كيف تمكن نتنياهو من دفع دول أوروبية على التصويت ضد غولدستون؟

تحسين الحلبي

2009-10-21


يبلغ عدد الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة (47) دولة صوتت ست منها ضد التصديق على تقرر غولدستون الصادر باسم المجلس وهي الولايات المتحدة وهولندا وإيطاليا وهنغاريا وأوكرانيا وسلوفاكيا رغم أنها جمعياً كانت تعرف سلفاً أنها لن تستطيع منع التصديق عليه لإدراكها بوجود (25) دولة أو أكثر ستصوت لمصلحته.


وكان الجميع يدرك أن الولايات المتحدة اعتادت بشكل دائم التصويت في جميع المؤسسات الدولية ضد أي قرار يتهم أو يدين إسرائيل بمخالفات وانتهاكات للقرارات الدولية لكن أحداً لا يمكنه تجاوز الاستغراب بتصويت (هولندا) ضد القرار وبدرجة أقل باستغراب تصويت (برلسكوني) وليس إيطاليا لأنها أصبحت شعباً وأحزاباً يسارية وتقدمية رهينة بيد برلسكوني وسياسته التي تثير جدلاً في إيطاليا والعالم.


أما الدول الثلاث الأخرى أوكرانيا، وهنغاريا، وسلوفاكيا فالحقيقة تدل على أن العلاقات التي تربطها بإسرائيل تفوق علاقاتها على ما يبدو مع دول أوروبية لأنها سارعت دون تردد وصوتت ضد القرار الذي يدين إسرائيل بارتكاب جرائم حرب مستجيبة للرغبة الإسرائيلية والأميركية على السواء وهذا ما يثير عدداً من الأسئلة والاستغراب معاً.


فهنغاريا أصبح النفوذ الإسرائيلي فيها على ما يبدو قوياً إلى حد جعل عضو برلمان هنغاريا (أوسكار مولنار) من حزب (بيداس) يطلق صرخة أعلن فيها أن «اليهود الصهيونيين في هنغاريا يحاولون السيطرة على الدولة، فقد كشفت صحيفة (هآريتس) أمس أن (مولنار) قال قبل أيام: «إنني وطني هنغاري وأحدد الأولوية لمصلحة بلادي ضد ثروة اليهود الضخمة التي تسعى إلى السيطرة على العالم وعلى هنغاريا بشكل خاص» وبمجرد انتشار هذا التصريح ظهرت ردود فعل تنتقد (مولنار) من أحزاب صغيرة ومن المنظمة اليهودية الهنغارية.


ويذكر أن حزب (بيداس) الذي ينتمي إليه (مولنار) في المعارضة الآن لكنه من المتوقع أن يفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة في ربيع عام 2010 ويشكل الحكومة وبعد ضغوط مورست على الحزب اضطر زعيم الحزب (فيكتور أوربان) إلى وصف تصريحات (مولنار) «بالمربكة» لكنه لم ينتقد ما جاء في تصريحه..


وكان (مولنار) قد كشف أن الإسرائيليين من أصل هنغاري يعلمون أبناءهم اللغة الهنغارية في مدارس خاصة في القدس لكي يستعيدوا جنسيتهم ويحملوا الجنسيتين ويتحولوا في المستقبل إلى (لوبي) للضغط ولجمع الثروات واحتكارها بأيدي يهود هنغاريا.


ويبدو أن هذه التطورات الجديدة على هنغاريا وزيادة مصادر نفوذ وثروة اليهود الهنغاريين فيها أخذت تولد مجموعات تندد بهذا النفوذ تقودها عناصر يمينية متشددة يصطدم بعضها بالهنغاريين اليهود فتسارع إسرائيل إلى وصفها (بمعاداة السامية) وهو الاتهام نفسه الموجه (لمولنار).


