هواء طلق

ليس سهلاً أن تكون فلسطينيّاً - رشاد أبو شاور

إن ولدت فلسطينيّاً لأبوين فلسطينيين فأنت شقي، لأن أعداء كثيرين يتربصون بك قبل خروجك من رحم أمّك، أعداء أنت لم تخترهم، ولكنهم حكموا عليك بحرب إبادة مسبقا قبل ولادتك، ليس لك فيها من خيار سوى أن تبقى حيّا وتنتصر، فيكون لك وطن وأسرة، وبيت، ونسل يأتي من بعدك ليرث أرضك، وهويتك العربيّة، ويواصل العيش بسلام على أرضه كما هو شأن بني البشر على هذه الأرض.

وإن ولدت لأم عربيّة من قطر عربي ما، اختارت الزواج من ابن عمّها العربي الفلسطيني، فأنت شقي أكثر، لأنك حامل لفيروس فلسطين، ولذا لن يسمحوا لك بالإقامة في بلد الأم التي تنتمي لإحدى الدول الاثنتين والعشرين، فهي وأنت تعاقبان على هذا الخيار غير المرغوب به.

ربّما تكون أمّك من مواطني بلد عربي، بات يستقبل الضيوف والسوّاح (الأصدقاء) الصهاينة الذي صار لهم صدر البيت، بينما أنت البيت ليس بيتك رغم أنك دما ولحما وانتماءً تنتمي لهذا البيت وينتمي لك.. ولكنك حامل (لفيروس) فلسطين.. فتأمّل، وتعذّب، وتميّز غيظا!

انتبه!

ليس سهلاً أن تولد فلسطينيّاً. وتتشبّث بفلسطينيّتك عن وعي، لا عن عصبيّة إقليميّة مريضة، إن محصتها وأخضعتها لأسئلة العقل تكتشف أنها سبب مصائب فلسطين – أقصد الإقليميّة والعصبويّة والطائفية – منذ بدأ تدشين الكيان الصهيوني..

فلسطينيّتك ليست صخرة سيزيف، فلسطينيتك وعي، وأنت وفلسطينيتك حقيقتان حيّتان، لا أسطورة.

في الأسطورة اليونانيّة، حكمت الآلهة على سيزيف أن يدفع بصخرة إلى القمّة كلمّا تدحرجت إلى القاع، سيزيف بكّل ما في بدنه من قدرة وما في روحه من ملل وسأم، ظلّ يدفع بالصخرة، ثمّ يهرول نازلاً إلى القاع، ليستأنف دفع الصخرة، منفذا حكما عبثيّا لآلهة تتلذذ بعذابه الأبدي الذي لا فكاك له منه، ولا خلاص!

هل سيزيف بطل؟ أم تراه مجرّد عبد خاضع محكوم بالأشغال الشّاقة، من آلهة تستمتع بتعذيبه بربط مصيره الأبدي بتلك الصخرة، ومكابدة عذاب بلا أمل؟!

الفلسطيني ليس سيزيف، لأنه يختار الانتماء بوعي وعناد، وبأمل أن يحقق معجزة تعديل الميزان، لينتصر العدل، وينتهي الظلم، وعسف آلهة استمرأت له هذا العذاب.

الفلسطيني (حّر) في أن يخلع جلده، و.. يتخلّى عن فلسطين بحجج كثيرة، ليس أقلّها: العرب ضيّعوها، وهم يجب أن يعيدوها!

المنتمي لفلسطين بيولوجيّاً، بالولادة حسب، هو أردأ الفلسطينيين، لأنه لا يدرك كنه فلسطين، جغرافيّة فلسطين، تاريخيّة فلسطين، عمق الإنسانيّة التي تمنحها فلسطين لمن ينتمي لها بوعي.

هذا النوع من الفلسطينيين سهل الانقياد، والانتكاس، واليأس، والتنكّر لفلسطينيّته قبل صياح الديك ثلاثا!

هذا النوع الفلسطيني بكّاء، عاطفي، هشّ، قابل للترويض بسرعة..

(يهاجر) الفلسطيني مضطرّا إلى أمكنة قصيّة هرباً من الاضطهاد الرسمي العربي، يحمل جواز سفر ذلك البلد غير العربي، فيمضّه الحنين لأهله في المخيّم، أي مخيّم في بلد عربي، يعود مؤمّلاً أن يترك وشأنه، أن يفسح له ليلتقي بأمّه التي دفنت شهيدين وفارقها الابن المتبقّي، والذي ربّما يكون جريحا كنضال حمد مثلاً، ويحمل الجنسيّة النرويجيّة، ولكن.. ولكنه يجابه بسؤال يشهره في وجهه حارس صارم يقف على الحدود، كأنما درّب على شّم (رائحة) الفلسطيني من بين مخلوقات الله:

- الأخ عربي؟!

- آ.. عربي!

- لماذا تحمل جواز سفر نرويجيّا؟!

- لأنني لا أملك جوازي الخّاص بي و.. بلدي يا أخا العرب كما تعلم محتل بكامله!

- يعني فلسطيني الأصل!

- الأصل والفصل، الدم، والعواطف، والعقل، والأحزان، والذكريات، والحّب، والحقد، والغضب، والتشبث بحّق العودة والـ..

