جائزة نوبل وترميم سمعة الولايات المتحدة الأميركية

 عامر راشد

2009-10-25

استندت لجنة نوبل النرويجية في قرار منحها الرئيس الأميركي باراك أوباما جائزة السلام لهذا العام إلى ما وصفته بـ«جهود استثنائية قام بها أوباما بهدف تعزيز الدبلوماسية الدولية والتعاون بين الشعوب»، وانطلاقاً من إعطاء «أهمية خاصة لرؤية أوباما وجهوده من أجل عالم خال من الأسلحة النووية»، التي أوجدت «مناخاً جديداً في السياسة الدولية»، استعادت فيه الدبلوماسية المتعددة الأطراف موقعاً مركزياً، يبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تتولاه الأمم المتحدة وباقي المؤسسات الدولية، ويعطي الأفضلية للحوار والمفاوضات، كوسيلة لحل النزاعات الدولية، وبفضل ذلك «تقوم الولايات المتحدة حالياً بدور بناء أكبر في التحديات الكبرى التي يواجهها الكون، ويُتوقع أن تتعزز الديمقراطية وحقوق الإنسان».


لكن الاعتراضات التي وصفت القرار بـ«السابق لأوانه» محقة تماماً، وقد تدفع لجنة نوبل ثمناً باهظاً للتسرع في قرارها، الذي بني على نيات لم تختبر حتى الآن على أرض الواقع، ويدور شك مبرر حول إمكانية أن تشق طريقها للتنفيذ. فإدارة الرئيس باراك أوباما تحرص بشدة على تقديم نفسها في ثوب سياسي مختلف عن إدارة الرئيس بوش الابن، برفعها لشعاري (الانفتاح السياسي على خصوم الأمس والحوار معهم)، و(تصفية الحروب المباشرة التي ورثتها عن الإدارة السابقة في العراق وأفغانستان، واستعادة هيبة الولايات المتحدة باستخدام القوة الذكية). ورغم أنه من السابق لأوانه الحكم على سياسات أوباما في الأشهر التسعة الأولى من حكمه، أو التشكيك في رغبته في الابتعاد عن الأخطاء الإستراتيجية التي ارتكبها سلفه، أو التقليل من النتائج الإيجابية على البشرية الناجمة عن توقف إعصار نزعة القوة العاتية لإدارة بوش الابن، إلا أنه يجب رصد التغيرات العملية لسلوك واشنطن، والحد من بناء مواقف وتصورات تتلهف لمفاضلة أخلاقية وسياسية بين الرئيسين أوباما وبوش الابن، أو بين نائبيهما بايدن وتشيني.


فالولايات المتحدة الأميركية في عهد أوباما لم تتخلَّ بعد عن سعيها لأن يكون القرن الحادي والعشرون قرناً أميركياً، ولم تراجع بعد إستراتيجيات تأمين مصالحها ومصالح حلفائها في العالم، ولم تفكك عناصر هذه الإستراتيجيات، التي لا تفصل بوضوح بين الجهود الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والعسكرية لتأكيد سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على العالم، التي شكلت ديدن خطط الإدارات الأميركية في العقود الثمانية الأخيرة، بدءاً من إدارة فرانكلين روزفلت (1932- 1945)، وصولاً إلى إدارة بوش الابن (2001-2009)، تارة باحتواء الخصوم بجاذبية النموذج الأميركي، وتارة بالاحتواء العنيف الذي دفعها لارتكاب أكثر من 250 عدواناً وتدخل في القارات الخمس منذ العام 1945، أودت بحياة ملايين البشر. وهذا يدلل على أن الحروب الأميركية غير المباشرة، لم تكن بنتائجها وكلفتها البشرية والأخلاقية أقل وحشية وهمجية من كلفة الحروب الأميركية المباشرة، وللاستنتاج السابق صلة وثيقة بمخاطر خطة «الإستراتيجية العسكرية الأميركية في القرن الـ21»، الموضوعة من قبل باراك أوباما ونائبه جو بايدين.


فالخطة الإستراتيجية العسكرية لأوباما وبايدين تنطلق من تقليص الوجود العسكري الأميركي التقليدي في الخارج، جنباً إلى جنب مع الحفاظ على التفوق النوعي العسكري المطلق، وإعادة هيكلة القدرة العسكرية وفقاً لذلك، بإعطاء الأهمية القصوى لإنتاج وتحديث أنظمة السلاح، لكافة تشكيلات القوات المسلحة، لتحقيق هدف واحد فقط، هو زيادة «القوة الشمولية الأميركية»، وخاصة «المحافظة على التفوق العسكري في الجو»، برصد موازنات كبيرة للصناعات العسكرية الجوية لتأمين احتياجات القوات الجوية الأميركية، بما يمكنها من القيام بعمليات حربية لفترات طويلة في الشرق الأوسط. وتخصيص تمويلات مالية كبيرة لاستمرار الإستراتيجية الأميركية التقليدية «السيادة في البحر»، حيث تدعو خطة أوباما- بايدن إلى «التفوق المطلق الأميركي في القوى البحرية الحربية». عدا ذلك، العقيدة الجديدة تتضمن التزام إدارة أوباما «بنشر السيادة الأميركية في الفضاء».


وحسب خطة أوباما- بايدن، إن العنصرين الأساسيين للسياسة العسكرية لإدارة أوباما هما متابعة مهمة قوات الناتو في أفغانستان، والحفاظ على الشراكة الإستراتيجية مع (إسرائيل)، وأولى المهمات الحساسة للولايات المتحدة الأميركية في القرن 21 هي توطيد التكامل الداخلي للحلف الأطلسي. والمهمة الأخرى التي توازيها هي الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لـ(إسرائيل)، وفي كلتا المهمتين هناك خطر ماثل للعيان بانحراف الإستراتيجية العسكرية لإدارة أوباما نحو التورط في شن حروب عدوانية جديدة، على الأغلب أنها لن تخوضها مباشرة، بل عن طريق وكلاء.
وما تراجع إدارة أوباما عن نشر الدرع الصاروخية الدفاعية في أوروبا إلا ضرورة فرضتها اعتبارات أميركية خالصة، بعد تفجر الأزمة الاقتصادية الطاحنة، فهذا المشروع يعدّ من أكثر المشروعات العسكرية تكلفة من حيث النفقات المالية. وأشار إلى ذلك مدير هيئة الرقابة الحكومية الأميركية بول فرينسيس في تقريره للكونغرس.


والطريق ما زالت طويلة ومتعرجة نحو «عالم خال من الأسلحة النووية، تجسيداً للقرار 1887، وسيكون على العالم أن يبقى في دائرة الانتظار القلق حتى تنجلي الأمور في القمة التي ستعقد حول الأمن النووي في واشنطن- نيسان 2010. ويلف الضباب مصير جهود إعادة بناء العملية التفاوضية في الشرق الأوسط، بعد سبع جولات فاشلة لجورج ميتشل.
لذلك من حق الكثيرين اعتبار منح أوباما جائزة نوبل للسلام تسييساً للجائزة، يهدف إلى ترميم صورة الولايات المتحدة الأميركية، لكن الترميم يحتاج إلى أكثر من نيات ووعود، فهناك الكثير من الأعمال على إدارة أوباما القيام بها قبل أن يستحق رئيسها هذا التكريم.