ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين ضرورة مستمرة

 تحسين الحلبي 
 

2009-10-28


لم يحدث في تاريخ أي جيش عدواني استعماري أن يكون عدد الجنود والضباط المتورطين في ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين العرب وخصوصاً الفلسطينيين واللبنانيين يزيد على مئات الضباط والجنود في الحربين الأخيرتين ضد لبنان والمقاومة عام 2006 وضد الفلسطينيين في الحرب على قطاع غزة في كانون الأول عام 2008. فالمتهمون المدانون بجرائم الحرب أصبحوا في هاتين الحربين فقط من جميع ألوية الجيش الإسرائيلي واختصاصاته ومن جميع الرتب العسكرية ومن بينهم ثلاثة رؤساء أركان ووزير دفاع ورئيس حكومة ووزراء ناهيك عن ضباط وجنود آخرين.

ولذلك يستنتج (كارل شفارتس) في تحليل نشره قبل يومين في عدد من المواقع الإلكترونية للأبحاث والدراسات أن إسرائيل تحولت إلى الدولة الأولى في ارتكاب جرائم حرب في العقود الماضية ولو حوكم ضباطها منذ اجتياح لبنان عام 1982 على هذه الجرائم لفقد الجيش ضباطاً من أهم الاختصاصات.


ولأن قيادة الجيش والمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية أدركا خطورة المطالبة بمحاكمة مجرمي الحرب على مستقبل الجيش والدولة فقد وجها أوامر صارمة بعدم نشر أسماء الضباط من قادة الكتائب والفرق والوحدات التي تشارك عادة في أي عمليات انتقامية ضد الفلسطينيين واللبنانيين لكي يحول دون تقديم أسمائهم إلى محاكم دولية ومحلية ذات صلاحية بالنظر في محاكمتهم. وإذا كانت الحكومة الإسرائيلية المتعاقبة منذ حكومة شارون حتى حكومة نتنياهو الحالية تحاول الظهور بمظهر اللامبالي بهذه الإجراءات التي تعد ضد قادة جيشها ووزرائها إلا أن سجل الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية يشير إلى وجود لجان كثيرة قانونية ودبلوماسية كلفتها الحكومة بإعداد كل الدراسات والاستعدادات الممكنة لمواجهة هذه الإجراءات وبكافة الوسائل التي تتوافر للحكومة الإسرائيلية.


ومع ذلك كان بنيامين نتنياهو أول من حذر من خطورة تقرير غولدستون قبل أسابيع حين هدد علناً بأنه سيتخلى عن العملية السلمية مع السلطة الفلسطينية إذا صوتت الأمم المتحدة لمصلحة قرار يقضي في مجلس الأمن بمحاكمة مجرمي الحرب وكأنه يريد الإعلان بشكل غير مباشر عن تفجير المنطقة وشن الحروب إذا لم تتوقف المؤسسات الدولية المعنية عن ملاحقة إسرائيل وقوات الاحتلال.


وحين لم ينفع هذا التصريح وجرى عملياً التصويت في مجلس حقوق الإنسان على التصديق على تقرير غولدستون تمهيداً لنقله إلى مجلس الأمن الدولي اجتماع مجلس الوزراء المصغر لشؤون الأمن والمسائل الإستراتيجية واتخذ قراراً بتشكيل لجنة تتولى العمل مع الدول الكبرى والغربية لتغيير القوانين التي تتيح محاكمة الجنود والضباط من كل جيوش العالم المتورطة في حرب ضد منظمات المقاومة حتى حين تقتل هذه الجيوش المدنيين.


