عنزة ولو طارت .. وبسة ولو ماوت
عبد الشافي صيام ( العسقلاني )
لا شك أن الكثيرين يعرفون المثل القائل .. عنزة ولو طارت .. !!
كان هذا في زمن " الأعنـــــاز " .
أما في زمن " الأســـلوة " فيبدو تغيَّرت الأدوات والوسائل فيقال : بِسَّة ولو "مــاوت" [ من المـــواء ] .
وربما يعمد الناس لاستعمال الأمثال الشعبية للتعبير عن حالات عدم الرضا تجاه شخص يأتي عملا غير مقبول ، فيقال له : شوف لَكْ بِسـّه بَحْلِقْ عينيهــا .
ومنذ أيام ونحن نعيش حالة تلاطم إعلامي ، وتخبط في المواقف تقترب من الموجة " السونامية " لكن بدون خسائر حتى الآن .
فقد تناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام تصريحات متفاوتة التناقض حول موقف سلطة رام الله الرسمي من تقرير "جولد ستون" حول الحرب الإجرامية الوحشية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة وسمتها عملية "الرصاص المنصهر" وأدت حسب كثير من المصادر إلى استشهاد أكثر من 1600 مواطن فلسطيني وإصابة أكثر من سبعة آلاف جريح ومعاق ومشوه النسبة العالية بينهم من الأطفال والنساء والشيوخ ، وما تركته هذه الحرب البربرية من آثار صحية نتيجة استعمال أسلحة محرمة دولياً بدأت تظهر نتائجها على الأجنة ، إضافة إلى ما تم تدميره من بيوت وبنية تحتية من المستشفيات والمدارس والطرق والمرافق العامة والأراضي الزراعية .
فأهلنا في قطاع غزة الصامد لا زالوا يعيشون آثار تلك الحرب ويعانون من نتائجها وكأن القصف ما زال متواصلاً عليهم ، وكأن كل من فقد عزيزا عليه لم يبرح مجلس العزاء ، ولا نظن أن من يعيش إلى جوار ركام بيته أو تحت خيمة بانتظار ملايين دولارات " إعادة الإعمار " التي سمعنا عنها وتغنى بها السياسيون والقادة الأكارم ، هو في ذات الأهلية النفسية مثلنا نحن البعيدين ، أو مثلَ وضع المسئولين في رام الله ، ونحن نرى طاولات اجتماعاتهم تغطيها آلام وهموم باقات الزهور وزجاجات المـاء المعدني ، وربما بعضها من إنتاج إسرائيلي خوفا من عدوى "إنفلـونــزا الماء" .
كما قلنا تناقض ما تناقلته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام ، وارتياح المسئولين الإسرائيليين لموقف سلطة رام الله عن تراجعها عن دعم عرض تقرير السيد "جولد ستون" أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مقابل تساهل إســرائيل في موضوع بدء المفاوضات مع الجانب الفلسطيني .
فكم وما هي " التساهلات والتسهيلات " التي يبحث عنه الإسرائيليون ؟
في نيويورك .. تم التراجع عن الموقف وأسْقِطتْ الشروط التي أعلن عنها رئيس السلطة ، وعقدت القمة الثلاثية برئاسة الرئيس الأمريكي السيد أوبــاما .
على الأرض الفلسطينية .. البناء والتوسع في المستوطنات ماضٍ حسبَ المخطط الصهيوني ، وإحكام السيطرة على القدس واقتراب تهــويدها يسيرُ فــوق الأرض وتحـت الأرض ، ونحــن ما زلنــا نتغنى بليلى العامرية .
وإلى جانب المسئولين الإسرائيليين هناك العديد من المسئولين الدوليين والعرب وآخرهم ما صدر عن الجامعة العربية ، كل هؤلاء يؤكدون موقف التراجع الفلسطيني ، باستثناء جماعة رام الله الذين يؤكدون بأن ما نشر وما قيل وما نسب غير صحيح . لدرجة أن حالة من حـــالات "إنفلــونزا العيون" أصابت الذين تلقوا الطلب الفلسطيني فذهب بعضهم إلى طبيب العيون من كثرة ما فَــرَكَ وحَكَّ عينيـه .