أما أوكرانيا فمنذ اختلافها السياسي مع موسكو بدأت إسرائيل تهتم بزيادة الصلات بقادتها وكانت زيارة وزير الدفاع الأوكراني لها في تموز 2005 أول تدشين رسمي كبير لتصدير أسلحة إسرائيلية لها فيما بعد ثم زار يوشينكو الرئيس الأوكراني إسرائيل في تشرين الثاني من العام نفسه. واهتمت أوكرانيا بالتعاون مع إسرائيل لكي تنهي اعتمادها على الأسلحة وأنظمة الحرب الروسية واستبدالها بأسلحة غربية لكي تمهد الطريق نحو الابتعاد عن صلاتها بروسيا والانضمام بعد ذلك إلى حلف الأطلسي، بل إن شركات إسرائيلية جوية تنافست مع شركات أخرى للعمل على تحديث طائرات سلاح الجو الأوكراني من نوع «ميغ 29» كما زودت إسرائيل أوكرانيا بأنظمة اتصالات للجيش من الصناعات الإسرائيلية المعروفة باسم «تاديران»، ومن الواضح أن نتنياهو استخدم كل الضغوط المتوافرة لديه للحصول على قرار «كييف» بالتصويت ضد تقرير «غولدستون» بطريقة الضغط نفسها التي مورست على هنغاريا من الداخل وعلى سلوفاكيا في الوقت نفسه.


فالكل يدرك أن من يصوت لمصلحة إسرائيل لا يفعل ذلك إلا لأحد الأسباب التالية: إما أن ضغوطاً مورست عليه ولم يستطع تجاوزها وإما لأن إسرائيل وواشنطن ستقدمان له ثمن هذا التصويت في المستقبل فلا يمكن لأي دولة أن تصوت مع إسرائيل عن قناعة أو تأييد تام لما تقوم به من مذابح، وهذا ما يقودنا إلى غياب الضغوط أو الحوافز العربية التي يتعين استخدامها مقابل الضغوط أو الحوافز الإسرائيلية فهذه الدول الست التي صوتت ضد تقرير غولدستون تدرك أن العرب لن يفعلوا شيئاً بعد تصويت هذه الدول لمصلحة إسرائيل وفي أكثر المسائل مصداقية عربية وإنسانية.
فبرلسكوني ارتبط بعلاقات مع بعض القادة العرب ولم يهتم بتلك العلاقات حين أصدر أوامره بالتصويت لمصلحة إسرائيل، وهولندا يوجد فيها برلمان كان أعضاء فيه قد فرضوا على الحكومة الانسحاب من مشروع كانت تساهم في بنائه في القدس المحتلة. ولا شك في أن الدول الأخرى تربطها علاقات اقتصادية وسياسية بدول عربية مؤثرة لكنها أي أوكرانيا وهنغاريا وسلوفاكيا لم تأخذ بالحسبان أي دور انتقادي لها من تلك الدول العربية فسارعت إلى التصويت مع إسرائيل.


وهذه التجربة التي تتقن إسرائيل القيام بها مع الدول التي تربطها بها علاقات تسليح واقتصاد لا يبدو أن العرب يستخدمونها من أجل قضاياهم العادلة، فالغياب عن ساحة التأثير يحول الأعداء والخصوم إلى أصحاب قرار حاسم في تلك الساحة. وإذا كان هناك من يعتقد أن إسرائيل تعتمد على ما يمكن للولايات المتحدة أن تجنده من دول لمصلحة إسرائيل فهو مخطئ لأن واشنطن لا تستطيع في بعض المسائل الحساسة إجبار دول كثيرة على السير على خطاها لمصلحة إسرائيل فثمة دول تتجاوز الضغوط الأميركية عن طريق تهربها من التصويت أو امتناعها على غرار ما فعلت دول مثل المكسيك والكاميرون والغابون وكوريا الجنوبية وغيرها من الدول التي امتنعت عن التصويت رغم ما يتضمنه هذا الموقف من سلبية وسكوت عما تفعله إسرائيل.. إن تجربة التصويت على تقرير غولدستون تفرض على الدول العربية النظر في استخدام وسائل الضغط التي تتوافر لها لتجنيد أكبر عدد من الدول لمصلحة القضايا العربية وهذه هي العبرة من نتيجة ما حدث مع تقرير غولدستون.



تحسين الحلبي