مغزى تنكر السلطة لتقرير غولدستون
د. أسعد غانم
14/10/2009
عندما هممت بكتابة هذه المقالة، شد اهتمامي الخبر الذي تناقلته وسائل الاعلام عن
ادعاء محمود عباس بأن قرار تأجيل النظر في توصيات لجنة غولدستون كان بموافقة الدول
العربية، وانه من ناحية اخرى، قرر بعد التشاور مع اعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة
التحرير تشكيل لجنة تحقيق في حيثيات طلب التأجيل. بمعنى آخر، عباس كان يعرف بقرار
التأجيل الذي أتخذه بعدما تحقق من موقف الدول العربية، وقد قرر تشكيل لجنة تحقيق،
وكأنه لا يعرف بقرار التأجيل، سوى من بعيد، باختصار، يكذب علينا من غير ان يرف له
جفن، كما يقول المثل العربي. هذا الموقف يستطيع ان يلخص كل ما تفعله 'السلطة
الوطنية' منذ اوسلو والذي تعمق، ليصبح نهجاً بعد وفاة ياسر عرفات واعتلاء عباس منصب
الرئاسة، السلطة ورجالها باتوا اداة بيد الاحتلال والمستعمر لاحكام السيطرة على
الفلسطينيين، وفي نفس الوقت يصرون على لعب دور حركة تحرر وطني، التي تسعى لحصول
شعبها على الاستقلال، الا ان سلوكهم السياسي وحتى التفاوضي لا يدل على انهم في
مواقع حركة تحرر ولا حتى سلطة 'وطنية'..
بعد التعبير عن مشاعر الغضب مما فعلته السلطة الفلسطينية بشأن تقرير لجنة غولدستون،
ولكي نكون مصيبين في مطلبنا من السلطة، يجب ان نجري عملية تحليل للحيثيات التي أدت
بالسلطة الى اتخاذ موقفها هذا، ومن ثم الانطلاق في بلورة نوعية المطالب التي يجب ان
نتطلع الى تحقيقها كفلسطينيين، ولمن يجب ان نقدم لائحة هذه المطالب.
أولا، انتهاء دور منظمة التحرير، هذه المنظمة التي أسست وفي جوهر عملها حق العودة،
وقد تنازلت عن دورها هذا وتحولت الى مؤسسة تشبه أي جمعية، تتبنى برنامجها 'الوطني'
بناء على مصالح الممولين من أجل ان يوفر حساب البنك تمويلاً للعاملين فيها والذين
لا ينفكون بترديد مصطلح 'المصلحة الوطنية' على لسانهم قاصدين مصالح جيوبهم اولاً.
وعندما يأتي التمويل من اوروبا وامريكا ودول المنطقة المرتبطة بالغرب، يكون
البرنامج وطنياً من حيث الشكل ويخدم مصالح الغير من حيث المضمون. ومن لم يقتنع بهذا
التحليل جاءت التطورات بعد وفاة عرفات لتؤكد ذلك، فقد حاولت السلطة بدفع اسرائيلي
وامريكي واوروبي انجاز الانقلاب على السلطة الشرعية التي انتخبت سنة 2006، وتآمرت
على مصالح الشعب الفلسطيني بعد ذلك مستعملةً الاعلام الاسرائيلي والغربي المعادي
للشعب الفلسطيني لتثبيت ادعائها بان حماس المنتخبة شرعياً، هي من قام بالانقلاب.
جاءت حرب اسرائيل على غزة، لتثبت تحول السلطة الوطنية في ظل هامشية منظمة التحرير
من 'الكيان الوطني الفلسطيني' الى 'الكيان التابع' لمصالح وارادة المستعمر، التي
انضوت مؤسساتها الممولة من أعداء الشعب الفلسطيني وكل فصائلها اليمينية واليسارية
تحت سلطة عباس، كرئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. فقد شاركت المنظمة (من خلال
سكوتها) والسلطة (من خلال سلوكها) اسرائيل جهودها للانقضاض على غزة وأهلها، وعمل
عباس، كما هو معروف، مروجاً للموقف الاسرائيلي الذي القى مسؤولية الحرب على حماس.
