_____

(3)

 

مقتطفات من شعر خالد زهر

 

يا أرض غَنّي لدني غَنّي

إنتي الجنة ولذة الجنة

منّك شربنا المي والوردات

حنو عليكي قبل ما تحني

يا أرض منك أنا تكونت

ويا أرض إنتي مكوني مني

ومهما عليكي عليت وتكبرت

وستهزأت من لونك البنى

ليكي إنا رح عود مهما سرت

لا بد ما يوقف عجل سني

واليوم عايش فوقك وبكرا

تربتك بتصير فوق مني

***

يا بلادي يا حلم فنان

يا هدية الإنسان للإنسان

يا لون من عطر السما تجلى

وجلغم جبين الارض بالألوان

يا دني لمن وعي الله

وجن فكرو وندلع بركان

مد إيدو من الحلا ملا

خرطش على لواحو الدني كلا

وطّى جبين المقدرة علا

رخص من وجود البشر، غلّى

رصع جبين بلادنا تسلى

دنق بكي، تجمد عليها التلج

رشو حلا ع صفحتو تمرى

شاف وجو ع تلج صنين

تعجب بإعمالو، ركع وصلا

__________________

 

(1)

 

فارسٌ من أبناءِ الحياةِ الأوفياءِ يتربّعُ في دنيا الخلودِ

غسّان الياس

مؤسّسة سعاده الثقافيّة

 

"في ناسْ خِلقوا

                    وبَعِدْ، ما خِلقوا

وفي ناسْ ماتوا

                    وبَعِدْ، ما ماتوا"

 

الشاعر خالد زهر واصفاً "انطون سعاده" المعلّم والرائد!

 

لكنّنا وفي هذا اليوم الحزين، كيف نَصِفُ هذا الشاعر السوريّ القوميّ الإجتماعيّ؟

اليوم، رحل رفيقنا الحبيب الشاعر "خالد زهر" بعد معاناة قاسية مع الداء العضّال، مودّعاً شعباً وأمّةً كم هما بحاجةٍ ماسّة لأمثالِه.  صارع الرفيق خالد مرض الجسد بيقينٍ وصبرٍ لا مثيلاً لهما.  فلمّ يرفّ لهذا الفارس القوميّ الإجتماعيّ جفناً، ولم يمتعِضْ، ولم يعاتبْ أحداً، ولم يَلُمْ شيئاً، ولم يغضبْ لما آل به، ولم يخفِ بسمته الحلوة الحنونة، فإذ به يكاسر الألم بما امتلك من إيمانٍ وعزمٍ وصلابةٍ، معانداً إيّاه حتّى الرمق الأخير.

خطوات جبّارة ونفوس أبيّة: هذه سيرة المؤمنين بريادة الزعيم، قولاً وفعلاً!

اليوم، فقدنا إحدى شموع النهضة السوريّة القوميّة الاجتماعيّة وقد خمدت حرارتها وذابت الى الديمومة.

هدوءٌ وسكينةٌ.

الخواطرُ عميقةٌ.

صمتٌ رهيبٌ.

للزوالِ رهجةٌ.

الألمُ يعصِرُنا.

الذكرياتُ جميلةٌ.

للفناءِ مقامٌ.

فراغٌ هائلٌ يتركه فينا خالدٌ.

الأفكارُ مؤلمةٌ، كيفما جاءت بالبال وأينما حلّت.

اليومُ موجعٌ.

الأمور تغيّرت، الواقع أليمٌ، ولكنّ الاستمراريّة بالحياة الكريمة، بحياة العزّ والإباء، حتماً لا محالاً منه!

اليوم، نكمِلُ المسيرة .....!

* * *

نستذكر هنا مقتطفاً مميّزاً من شعره الرائع، وفيه كلام شامخ لمّ يمْحِهِ الزمن، ولنّ:

"و إنتو يا الحكامْ ببلادي
حاجي بقيتو تحاربو سعاده
بالموتْ ... ما رجعنــا
بالصلبْ ... ما رجعنا
بالسجنْ ..  بالتعذيبْ ما رجعنا
هالدوا .. ما عادْ ينفعنــا
جِعْنا .. عْطِشنا ... القيد وَجَّعـنـا
رجِعنــا .. وقِفنــا ..
و الشعبْ .. معنـــا
الأجيال .. عَـمْ توْْلـد .. تا تِسْمَعنـا
و نِحْنا... منِبقى في مواقعنــا
و بيجـــوز ..!!
و بيجوز ..!! إنو .. تقدروا .. بيجوز
بالسجنْ .. تكووا .. عيونـا بالنار
و بيجوز إنو تقدروا .. بيجـوز
تسَــلّمونا .. لقبضِــة الجزَّار
بالنتيجـة ..
الحزبْ بدّو يفــوز
نكان خلفو .. القائد الجبّـار
و لكّ .. قَوْصــوا القوميّ بمترليوز
دقّــوا .. على صدرو ألف مسمار
بيموت قومــيّ .. في شهر تمّوز
بيخلقوا ... ألف
بشــهر آذار ......!!"

