
الثلاثاء ,06/10/2009
صفعتان تلقاهما الوجدان العربي في أوروبا خلال أسبوعين: فشل مرشح مصر في الوصول الى
منصب مدير عام اليونسكو، والتراجع عن تحويل تقرير غولدستون الى محكمة العدل الدولية
في لاهاي. وفي كليهما حققت “إسرائيل” انتصاراً معنوياً لم تكن لتحققه لولا هذا
الإصرار العربي على السير على قشر الموز.
صحيح أن المقارنة قد تبدو غير ذات وجه بين الأمرين، خاصة أن مرشح مصر هو مرشح
الاعتدال العربي الذي تنتمي اليه السلطة الوطنية الفلسطينية، التي كانت بدورها وراء
سحب التقرير. وإن من يقفون وراء التقرير هم جماعة المعسكر المقابل، ولكن المنطق
الأبعد من خلافات القادة هو أن العربي، الإنسان والشعب والوجود هو الذي يتقزم في
الحالين.
المحزن أن مسؤولاً فرنسياً يقول بوضوح: “لا نستطيع أن نكون أكثر فلسطينية من
الفلسطينيين أنفسهم” في حين أن الإعلام الغربي، وحتى “الإسرائيلي”، لا يفوت الفرصة
ليكشف وبالتفصيل عن الخلفيات أو بعضها - التي كمنت وراء طلب السلطة الفلسطينية من
دول المؤتمر الإسلامي الموافقة على تأجيل التصويت على التقرير.
إحدى الصحف الفرنسية تقول إن ليبرمان هدد بكشف وثائق تدلل على أن السلطة هي من
حرّضت “إسرائيل” على القضاء على حماس، وصحيفة “لوموند” توضح أكثر في فقرة بعنوان:
يتعاونون أم لا؟”، حيث تورد على لسان رسميين “إسرائيليين” القول: لقد حرضونا على
التخلص من حماس في غزة ثم جاؤوا الآن يشكون من الوسائل والأساليب التي استعملها
الجيش لتحقيق ذلك، ولذا لا بأس من إفهامهم بأنهم لا يستطيعون أن يلعبوا لعبة مزدوجة:
إما أن يتعاونوا معنا وإما لا”.
أما هذه “اللا”، فتعني ليّ ذراع في أكثر من مجال، منها المخفي ومنها المعلن: منها
فضح ما سرب منه طرف وما لم تسرب منه أطراف لا تزال “إسرائيل” تحتفظ بها لوقت الحاجة،
ومنها ما يطرح على الملأ في عض أصابع على رهان تافه لا يعدو عملية استثمارية لا
ندري من المتورط فيها في ظل أجواء الفساد المعروفة.
فقبل أسبوع كان الوزير الفلسطيني منصور أبو دقة يصرح بأن “إسرائيل” لن تنجح في
ضغوطها ومساوماتها، ولن تستطيع إجبارنا على قبول تنازلات، ومن دون أن يترك المجال
للتساؤل عن موضوع المساومات يضيف: سنحول التقرير الى محكمة العدل الدولية وسنحصل
على الترددات اللازمة لتشغيل شركة “الوطنية” للهواتف المحمولة، في الضفة الغربية.
وكانت صحيفة “هآرتس” في عددها ليوم 27 سبتمبر/ أيلول تؤكد أن الجنرال غابي أشكنازي
هو الذي كلف بإبلاغ السلطة أنها لن تحصل على الترددات إذا ما أوصلت تقرير غولدستون
الى المحكمة الدولية.
ويقف المرء أمام سؤال مؤلم وسيريالي: هل تقايض ترددات موبايلات بأرواح 1400 إنسان
في غزة؟ وماذا لو لم تحصل السلطة على الترددات؟ الصحافة تجيب إنه إذا لم تنجح
السلطة في تشغيل “الوطنية” فإنها ستضطر أن تدفع للشركة غرامة مقدارها 300 مليون
دولار.
وبعملية حسابية بسيطة يصبح السؤال: هل الثلاثمائة مليون دولار تساوي لدى السلطة ثمن
1400 فلسطيني؟
وهل سيشعر كل مواطن سيشتري يوماً هاتفاً محمولاً لهذه الشركة الجديدة، بأن أنفاس
شهيد تهمس في أذنه مؤنبة كلما رفع الموبايل إليها؟