بعد التصويت على تقرير غولدستون: اليوم السابع

 د.انيس فوزي قاسم

27/10/2009



عنوان هذه المقالة مأخوذ من اسم مجلة أنيقة الشكل والمحتوى كان يصدرها الصحافي اللامع بلال الحسن من باريس. وقد شرح لماذا اختار لها هذا الاسم بقوله ـ على ما اذكر- انه بعد ان استطاعت اسرائيل اجتياح اراضٍ في ثلاث دول عربية في ستة ايام، فماذا عساها ان تفعل في اليوم التالي؟ اي في اليوم السابع!


ها قد صدر قرار مجلس حقوق الانسان في تقرير غولدستون بأغلبية 25 صوتاً ضد 6 وامتناع 11. فماذا نحن فاعلون في اليوم التالي للتصويت الذي جرى في 16/10/2009؟ ان قرار مجلس حقوق الانسان هو المصادقة على توصيات لجنة غولدستون واولها احالة المتهمين بارتكاب جرائم حرب الى محكمة الجنايات الدولية، ومن المعلوم ان مثل هذه الاحالة لا تتم الاّ بصدور قرار من مجلس الامن الدولي بموجب الفصل السابع، اي يجب ان يكون القرار ملزماً لكافة الدول. فهل بالامكان المرور من عنق زجاجة مجلس الامن الدولي ونحن نعلم ان بعض الدول الدائمة العضوية تملك حق الفيتو؟

قبل الاجابة على هذا السؤال، لا بدّ من توفير ثلاثة عناصر اساسية لأي حملة فلسطينية لطرح الأمر على مجلس الأمن. العنصر الاول ان يتولى هذا الملف فريق مشترك من منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمات حقوق الانسان في الاراضي الفلسطينية المحتلة. يجب ان لا تنفرد المنظمة او السلطة الفلسطينية باتخاذ القرارات في ادارة هذا الملف وذلك لضمان عدم وقوعه في 'ديبلوماسية الصفقة' التي برعت فيها القيادة الفلسطينية، لاسيما بعد ان دخلت في نفق مسار اوسلو. ولضمان حسن ادارة هذا الملف يجب ان تكون العناصر الفلسطينية من جميع الاطياف السياسية وذلك درءاً للشبهات وتوفير حماية وطنية وتأييد شعبي واسع له.

اما العنصر الثاني فهو توفير غطاء عربي جاد للتحرك الفلسطيني، وبدون الدعم العربي فان الجهد الفلسطيني سيكون منقوصاً ان لم يكن جهداً بلا طائل. والدعم العربي له مبرراته القومية والوطنية. ليس ان الشعوب العربية مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالقضية الفلسطينية فحسب، بل ان هناك قرارات القمم العربية اعتباراً من القمة المنعقدة في العام 2000، والتي تؤكد وتكرر ضرورة ملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين وتقديمهم للمحاكمة وفقاً لمبادىء القانون الدولي. وها قد حان الوقت لتنفيذ قرارات القمة العربية. اما الاسباب الوطنية التي تهم كل دولة عربية، لاسيما تلك المحيطة باسرائيل، فهي انه ان لم يتم لجم هذا التوحش الاسرائيلي وردعه، فان اسرائيل سوف تجد نفسها طليقة اليد في تكرار ما جرى في غزة او في سورية او مصر او الاردن او لبنان. ولو تمت محاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين عن جرائمهم التي ارتكبوها في بحر البقر وصبرا وشاتيلا او قانا الاولى او قانا الثانية او مخيم جنين او بيت حانون، لما تجرأت على الارجح - على تكرار ذلك في قطاع غزة كما حصل في الاجتياح الاخير.

وللعلم والتذكير، ان تدريب الجيش الاسرائيلي وتشكيل عقيدته العسكرية، ترتكز حالياً على مبدأين: الاول 'مبدأ الضاحية'، وهذا يعني استخدام العنف الزائد عن الحاجة لتدمير الهدف، كما حصل في تدمير الضاحية الجنوبية في بيروت في حرب 2006. فاذا احتاج هدف ما لقنبلة واحدة لتدميره، فلا مانع من استخدام خمس قنابل وذلك لخلق الرعب في نفوس اعدائك. وهذا مبدأ يتعارض مع مبادىء القوانين الدولية من ضرورة استخدام القوة الضرورية فقط لتدمير الهدف العسكري. اما المبدأ الثاني فهو 'تدمير البنى التحتية' للعدو. وتعبير البنى التحتية تشمل جميع المؤسسات الاجتماعية والانسانية والتعليمية والانشطة الاخرى غير العسكرية. بمعنى ان الجندي الاسرائيلي يستهدف المستشفى والمدرسة كما يستهدف خندقاً للمقاتلين الفلسطينيين. اي ان الجيش الاسرائيلي قد حوّل الاهداف المدنية الى اهداف عسكرية واعطى لنفسه حق تدميرها لأنها تخدم هدف 'الارهابيين'، وهذا مبدأ في غاية الخطورة لأن كل هدف يصبح مستباحاً ولو كان الهدف طفلاً او شيخاً او سيارة اسعاف او مقر منظمة دولية.