هههههم. .. سنحتفظ بجواز سفرك، و.. ستسأل بعض الأسئلة من قبل الأخوة عندما تراجعهم، و.. من بعد أهلاً بك في بلدك!.

- ولكنني لم آت للرد على أسئلة، بل للالتقاء بأهلي، وأقاربي القادمين من فلسطين الـ48، ومن بعد سأتوجّه إلى بيروت لزيارة ضريح ساقي التي بترت في بيروت عام 82 حبّا بفلسطين، وبيروت، ووطني العربي الكبير يا أخا العرب..

- مع السلامة يا أخا العرب، عد من حيث جئت، غير مسموح لك بالدخول..

يتوكأ نضال حمد علي عكّازه، فيقترب منه من يسأله، كأنما لا يكفي (أنهم) حرموه من شّم ريحة الوطن، والأهل القادمين من فلسطين الـ48:

- من شو بتعرج يا أخ؟!

( بيروت 1982 - مستشفى الجامعة الأمريكية - نضال حمد )

(لاحظوا تعبير الأخ!.. الذي لا يعني الأخوّة، وإنما الريبة والوعيد).

- فقدت ساقي في حادث، حادث وقع عام 82 في لبنان، عندما حاصرت قوّات العدو الصهيوني بيروت و..ذبحت أهلنا في صبرا وشاتيلا. هل سمعت بصبرا وشاتيلا يا أخا العرب؟! لقد دفنت ساقي في ثرى بيروت، بدون احتفال رسمي، دسستها في حفرة قرب مقبرة الشهداء، و… البولونيون ركّبوا لي طرفا صناعيّا، واعتنوا بجراحي، والنرويج جنّسوني وفي بلدهم صرت كاتبا وصحافيّا و.. شخصيّةً معروفة، تصوّر يا أخا العرب، مع إنني لا أنتمي لتلك البلاد، ولم أخدم أهدافها القوميّة يوما!

----

محمود العربي!

فتى، هو الآن في الخامسة عشرة، والده من قلب الجليل، صحافي وإعلامي، من صفاته: حزين محترف، قلبه رقيق، إن سمع عن حادث سير في الصين يبكي: يا ترى شو صار في الأم، في الأب، في الابن والبنت بعد مصرع والديها..

كل منكوب في هذه الدنيا عند شحادة الشهابي هو بالألم فلسطيني!

اليونان فقط هي البلد التي منحت الابن جواز سفر يثبت أصله وفصله، الأب أعطى ابنه اسما يثقب عين كّل دجّال مارق في بلاد العرب: عربي.

جواز سفر يوناني للفلسطيني العربي، والعربي هذا ممنوع من دخول أي بلد عربي، إذ بمنطق سلطات المطارات والحدود: كيف يكون عربيّا ويحمل جواز سفر يونانياً؟!

جدّته مشتاقة له، وجدّه نفسه يشوفه قبل أن يموت، فكيف يكون للإنسان حفيد ولا يمكن أن يرى حفيده، يشّم ريحته، ويبوس جبينه، يري فيه الابن الذي خرج ولم يعد منذ غادر بيروت عام 82؟!

ما أغلى من الولد غير ولد الولد

الولد مرفوض من بلاد العرب، والحفيد الأغلى من أبيه على قلب الجدّين مرفوض بتهمة متوارثة عن الأب الفلسطيني، فالفلسطيني المنتمي يورّث نسله تهما ستلاحقهم في الحدود، والمطارات.. العربيّة!

الفلسطينيّة اختيار واع، ومن يضطهدون الفلسطيني في بلاد العرب، كّل همهم إحباط الفلسطيني، والإجهاز على هذا الوعي لأنه قابل للانتشار عربيّا..

نحر جماعي!

المشهد الفلسطيني الراهن، ينفث الدخان الأسود الكثيف على وجه فلسطين، وانتماء وتضحيات الفلسطيني، وهذا سببه جهل المتصارعين على (الوهم)، الذين يذكرونني بواقعة (انتحار) ألوف طيور (البطريق)، دون تفسير لعمليّة الانتحار الجماعيّة تلك.

ألوف الطيور تختار حافة جرف، ثمّ تشرع في قذف نفسها في البحر!

الفرق بيننا وبينها أن القيادات الفلسطينيّة المتصارعة على الوهم هي التي تأخذنا إلى حافة الجرف، وتدفع بنا إلى الهاوية، مسهّلة على (كل) أعداء فلسطين موتنا قضيّةً وشعبا..

هذه العبثيّة تبّز عبثيّة حكم آلهة (الأولمب) اليونانيّة على سيزيف، بتدحرج الصخرة ما أن توشك على بلوغ القمّة، ليعود ويستأنف دفعها من جديد..

ليس أعداؤنا فقط هم من يتسببون في شقائنا، فثمّة جهلة يتشبهون بالآلهة (يقودوننا) بعبثيّة، سادرون في غيّهم، بينما شعبنا ينزف، ويتلقّى ضربات يمكن تفويت كثير منها، بل وردّها إلى صدر عدونا..

إنه عبث يبزّ مسرح بيكيت
 

 

15/02/2008