نعم. كلمات ملؤها العزّ وثبات المُعتقد القوميّ.  عِبَرٌ وجدانيّة مُحِقّة اندفقت من خالدٍ في الستينات من القرن الماضي، وذلك إبّان أحلك مراحل اضطهاد القوميّين الإجتماعيّين في الكيان اللبنانيّ.  شجاعته واندفاعه وغيرته على رفقائه كانت مثالاً نهضويّاً، فلم يأبه خالدٌ بتاتاً لغطرسةِ زُمَرِ النظام الأمنيّ آنذاك، ولم يرعِبوه!

 

الشاعر خالد زهر هو أحد أيقونات النهضة القوميّة الإجتماعيّة، وستبقى ذكراه فينا ذاك السوريّ القوميّ الاجتماعيّ المثابر، غير المساوم على المبادئ، ولا المراوغ بالمواقف، إن كان إجهاراً أمّ بِسَكِينةٍ.  عرفناه ذاك الشاعر اللهّاب، صاحب الصوت المميّز والمرفق ببحّة العاطفة القوميّة وأجيج نارها.  فمنّ منّا لمّ يعشق قصائده المعبّرة وخاصةً رائعته الروائية عن ملحمة "سنديانة عين عنوب" وبطولة شهيد استقلال لبنان الوحيد سعيد فخر الدين؟

* * *

كان سعاده قدوته دوماً ولم يتلكّأ حتى وهو على فراش العناية من أن يسأل زائريه:

"شو أخبار الأحبّاء؟"

"شو سامع من الوطن؟"

هذه الأسئلة كانت باكورة هواجسه!

عشق خالد الشعر والأدب العربيّ، وأحبّ النهضة القوميّة والعمل لبناءِ الإنسان الجديد.  الحقّ يقال بأنّه كلّما وأينما استشعر خالدٌ، فلا بدّ للشاهد بأنّ يعتزّ بانطلاقة تشرين الثاني وينتعش بربيع آذار وينهض بشموخ تمّوز!

 

آمن بوحدة الهلال الخصيب وبشعبٍ بارعٍ خلوقٍ مقدامٍ مناضلٍ مثابرٍ مبدعٍ منتجٍ.  آمن بالمدرحيّة وحبّ الوطن!

 

آمن بالعلمانيّة وبالنضال الوطنيّ البنّاء وعاشهما.  حارب الصهيونيّة والطائفيّة والعشائريّة والمذهبيّة.  افتخر بهويّته القوميّة ولمّ يهاون بأخلاقيّتها!

* * *

أحَبّ خالدٌ أطيافاً من الخلق: أحبّ والده الشهيد، والدته الجليلة أمّ خالد، أشقاؤه صلاح ورجا وعماد، رفيقة حياته نهى، كريماته دانا وزينة وأزواجهنّ وأولادهنّ، القدس الأسيرة، الكوفة العريقة، بغداد الحضارة، دمشق القلعة، عمّان الأصيلة، بيروت الحياة، بعلبك الشمس، عكّار الشهامة، كورة الزيتون، ميسلون وحرمون، كيليكيا والإسكندرون، جرش والبتراء، مار الياس بطّينا والرملة البيضاء، حيفا ويافا، اللاذقيّة وعكّا، حلب وصافيتا، الجنوب السليب، الهلال الخصيب، الصليب، العرزال، الهلال، السهل والجبل، أدونيس وهنيبعل، الهرمل والموصل، صيدا وصور، صَنّين والضهور، عشتار وأليسار، النزاهة، الوفاء، الصداقة، القصيدة، فيروز، الفنّ، العقيدة، القوّة، النظام، الواجب، الحريّة، القضيّة، التحيّة، رفقاؤه، النهضة، وقفة العزّ، سعاده، قريته العباديّة، العباديّة، العباديّة...!

 

القوميّون الاجتماعيّون في الوطن وعبر الحدود، وعائلته وأصدقائه، جميعهم عايشوا الشاعر خالد في آلامه حتّى اللحظة الأخيرة.  مُحِبّوا خالدٌ أيضاً كثيرين والأسماء لا تُحصى!

 

رفيقة حياته نهى، وكريماته زينة دانا، وصهره ربيع عبد الخالق، أشقاؤه صلاح وعماد، جميعهم تناوبوا المكوث بجانبه طوال فترة المعالجة ولم يقصّروا بالواجب.  والدته الجليلة وشقيقه رجا هما في الوطن، ولا شك بأنّ ألم الفراق والبعد الإغترابيّ بالغَيِّ الصدى لديهما.  نرى خالدٌ بهمِ!

