مع خسارة عباس للدعم الشعبي.. شكوكٌ تحوم حول نجاح السياسة الأميركية في الشرق الأوسط

بقلم : هيلينا كوبان / ترجمة عادل بدر سليمان

2009-10-26

قبل شهرين فقط، كان العديد من المعلقين الغربيين يهللون لمحمود عباس؛ رئيس كلٍ من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية المؤقتة في رام الله، والذي يحظى بدعم الولايات المتحدة، على قيامه بمحاولات ناجحة لاستعادة سلطته والحد من تأثر المجتمع الفلسطيني بحركة المقاومة الإسلامية؛ حماس.


ولكن سلسلة الأحداث في الأسابيع الأخيرة أدت إلى هبوط حاد وسريع في مستوى تأييد الشعب الفلسطيني لعباس، أخطرها كان رد الفعل بين الفلسطينيين على قرار اتخذه عباس، أو شخص مقرب منه، بتأجيل أي إجراء للأمم المتحدة يتعلق بتوصيات تقرير غولدستون حول الجرائم الوحشية الشنيعة التي ارتكبتها إسرائيل خلال حربها على غزة الشتاء الماضي.


ريتشارد غولدستون؛ قاضٍ مميز من جنوب إفريقية ومدعٍ عام في جرائم الحرب، قدم تقريره إلى مجلس حقوق الإنسان، في الأمم المتحدة في جنيف، في 29 أيلول الماضي. وقد تضمن التقرير توصيةً بأن يرسل المجلس نتائج التقرير المطولة والمفصلة فيما يتعلق بالتجاوزات التي ارتكبها كلا الجانبين إلى مجلس الأمن للقيام بالإجراءات الإضافية الممكنة. ولكن عندما ناقش المجلس تقرير «غولدستون» في الأول من تشرين الأول، طلب ممثل منظمة التحرير من المجلس تأجيل النظر في التقرير إلى آذار القادم قبل القيام بأي تحرك إضافي. معظم الفلسطينيين، سواء داخل أو خارج وطنهم التاريخي، كانوا غاضبين حيث طالبوا بمعرفة هوية من اتخذ هذا القرار، ولماذا. استقر الشك بسرعة كبيرة على عباس نفسه - ولم يُخفّف من حدة هذه الشكوك إعلانه السريع بأن حركة فتح، التي يرأسها، ستبدأ تحقيقاً داخلياً حول كيفية اتخاذ القرار.


وسائل الإعلام الفلسطينية خرجت بتفسيرين، ربما يكونان متداخلين، حول ما أقنع عباس- أو شخصاً مقرباً جداً منه- إلى عرقلة اتخاذ أي إجراء سريع حول تقرير «غولدستون». أحدهما ركز على الحوافز الاقتصادية التي عرضتها إسرائيل على شركة فلسطينية ذات علاقة تسعى للحصول على التردد الذي تحتاجه لإنشاء خدمة هواتف خلوية جديدة. التفسير الآخر صدر عن وكالة أخبار محلية، كان يتعلق بضرر خفي مختلف، وحتى أشد مكراً من الابتزاز الإسرائيلي. الوكالة أوردت أن ممثلي منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، هنا في واشنطن، جرى إقناعهم بالتخلي عن دعمهم لاتخاذ إجراء سريع تجاه تقرير «غولدستون» بعد أن عُرض عليهم شريط مصور وشريط صوتي سُجّل خلال حرب إسرائيل على غزة، وفي الشريط يظهر عباس ومعاون أمني كبير، هو الطيب عبد الرحيم، وهما يحثان قادة إسرائيل على مواصلة هجومهم على غزة، بل حتى تصعيدها.


هذه المزاعم جاءت متناغمة مع ما كان العديد من الفلسطينيين قد لاحظوه أثناء الحرب على غزة وهو أن معظم أعضاء السلك الدبلوماسي، المنتشرين في دول عدة، رفضوا قول أو فعل أي شيء للوقوف في وجه السحق الإسرائيلي المؤذي جداً، والذي دام طويلاً، لغزة ذات الكثافة السكانية الأعلى في العالم. وفي نفس الفترة، شهدت الضفة الغربية، قيام قوات الأمن التابعة للسلطة (التي يقودها جزئياً الطيب عبد الرحيم) بقمع العديد من المظاهرات التي انطلقت ضد الحرب، وباعتقال أعداد كبيرة من الناشطين المتضامنين مع غزة. ليس واضحاً ما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية ترى في الضربات السياسية المتكررة التي تلقاها عباس نتيجة قراره المتعلق بالتقرير المذكور أمراً مرحباً به، لأنه يقلل من قدرته على التفاوض على السلام باسم الشعب الفلسطيني بأكمله، أو ما إذا كانت تراه أمراً يدعو للأسف، نظراً لقوة معارضته لحماس: لكن رغم كل ما قيل وما حصل، فقد كان ضرورياً كوسيلة تضمن بها إسرائيل عرقلة الدعوى القضائية التي أوصى بها «غولدستون».


