المنادون بحقوق الإنسان ضد حقوق الإنسان
25/10/2009
كان واضحاً - ومنذ زمن بعيد أن تمسُّح الدول الكبرى بحقوق الإنسان والولايات
المتحدة الأمريكية في مقدمة تلك الدول، لم يكن سوى للمزايدات وذر الرماد على العيون،
فالأنظمة القائمة على التوسع في النفوذ ونشر الاحتلال والهيمنة وافتعال الحروب لا
يمكن أن يكون لها أدنى صلة بحقوق البشر كما وضعتها الدساتير وأكد عليها إعلان الأمم
المتحدة.
وليس ما حدث ويحدث في فلسطين وما يحدث في العراق وأفغانستان وفي أماكن أخرى من عالم
اليوم سوى الأدلة الساطعة على الاستهتار المطلق بهذا المبدأ الذي كانت الدول الكبرى
ولا تزال تتغنى به وتعمل على استغلاله وإدانة المخالفين تحت اسمه.
وإذا كان مجلس حقوق الإنسان في جنيف قد نجح في تمرير التصويت على تقرير القاضي
غولدستون في إدانة الجرائم الصهيونية وفي حربها العدوانية على غزة، فإنه نجح كذلك
في إدانة الدول الكبرى وفضح مواقفها من حقوق الإنسان من خلال ابراز امتناعها عن
التصويت ووقوفها في وجه التقرير ورفضها إدانة الأعمال الإجرامية للكيان الصهيوني
وقادته الذين رضعوا الإجرام منذ نعومة أظفارهم. وهناك من يرى أن هذا الموقف لا يعد
تماهياً مع قادة الإرهاب في تل أبيب بقدر ما يعبر عن مخاوف الإدارة الأمريكية من أن
تنال المصير نفسه، وأن يتم تقديم قادتها العسكريين والمدنيين لمحكمة العدل الدولية
جزاء ما اقترفوه من جرائم في الحرب العدوانية على العراق وما أسفرت عنه تلك الحرب
القذرة من قتل مليون ونصف مليون من الأبرياء وتشريد الملايين من الأحياء.
ومن تحصيل الحاصل القول بأن هذه ليست المرة الأولى التي يقف فيها حكام البيت الأبيض
في مواجهة القرارات العادلة، فقد شهدت الأمم المتحدة وشهد مجلس الأمن بخاصة عشرات
وربما مئات المواقف المخزية والمتعلقة بتعطيل الحقوق ومجافاة الشرعية الدولية. وما
يقال عن حرص الولايات المتحدة على مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان لم يكن سوى طلاء
كاذب فضحته المواقف الواقعية، وكان آخرها ما حدث قبل أيام في جنيف مما أثار استغراب
كل منظمات
حقوق الإنسان في العالم ورأت فيه إحدى هذه المنظمات صدمة غير متوقعة على الإطلاق.
لقد ظن كثيرون أن تغييراً كبيراً قد حدث في الولايات المتحدة الأمريكية بدخول باراك
أوباما إلى البيت الأبيض، وأن ما كان يقال عن التناقض بين ما يقال عن حقوق الإنسان
في هذا البلد الأفعال المخالفة له قد اختفت أو اقتربت من الاختفاء، إلا أن ما يتم
في مجلس الأمن وما حدث في مجلس حقوق الإنسان في جنيف يجعل الآمال تتلاشى والعودة
إلى ما كان عليه الحال في عهود ما قبل أوباما هذا الزائر غير المرغوب فيه للبيت
الأبيض أمراً كبير الاحتمال. لأن ما يحدث في الواقع يتجاوز حدود المنطق وحدود
الأحلام.
alkhaleej.ae