البناء بعد اتفاق الطائف بين أطراف النزاع في لبنان. فأنتخب نائبا عن محافظة الجنوب قضاء صيدا كمرشح مستقل في دورتي 1992 و1996، كما أعيد انتخابه سنة 2000 واستطاع الانتصار بالتصويت والاقتراع على معارضيه وحساده كما كان انتصر سابقا بالبندقية المقاتلة على الأعداء وأعوانهم.
لقد كان لأبي معروف
دورا هاما ورياديا في إنهاء حرب المخيمات التي استمرت طويلا بين حركة أمل والمخيمات
الفلسطينية, حيث استضاف المحادثات في منزله ومارس دور الوسيط النزيه الذي كان
الطرفان يحترمان رأيه ووساطته. كما لعب نفس الدور وأدت وساطته إلى إطلاق سراح بعض
المخطوفين الأجانب في لبنان أواسط الثمانينات وبداية التسعينات. كما أنه نال عدة
أوسمة رفيعة جدا من رؤساء سوريا وليبيا وفلسطين والجزائر وذلك تقديرا لدوره القومي
الكبير في محاربة الصهيونية والانعزالية وفي تكريس عروبة لبنان وائتمانه الأبي وغير
القابل للتغيير من ناحية القضية الفلسطينية, فكان أبو معروف محبوبا في المخيمات
الفلسطينية كما كل أبطال فلسطين الذين يفخر بهم الشعب الفلسطيني. ويوم هبت الأصوات
المعادية في الجوار لتلفق الدعايات والأكاذيب بحق الفلسطينيين وقف مصطفى سعد ليقول
في الفم الملآن: ان الذين اغتالوا القضاة الأربعة في صيدا كان هدفهم منع القاضي حسن
عثمان من إصدار القرار الظني في محاولة اغتياله والذي كان سيتضمن أسماء عسكريين
لبنانيين متورطين بهذه القضية. وقف أبو معروف وقال كلمته الجريئة والشجاعة رغم حالة
العداء الهستيري التي كانت تحيط يومها بالمخيمات الفلسطينية, حيث كان ولازال
الكثيرون يعتبرون المخيمات بؤر أمنية خارجة عن القانون. لكن هذه البؤر لازالت منذ
1948 وحتى يومنا هذا محرومة من أبسط الحقوق المدنية بحجج واهية وتحت شعارات غريبة
عجيبة, منها كي لا تميل دفة ميزان الذهب اللبناني لصالح فئة من الفئات اللبنانية
التي تمثل نوعية سكان لبنان وانتمائهم الطائفي. لكن أبو معروف كان يقول لهم علينا
السماح للفلسطيني أن يعيش بكرامة وحرية ومساواة مع أخيه اللبناني ولكي نضمن استمرار
صموده وتمسكه بحق العودة إلى فلسطين, هذا الحق الذي يوجد الآن في مهب الريح بفعل
سياسة التضييق والتيئيس التي يتبعها العالم العربي في التعامل مع اللاجئ الفلسطيني.
رحم الله القائد الراحل أبو معروف وللأمة العزاء في من سيخلفه في قيادة صيدا وطنيا وقوميا في معركة الدفاع عن وجود الأمة العربية ومن أجل تحرير فلسطين و إعادة بناء لبنان الحر والديمقراطي العربي المستقل.
|
مدير موقع الصفصاف |