 

رفقاء خالد وأصدقائه في الغرب الأميركيّ كانوا يزورونه دائماً ولم يردع واحدهم عن التبرّع له بالدمّ إنّ اقتضى الأمر.  كنّا جميعاً آملين بالخير والعافية له، ولكن القدر شاء عكس المُرتجى والمرغوب به.  هذه مشيئة مُرّة ولكنّها في صَلْبِ سُنَّةِ الحياة، ونحن نتقبّلها.......أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة!

 

رفقاؤك في لوس انجلوس، أحبّوك يا خالد ..........

 

اليوم، الأربعاء الواقع في 13 كانون الأولّ 2006، وحوالي الساعة التاسعة مساءً بتوقيت بيروت، صعد شاعرنا خالد للسموات عن عمرٍ يناهز الأربعة والستّين عاماً، في مدينة  Little Rockبولاية Arkansas الأميركيّة، بعد أن سافر إليْها من لوس انجلوس لمتابعة العلاج الطبيّ، الذي وللأسف الشديد، لم يجدِهِ نفعاً.

 

اليوم، ترجّل هذا الفارس الشهم وجسده آلاف الأميال بعداً عن الوطن الأمّ، ولكنّ روحه التحمت بِسماءِ أمّته وهي التي أحبّها حُبّاً جَمّاً، وعمل من أجل عِزّتِها ورُقيّها منذ أيّام الشباب وطوال حياته النضاليّة العارمة.

 

اليوم، رحل حبيبُنا وشاعرنا خالد، واليوم نحتفل به وبالنهضة التغييريّة البنّاءة التي آمن بها بصلابةٍ لا تُكسَرْ.

 

اليوم، أضحى زهرةً خالدةً.

 

اليوم، تخلّدَ خالدٌ.

وداعاً يا أيّها الشاعر والصديق......

    

رحمك الله يا خالد.

البقاء للأمّة.

 

غسّان الياس

مؤسّسة سعاده الثقافيّة

لوس انجلوس في 13 كانون الأولّ 2006

______

 

(2)

 

رحيل خالد زهر... والامة التي لا تهزم

مسعد عربيد

 

الأربعاء، 13 كانون الأولّ 2006، حوالي الساعة التاسعة مساءً بتوقيت بيروت، توقف قلب خالد زهر عن الخفقان.

* * *

برح النوم عينايَ ولم أستطع أن اقنع الذات بالخلود للراحة ولو للحظات قليلة حتى تشرق الشمس. غادرنا خالد فلا راحةَ لنا بعد اليوم!

ماذا أقول وقد ترجل الفارس خالد زهر، "الزهر الخالد" كما يحلو لرفاقه أن يسموه؟

 

جال فكري وتقاذفتني الافكار والشجون، وشدتني  الذكريات الى الوارء، الى ما ينوف عن ربع قرن. ترى ما السر في هذا التلكأ والتردد؟ هل مرده الخوف من المثول أمام الموت؟ أم أنه عزوف عن المرثيات والطقوس؟ أم ترى هي خشية من إنفلات الشجون الحبيسة، إنفلات أخشى عواقبه ولا أدري أين سينتهي بي؟

 

أعدتُ الكرةََ مرةَ اخرى: ماذا أقول وقد إنسل خالد من بيننا كالشهداء حين يرحلون: صامتاً دون صخب ولا ضجيج. ألقيت على وجهه السمح نظرةَ الوداع الاخيرة فلم ألقى إبتسامته الخلاّبة التي ترتسم أبداً على شفتيه، بل صمتاً سرمدياً هيمن على روحه.

* * *

أبكيكَ خالد.

         

أبكي فيك القلب الذي حمل هموم الوطن والفقراء و"المعطرين"، حملها معه حيثما حط به الرحال فعبر بها ومعها القارات والحدود والبحار، وعاش دهره كي يرى الفجر يشرق على أمةٍ حرةٍ سعيدةٍ وموحدةٍ.

 

وابكي فيك يا خالد الروح التي رفرفت دون توقف فوق وطنٍ جريحٍ بعيدٍ ما أن نطاله حتى يفلت منا مرةً اخرى، وما ان تجف فيه دماء حتى يتضرج مجدداً بدماءٍ تتدفق من شوارع بغدادَ وغزة وبيروت.

 

أبكيكَ شاعراً عشق القصيدةَ ونسجَها بسخاء وعطاء للوطن وللامة. وأبكيكَ كلماتٍ لم تقل أياً منها في "البلاط" و"المناسبات" والمديح، بل كانت كلماتك، كل كلماتك، رصاصات للقضية والحزب والامة.