ولهذا الغرض بدأت إسرائيل باستنفار منظمات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة لتخويف الكونغرس وإدارة أوباما من إمكانية محاكمة جميع الإدارات الأميركية بارتكاب جرائم حرب بسبب الحروب التي يخوضها الجيش الأميركي في مختلف المناطق ويتسبب من خلالها بقتل آلاف المدنيين الأبرياء. ويبدو أن نتنياهو وجد في هذا المشروع ما يمكن أن يوحد الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس لأن رؤساء كلا الحزبين من كلينتون إلى بوش إلى أوباما قد تتعرض إدارتهم ومن عمل في الجيش في عهدهم إلى المحاكمة بالمستقبل.. لقد أراد نتنياهو توحيد جميع الاستعماريين التقليديين ضد جميع الشعوب التي يستهدفونها باحتلال إذا ما قررت المقاومة لأنه حدد في مسودة اقتراحه أن تتغير قوانين الحرب المختصة بالمدنيين الذين تظهر بينهم حركات المقاومة.
لكن التاريخ كما يقول المؤرخون يعيد نفسه بشكل «مقلوب» في بعض الأحيان فالحركة الصهيونية تمتعت بعد الحرب العالمية الثانية بدعم لا حدود له من الحلفاء المنتصرين بالحرب على النازية وقررت ملاحقة جميع الضباط النازيين والمتعاونين معهم في أوروبا ممن تسببوا في مقتل يهود أوروبيين أثناء الحرب. وها هم قادة الحركة الصهيونية في إسرائيل الآن يرتكبون جرائم حرب لا تقل وحشية عما ارتكبته النازية ضد شعوب أوروبا والعالم كله ويبدو أن المنظمات العربية والفلسطينية والأوروبية غير الحكومية ستظل تلاحق مجرمي الحرب الجدد لتقديمهم للمحاكمة في هذا العقد.
إضافة إلى ذلك تبين أن عدداً من المواقع الإلكترونية الإعلامية العربية والأجنبية نشرت صوراً ومعلومات عن عدد كبير من الضباط الإسرائيليين الذين وضعتهم اللجان القانونية في المنظمات غير الحكومية الأجنبية في قوائمها كمتهمين بارتكاب جرائم حرب بموجب ما جاء في تقرير غولدستون. وترى بعض المنظمات غير الحكومية في أوروبا تطبيق فكرة عرض صور هؤلاء الضباط الكبار والجنود في المواقع الإلكترونية وفي بوابات بعض المطارات الأوروبية وكتابة عبارة «مجرمو حرب مطلوبون للمحاكمة» وثمة من يفكر بتحديد مكافأة لكل من يكشف عن وجود مستتر في أوروبا لأحد المطلوبين الذين صدرت بحقهم مذكرة توقيف للاستجواب من بعض المحاكم المحلية في أوروبا.


واقترحت بعض منظمات حقوق الإنسان في بعض الدول الإسلامية تقديم شكاوى رسمية للقضاء في بلدانها ضد عدد من هؤلاء الضباط ووضع أسمائهم كمطلوبين في عدد من المطارات والمنافذ الحدودية البحرية والبرية ويقول بعض قادة هذه المنظمات: إن محاصرة مثل هؤلاء القادة الإسرائيليين بهذه الطريقة سيجبر الحكومة الإسرائيلية على الامتناع عن تصعيد حملتها العسكرية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.


فحين يشعر «الإسرائيلي» أنه مطلوب في أكثر من مكان ودون أن يحدد هذه الأمكنة فسوف يشعر تماماً أن الثمن الذي يدفعه مقابل ما قام به باهظ بالنسبة له وربما يدفعه ذلك إلى مغادرة إسرائيل وعدم البقاء فيها.. وسيجد يهود العالم الذين لم يهاجروا إلى إسرائيل أن كل من يهاجم وينضم إلى جيش الاحتلال سيتعرض هو أيضاً للمحاكمة ومثل هذه الحرب القضائية والإعلامية والسياسية على قوات الاحتلال ينبغي ألا تهدأ ما دام الاحتلال في الأراضي المحتلة مستمراً في الضفة الغربية والجولان والحصار على قطاع غزة مستمراً أيضاً.