وتوج ذلك بالعمل على شل توصيات لجنة غولدستون.
ثانياً، السلطة كجهاز سيطرة على الفلسطينيين يعمل تحت مبنى القوة الاسرائيلي ويرضى
بهذا الدور، فكل التطورات تفيد بان السلطة التي يتقاضى موظفوها، في فلسطين وخارجها،
رواتبهم من اموال اسرائيلية وامريكية واوروبية، تعمل كجزء من جهاز القوة الاسرائيلي
الاحتلالي للتحكم بالشعب الفلسطيني، القرارات الاستراتيجية تؤخذ في عواصم الممولين
وسلطة عباس تنفذ، مع ترك هامش من القرار لهذه السلطة، مثل لون لباس الشرطة المدنية
وألوان اشارات المرور في المدن الفلسطينية. هل يجب ان نقدم أي اثبات لذلك اذا كانت
الشرطة تسمى 'شرطة دايتون' والكونغرس الامريكي يصرف عليها.
ثالثا، السلطة غير معنية أبدا بالشرعية الفلسطينية، بل تخدم من يقدم لها اسباب
الحياة، اسرائيل، الولايات المتحدة، اوروبا، وبعض الدول العربية الموالية للغرب.
لقد تبنت السلطة نهج دول عربية اخرى وتحولت الى نظام دكتاتوري يحكم الشعب الفلسطيني
بالترغيب والترهيب، الحكم يأتي بالقوة واستعمال المخابرات المدربة والاموال الاتية
من الخارج، والشرعية تستعمل حسب الحاجة والمطلوب. الشرعية هامة اذا كانت الى جانب
رجال السلطة، ويمكن تزويرها اذا كانت غير ذلك، بهذا المعنى الانتخابات التي قبلت
بها حماس قبل اسبوعين على لسان خالد مشعل، معروفة النتائج، التزوير هو اداة رخيصة
ومتوفرة وسوف تستعمل عند الحاجة، وبهذا فان الانتخابات الفلسطينية، اذا اجريت، هي
معروفة النتائج مسبقاً.
وبناء على كل ما ذكر آنفا يمكننا استنتاج ما يلي: السلطة ومنظمة التحرير، هما
مؤسستان فلسطينيتا الشكل، جوهرهما متعاون مع اعداء الشعب الفلسطيني. اما قيام البعض
خلال الاسبوع الماضي بالتوجه الى منظمة التحرير لانقاذ الوضع بعد قرار السلطة تأجيل
البت في مسألة تقرير غولدستون، ما هو الا ذر للرماد في العيون، فعباس هو رئيس
السلطة كما هو رئيس المنظمة، ويقوم لكونه يرأس المنصبين، لا بل تحولت المنظمة الى
ذراع للسلطة وليس العكس، كما يجب ان يكون الحال في مرحلة التحرر وكون المنظمة هي
حركة التحرر للفلسطينيين، والتوجه الى المنظمة وكأنه من الممكن تخليصها من السلطة
او عباس، ما هو الا تأجيل الحسم الفلسطيني في اكثر المواضيع اهمية لمستقبلهم،
الكيان الفلسطيني الذي يمثلهم.
المطلوب الان العمل، من خلال التوجه المباشر لعموم الفلسطينيين، في اتجاهين: أولاً،
سحب الشرعية من السلطة والمنظمة وانهاء دورهما. وثانيا، العمل على اقامة كيان
فلسطيني وطني ممثل للفلسطينيين في كل اماكن تواجدهم، ومن خلال انتخابات عامة
لمؤسسات الحركة الوطنية، تأجيل ذلك سوف يفسح المجال لجماعة ابو مازن الإمعان في
غيهم. وفي ظل حالة القمع للفلسطينيين في الشتات وللذين يسكنون في الضفة الغربية
وقطاع غزة، لا بد للفلسطينيين في اسرائيل من التحرك سريعاً واخذ زمام المبادرة في
هذا المضمار.
* اكاديمي فلسطيني ـ جامعة حيفا