اما العنصر الثالث الواجب توفره لانجاح الحملة الفلسطينية هو وجود خطة عمل ديبلوماسية ـ سياسية ـ قانونية ويقوم على كل نشاط فيها أناس ذوو كفاية وخبرة ومصداقية، ولا ينقص الفلسطينيون أياً من هذه العناصر ولديهم خبرات بارزة ومميزة، ولاسيما تلك التي تصلّب عودها وتجوهر محتواها في مناضلة الاحتلال.
ونعود الان الى السؤال المتعلق بقدرة الدول العربية على امكانية العبور بتقرير غولدستون وقرار مجلس حقوق الانسان من برزخ مجلس الامن الدولي الى محكمة الجنايات الدولية.

والجواب ـ على الارجح ـ بالايجاب.

ودليلنا على ذلك الموقف الشجاع الذي اتخذته المملكة العربية السعودية ـ بمفردها ـ في موضوع صفقة اليمامة. اذ حين أصرّ البرلمان البريطاني على اجراء تحقيق في تلك الصفقة، كان موقف المملكة ان مثل ذلك التحقيق سوف يهدد الأمن الوطني السعودي لتعلق الأمر باسرار عسكرية، ولذلك طلبت باغلاق ذلك الملف. وحين أصرّ البرلمان على موقفه وطلب تشكيل لجنة تحقيق قضائية، هددت المملكة باستخدام ما لديها من أسلحة مقاطعة ضد بريطانيا. وفجأة توقف البرلمان ولجنة التحقيق القضائية وأسدل الستار. ولنا ان نتصور استناداً لهذه السابقة، ردود الفعل لو حسمت الدول العربية جميعها او بعض منها، أمرها واتخذت موقفاً مماثلاً لموقف المملكة الشجاع والصلب عند طرح قرار مجلس حقوق الانسان على مجلس الامن الدولي.

ولو فرضنا جدلاً، ان الدول العربية لم تستطع ان تمرّ من مجلس الامن بسبب استخدام الفيتو الامريكي، فهل يتوقف الجهد والنشاط الفلسطيني والعربي عند ابواب مجلس الامن، ويلملم العرب جراحاتهم ويعودون بخفي حنين؟

والجواب ـ بالتأكيد- بالنفي.

من الواضح اننا على اعتاب مرحلة مشابهة لمرحلة جنوب افريقيا. اذ بعد صدور عدّة اراء إستشارية من محكمة العدل الدولية بخصوص جنوب افريقيا نشطت حملة الدول الافريقية في المطالبة على النطاق الدولي- بمقاطعة حكومة الفصل العنصري في بريتوريا. واستطاعت الحملة الافريقية تجريد النظام العنصري من شرعيته واخلاقياته واصبح الابارتهايد قضية اخلاقية على مستوى العالم الرسمي والشعبي. وازدادت حلقة المقاطعة اتساعاً لدرجة ان الفرق الرياضية لم تعد تذهب الى جنوب افريقيا، ولم يسمح لفرق جنوب افريقيا الرياضية من المشاركة في المباريات الدولية.

ويقف الفلسطينيون على عتبة مرحلة مماثلة. انهم يتسلحون برأي محكمة العدل الدولية في قضية الجدار، حيث اعلنت المحكمة عدم مشروعيته وعلى اسرائيل ازالته، ويتسلحون كذلك بتقارير عديدة منها دولية (تقرير غولدستون، تقرير الاونكتاد، برنامج الامم المتحدة للبيئة، تقرير بيت حانون، تقرير ريتشارد فولك، تقارير جون دوجارد) ومنها تقارير وطنية (بتسيلم، الحق، عدالة، المركز الفلسطيني لحقوق الانسان، مركز القدس للمعونة القانونية، اطباء بلا حدود) وتقارير لشخصيات اعتبارية ذات مصداقية (الرئيس كارتر وجورج غالوي، والمراكب التي كسرت حصار غزة في حملة 'غزة حرّة') وجميعها تدين التصرفات الاسرائيلية وتوثق الاعمال المنافية لكل قواعد الحرب ولكل مبادىء حقوق الانسان. واستناداً لهذا التراكم الهائل من الادانات المحلية والدولية للنظام الاسرائيلي، فان على الفلسطينيين والعرب الشروع في حرب مقاطعة مماثلة لحملة الدول الافريقية.