* * *

ابكيكَ قومياً في زمن تتعرى فيه كل الوجوه، وينفضح فيه المتاجرون بالشهداء والوطن والمخيم، في زمن أصبحت القومية فيه رَجساً ولعنةً وهرطقةً ترتعد منها فرائص الاعداء والعملاء. وكالمختلس في وضح الظهيرة، تنصل منها تجار الاوطان ومتخارجو "الديمقراطية" وخوارج الهوية والانتماء. أما أنت، يا خالد، فقد تشبثت بها عقيدةً ومبدأً ونضالاً، فكنتَ المثقف العضوي الذي إنسجم مع ذاته، وتماهي مع معذبي الارض، أينما كانوا، فكان الانسان والاممي.

 

لم يفهم خالد الحدود، لا الجغرافية منها ولا السياسية، لانه رفض، من حيث الجوهر والمبدأ، أن يفهمها أو أن يقرّ بها. ولم يعترف قط بكل الخرائط التي رسمتها لأوطاننا سايكس ـ بيكو على إختلاف طبعاتها التي توالت علينا بلا نهاية على مدى قرن طويل من الزمن. ولم يتواني للحظة عن تعرية العملاء المتكالبين الذين دشنوا تلك الحدود وتقاسموها وقالوا لنا: تلك هي أوطانكم! خالد لم يرى سوريةً كبرى بل كان يرى وطناً، ولم يرى هلالاً خصيباً بل كان يرى أمةً. هكذا عاش رسالته وهكذا قضى من أجلها.

 

عشق القدس ولم تكحل عيناه برؤياها... وحفر يافا في ذاكرته لانها الشاطىء الذي يوصله الى بيروت... وأحب، بلا حدود، بغداد المضرجة بالدماء... أما بيروت فقد عاش بها ولها ثم قضى قبل أن يطل فجرُها .. الشام كانت الحلم الذي سكن خالد في كل محطات حياته...أما الهلال الخصيب فكان الافق البعيد القريب ...

 

هكذا عرفتُ خالد طيلة سنوات الوجع والمخاض: يعتصر ألماً ولكنه لا يكل... ما يخرج من معركة إلاّ ليبدأ العراك في اخرى.

* * *

ترجلتَ باكراً يا خالد، وغادرتنا والفجر لم يطلَ بعد... تركتَنا كالام الثكلى وحيدةً على مفترق الطريق ... والمشوار أمامنا طويل... بلا نهاية، والدرب محفوف بالمخاطر ...كم قلتَ لنا: "لِسّا الحبل عالجرّار".

 

رحلتَ عنا يا صديقي والقضيةُ جمرةٌ متوقدة وجذوةٌ ملتهبة. فقد تكاثر الخونة والعملاء من كل حدب ودرب كما لم يشهد تاريخ الشعوب من قبل، وإرتد "مناضلو" الماضي و"رفاق " الدرب، واصطف المنافقون والمتاجرون للإنقضاض على المسيرة، ولا أدري من أين أتوا بكل هذه العدة والعتاد!

 

الكل تكالب، يا خالد، إلا الفقراء فبقوا أوفياء على العهد. ألم تُذكِرَُنا مراراً بان المشوار طويل؟ وهو كذا. وبأن المسيرة ما فتأت تحبو خطواتها الصغيرة؟ وهي كذا. وبأن القضية تستغيث بالمزيد من أبنائها؟ وهي كذا.

 

لم ينتهي السجال، يا رفيقي، بعد. فالمشهد ما زال يحتشد ب"كربلاءات" متجددة. والجولة قادمة لا محالة، وحينها سيكون الخيار واحداً: الوطن أم الموت.

 

نحن وحدنا، كما علمتَنا يا خالد، نملك القرار: أن نذرف الدمع أم أن نزغرط مثل امهات فلسطين. هي جولة نُقاتل فيها أو نُقتل. هي جولة للبطولة أو للبطولة.

 

لقد سقط بعضنا وسيسقط المزيد. إلا ان أمةً تستلهم جذورها من أعماق التاريخ، أمةً تنجب خالد زهر، أمةً تغرف إرادتها من ملايين الفقراء، هذه أمةٌ لا تهزم.  

ـ الآراء الواردة في المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع أو محرري "كنعان".

ـ عند الاقتباس أو إعادة النشر، يرجى الاشارة الى "كنعان".

ـ يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان "كنعان" الالكتروني: mail@kanaanonline.org

 

- To visit Kana’an website, please go to: http://www.kanaanonline.org.

- To subscribe to our mailing list, please send a blank e-mail message to arabic-join@kanaanonline.org.

 

- To unsubscribe from our mailing list, please send a blank e-mail message to arabic-leave@kanaanonline.org.

 

www.safsaf.org