ثمة شيء واحد واضح وهو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي؛ نتنياهو، كان في غاية الجدية بشأن عرقلة أي اهتمام من مجلس الأمن بتقرير «غولدستون». الناطقون باسم الحكومة أطلقوا اتهامات شخصية مُهينة وخطيرة جداً ضد «غولدستون»، الذي هو نفسه يهودي، وتصفه ابنته بالصهيوني الملتزم. سفير نتنياهو في واشنطن؛ «مايكل أورين»، قال مؤخراً إن تقرير «غولدستون» فيه من الأذى الخفي أكثر مما في إنكار الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للمحرقة. أورين قال: «إذا استجاب المجتمع الدولي لتوصيات غولدستون، فإن هذا سيشل الديمقراطيات الغربية ويفقدها المقدرة على الدفاع عن نفسها ضد الإرهاب». وقد ذكر أيضاً «التعاون المكثف» الذي تلقته حكومته من إدارة باراك أوباما في صدّ «الخطر» الذي اعتبرت أن تقرير «غولدستون» يمكن أن يشكله لإسرائيل والغرب.


ربما يشعر «أورين» ونتنياهو بالراحة بعد صدّ هذا «الخطر»، ولكن طريقة الابتزاز التي عاملوا عباس بها - وظاهرياً كذلك المسؤولون الأميركيون– بشأن هذا الموضوع، قد عقدت بشكل كبير اللعبة - الخطة الدبلوماسية التي بدا أن إدارة أوباما قد بدأت من قبل في اتباعها، والتي اعتمدت بقوة على ترجيح كفة الميزان السياسي لعباس وفتح على حساب كفة حماس. إن ما اختل الآن هو ذلك التوازن السياسي – لمصلحة حماس، وربما بصورة حاسمة. هذا تغير كبير منذ مطلع آب الماضي، عندما حظي عباس بكثير من الاستحسان من القادة الغربيين لتنظيمه «مؤتمراً عاماً» لحركة فتح- وهو الاجتماع الأول للحركة منذ عشرين عاماً. تركيبة ذلك المؤتمر لفتح، والإغداق المستمر للتمويل الغربي للسلطة الفلسطينية، بما أنه مُسيطر عليها في رام اللـه من قبل كل من عباس وسلام فياض، رئيس الوزراء التكنوقراطي المؤيد للغرب، حمل بعض الحكومات الغربية على الاعتقاد أن هذين الرجلين يستطيعان الآن تهميش حماس ومنعها من أن يكون لديها أي تأثير حقيقي على مفاوضات السلام.


الآن، لا تبدو تلك الخطة عملية كما كانت في الماضي. مكانة عباس انخفضت ليس فقط بسبب القرارات التي اتخذها مؤخراً بالنسبة لـ«غولدستون»، ولكن أيضاً بسبب الجمود التام غير المسبوق لدبلوماسية واشنطن في عملية السلام: فشلها في إجبار نتنياهو على تجميد المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، كما وعدت- وبسبب الطريقة المذلة التي أجبر بها عباس على الاشتراك في لقاء «ثلاثي» مع نتنياهو وأوباما في الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي. تقارير صحفية واردة من القدس الشرقية تفيد بأن الفلسطينيين في المدينة «منزعجون جداً وغاضبون وتزداد خيبة أملهم تجاه هذا الأسلوب الأميركي الجديد، «الذي لا يطرح شيئاً جديداً للنقاش». في غضون ذلك، هناك حديث متزايد بين الفلسطينيين وكثير من الإسرائيليين حول إمكانية حدوث انتفاضة جديدة. إذا حدث ذلك، من الأرجح أن تشعلها الموجة الكبيرة من المستوطنات والنشاطات المرتبطة بها والتي باشرت بها السلطات الإسرائيلية في القدس الشرقية. كبار الدبلوماسيين في الدول العربية المجاورة حذروا، ونظراً لأهمية القدس الكبيرة بالنسبة للعرب والمسلمين في كل مكان، من أن عواقب انتفاضة جديدة تتمركز حول القدس يمكن أن يمتد تأثيرها إلى ما هو أبعد بكثير من فلسطين.



هيلينا كوبان / ترجمة: عادل بدر سليمان / كاتبة ومحللة سياسية أميركية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط. عن (Antiwar)