وهناك بوادر مشجعة. اذ أعلنت النقابات البريطانية عن حملة مقاطعة للبضائع الاسرائيلية في ايلول (سبتمبر) الماضي، وقبيل ذلك كان اعلان تورنتو الدولي للمهرجان السينمائي الذي عارض تآخي مدينة تل ابيب مع تورنتو، وسبق ذلك اتحاد الجامعات والكليات البريطانية، واتحاد نقابات العمال في جنوب افريقيا وبعض النقابات في ايرلندا واسكتلندا، ومؤخراً سحبت احدى الشركات النرويجية استثماراتها من اسرائيل في خطوة احتجاجية على تصرفات اسرائيل. وفوق كل ذلك، يجب ان لا نقلل من مواقف بعض اساتذة الجامعات الاسرائيلية وبعض الضباط والجنود الذين رفضوا الخدمة في الاراضي المحتلة وفضحوا ممارسات الجيش الاسرائيلي المتوحشة اثناء اجتياح قطاع غزة. ويشكل هؤلاء جميعاً مراكز ضغط هامة على القرار الاسرائيلي. ولو اتخذت القيادة الفلسطينية مواقف اكثر حزماً واقل تذبذباً وجندت افضل الكفاءات الفلسطينية لقيادة حملة مشابهة لكانت النتائج افضل كثيراً.

لاشك ان الفلسطينيين سوف يستلمون سلسلة طويلة من النصائح الغربية مثل ان سلوك المقاطعة سوف يحبط المفاوضات السلمية، وسوف يشجع العناصر المتطرفة، وسوف يؤثر على السلوك الاسرائيلي تجاه الفلسطينيين بزيادة عدد الحواجز، او يمنعون تدفق المواد الغذائية الى القطاع. ولا يخفى أن جميع هذه النصائح فاسدة وباطلة لأن ليس لدى الفلسطيني ما يخسره، فالاحتلال قائم لأكثر من اربعين عاماً واصحاب النصائح يغذون هذا الاحتلال بالمال والمواد والانشطة السياسية والديبلوماسية. ويكفي اصحاب النصائح عاراً انهم لم يصوتوا لتقرير غولدستون، علماً أن المادة الاولى من اتفاقيات جنيف الاربع تلزم الدول الاطراف (ومنهم الدول الناصحة) بالزام دولة مخلّة بالتزاماتها (اسرائيل) على التقيّد بهذه الاتفاقيات.

والشبهة تحوم حول اصدار الرئيس محمود عباس مؤخراً مرسوماً لانتخابات تشريعية ورئاسية في كانون الثاني (يناير) القادم باعتبار ان ذلك 'استحقاقاً دستورياً'. ان اصدار هذا المرسوم، في الوقت الذي يبدو ان تحشيد الجهد لدفع تقرير غولدستون في القنوات التي تصل به الى محكمة الجنايات الدولية اكثر الحاحاً وأقرب استحقاقاً، هو طرح في غير وقته، وفي غير محله، فضلاً عن انه ليس ضرورياً، ذلك ان صلاحيات الرئيس وسلطاته، وصلاحيات المجلس التشريعي وسلطاته سوف لن تكون افضل حالاً بعد الانتخابات مما هي عليه قبلها. فالسقف الأعلى لكليهما يظل هو سقف اتفاقيات اوسلو، ومصدر صلاحياتهما وسلطاتهما هو ـ وبلا فخر- الحاكم العسكري الاسرائيلي.



خبير قانوني فلسطيني

 


 

مطبات الارتجال الفلسطيني في المحافل الدولية - د. آنيس مصطفى القاسم

السلطة و نفق أوسلو - سوسن البرغوتي

 خسارة عباس للدعم الشعبي.. و السياسة الأميركية في الشرق الأوسط - هيلينا كوبان

رون تيرا أهم خبير إستراتيجي "إسرائيلي": القوة "الإسرائيلية" محدودة النتائج - تحسين الحلبي

هل تجدد الأمة رؤيتها الحالية؟ - د. يحي رمضان

انتخابات تشريعي 1996 ـ 2010 - د. فايز أبو شمالة

ازمة البرنامج السياسي الفلسطيني و الحل الديمقراطي - سميح خلف

في الذكرى المشؤومة لتوقيع اتفاقيات وادي عربة - المحامي احمد النجداوي

الحسابات الأميركية لمناورة الإنتخابات الفلسطينية - شاكر الجوهري

جائزة نوبل وترميم سمعة الولايات المتحدة الأميركية - عامر راشد

قرضاي فلسطين - موفق محادين

هل انقضى عصر احتكار السلاح النووي ؟ - منير الشواف