مقابلة البسوس في 14 تشرين
الثاني - بشير عمري
ما أبشع التاريخ...وما أبشع ان تكتشف في لحظة من اللحظات أنك تعيش التاريخ نفسه
الذي قرأت، وإن اختلفت الأرقام والمسميات، .. ربما الكل منا يعرف قصة داحس والغبراء،
هذان الحصانان أو الجحشان اللذان دخلا ذات
مرة في منذ ما لا يقل عن 1500 سنة في سباق ركض، حول من يصل قبل الآخر ومن سيدر على
قبيلته المال الوفير، باعتبار ان داحس كانت لمالكها قيس ابن الزهير والغبراء لحذيفة
ابن بدر، إلا أن قبيلة حذيفة 'ذبيان' التي كانت تقف وراء الغبراء رفضت أن تهزم خلال
هذا السباق، وكادت لبني عبس في أن أوعزت لإحدى العصابات بأن تكيد للغبراء في حال
كانت متقدمة على داحس، وبذلك تفوز داحس ويفوز من خلالها بنو ذبيان على قبيلة عبس
بصفقة حماية قوافل النعمان ابن المنذر .
وحينما تكشفت المكيدة للمناذرة قامت حرب سميت وقتها بحرب البسوس دامت أربعين سنة
أزهقت خلالها الآلاف من أرواح البشر، بسبب جحش تعرض للمكيدة ويتمت اطفال ورملت نساء
.
ولا شك ان أي عاقل منا قرأ هذه القصة سالفا،تذمر وتأسف لحال هذه الشعوب قبل مجيء
الإسلام،و على الرغم من ان حرب البسوس كانت في عصور الجاهلية والكفر وكانت تطفو
عليها عقلية الثأر والانتقام، إلا أنها بينت مدى
الانحطاط الذي وصل إليه الإنسان آنذاك، والذي كان مستعدا ان يدفع مقابل جحش تعثر في
الطريق خيرة رجاله على غرار عروة بن الورد وعنترة بن شداد وحمل بن بدر و عمرو بن
مالك و مالك بن الزهير.
فهل نعلم جميعا ان ما حدث آنذاك أفضل بملايين المرات عما هو يحدث اليوم في زمن
المعلوماتية وحقوق الانسان في قرننا الحادي والعشرين، فبينما نرى نحن ابناء العالم
الثالث والاربعين العوالم تتوحد و دول فرقت بينها الحروب واللغات والتواريخ
والجغرافيا والسياسات تتوحد، نتفرق نحن المسلمين اليوم بسبب او دون اي سبب فهل يعقل
أن جلد مملوء من الهواء - ويا ليته كان سباق خيل -، بعث فينا روح من سبقونا بعشرين
قرن فبات الكل منا يكيد للاخر ويشتم ويسب ويبحث عن كل شيء من شأنه أن يكشف عورة
أخيه ويسلط الضوء عليها لكي يفتح شهية المستمع او القارىء او المتفرج ويغرس المزيد
من الحقد والغل في قلبه .
ولنفرض جدلا أن المصريين أو الجزائريين تأهلوا الى كاس العالم ... فما هو أقصى مدى
سيصلون اليه، رفع العلم الجزائري في جنوب إفريقيا، العلم الجزائري مرفوع في افريقيا
كلها، لو كنتم رجالا يا حكامنا مصريين أو
جزائريين لرفعتم راياتنا في القمر والمريخ، فبينما نحن نبحث عمن سيرفع راياته في
جنوب افريقيا أو امريكا أو أيا كانت هذه الدولة مقابل ... نهبط سراويل بعضنا البعض
دن أن ندري لنكشف عن عوراتنا للعدو قبل الصديق
إن كانت حرب البسوس قد قامت في الجاهلية، وكان الهدف حول من سيفوز فرسه لينال صفقة
مربحة وهي حماية قوافل النعمان ابن المنذر، إلا أنها بقيت وصمة عار في جبين كل
الإنسانية فمابال العرب و المسلمين .
ماذا سنقول لأبنائنا والكل يعلم منا بأن لا أحد منا سيفوز بكأس العالم، ماذا سنقول
للأجيال القادمة عن سر تفرقنا وتبعثرنا، وكأننا في عصر ما قبل الجاهلية، بماذا
سنجيب أولادنا عن القدس التي ضيعناها ونحن نتنابز بالألقاب وبالصور المسيئة، بسبب
جلد منفوخ لا يسمن و لا يغني من جوع، و لكي لا أكون ساذجا أو قديما في حديثي
فـبطولة كاس العالم تثير المنافسة والأدب الرياضي وتستهل أن تعطى كل الاهتمام، خاصة
وانها تعيد بعث الوطنية في قلوب الشعوب وتجمع شملهم حول راية بلدهم، إلا انه ومن
المنطقي أن ان حضورنا مصريين او جزائريين في كاس العالم لن يكون إلا كحضور التوابل
في الأكلة الشهية، التي سيلتهمها أبناء نابليون أو أبناء هيرقل. فلنتنافس بأدب
وليهنئ من الخاسر المنتصر .
23/10/2009
بشير عمري - الجزائر
ameribachir@gmail.com