نحن لن نقف إلى جــانب الذين لا يُصدقونَ كلامَ الناطقين باسم سلطة رام الله ، لكننا نقـــول لأصحاب السلطة دعونا نصدقككم ، ولا تدفعــونا أن نشارككم في " بَحْلقةْ " عيني البِسـَّـةْ . ولا نعتقــد أن التبــرير والكــلام الذي قالــه نمـر حمــاد المستشار السياسي لرئيس ســلطة رام الله ، والــذي ظهر فجـــأة " كالطــالول " مدافعـــاً ، ومضيفــاً توضيحــا وبعــدا جـــديدا للخطــوة التي تَمَّـــتْ مــا يجــعلنا نقــول بــأن هــــذا الــرجل هو " بيضة الـــرخ " إلى جانب " بيضة القبــان " التي سبق وقيلت في مديح السيد سليم الزعنــون على خدماته "الترجيحية" لعقد اجتماعين مهمين .. المؤتمر السادس لحركة فتح ، والمؤتمر السابع للمجلس الوطني بطريقة " القفــز بالزانـة " لتنصيب لجنــة مركزية جديدة واستكمال أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وقال المستشار بأن ما قمنــا به هو إنقاذ للمشروع وليس تعطيلا له ، ولا أدري إن كنا بحاجــة إلى " مَفْقَسَة " بيض لاستكمال مشروعنا الوطني . فالحديث عن دول داعمة ودول غير داعمة هذه الدول أصبح ثمنها الآن معروفاً لا يزيد عن شريط فيديو ( إنتاج حركة فوكس حماس للقرن الحادي والعشرين ) لمدة دقيقتين ، فالدول التي تحدث عنهـا السيد المستشار كان بإمكانها أن تتدخل وتلقي بثقلها ليأتي التقرير على غير ما جاء عليه قبل نشره وقبل جــلاجــل الفضيحة والحـرج الذي تمر به دولــة الكيان الصهيوني .
فإسرائيل التي سَخَّرَتْ كل علاقاتها ونفوذها في سباق يسابق الزمن ما كان لها أن تفعل ذلك طالما أن اعتماد التقرير أو إحالته على التقاعد مرهون بنعم أو لا من حليفتها الكبرى وبقية الأذنــاب .
السيد المستشار ظهر على التلفزيون بحالة عصبية ومتشنجا وكأنه يهدد المشاهدين ويتوعدهم إن لم يقبلوا بنظريته ويطيعوا كلامه فربمــا يصيبهم قَرْحٌ كما أصاب الذين من قبلهم .
لنخرج من السَببيِّةِ وندخلَ في العلـِّـة .
ما حدث يضاف إلى عِللِ أداءِ من يدَّعــونَ القيــادة ويعقدون المؤتمــرات ويعلقون يافطات المناصب والألقاب . ومهما كانت الضغوط الدولية والمؤثـرات الصوتية على المشهد الحـزين ما كان أن يقدم من اتخذوا القرار أن يسترخصوا دماء الشهداء وآلام الجرحى والمعاقين وحسرة الأمهات والآباء على من فقدوا في هذه الحرب القذرة التي أحبطتها الصواريخ العبثية و " الطقيع " كما سماها بعض "الطقاقيع" في تعليقاتهم .
إن قرار سلطة رام الله بشأن التقرير إساءة لدماء الشهداء ولكرامة شعبنا الوطنية خاصة وأنه يأتي بعد انتخاب لجنة مركزية جديدة لحركة فتح ستمسح سلبيات الماضي وتتخلص من عواجيز الحركة بدم يتدفق ثورية سيعيد الأقصى ، وبعد ترميم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لتهبَّ هبَّـة البـراق ، وأعتقد لو أنهم يستحون يستقيلون .
والقرار أيضاً يهدف إلى لفت الأنظار عن خطوة حماس الموفقة في الإفراج عن أخوات كريمات يشرفننا جميعا عشن في الأسر دفاعاً عنا ومن أجلنا .
والقرار كذلك من أجلِ ضمان ملايين الدولارات التي تصب في أيدي أصحاب السلطة لينفقوها بما يخدم مصالحهم ليس إلا .
لعبة التقرير خطيرة وقد تدفع إلى إبقــاء وضع الانقسام كما هو لأننا لا نرى مصداقية للوصول إلى مصالحة تعيد للموقف الفلسطيني وحدته وتلاحمه وتماسكه لنواجـه الخطر الذي يتهددنا .
فالمصالحة ليست " زهزهة " وصوراً بالألوان الطبيعية ودفعِ المُحتجزِ والمتأخرِ من المخصصات ..!!
إنهــا عملية أعمق وأبعد من ذلك بكثير يجب أن تؤدي إلى حالة تغيير شاملة وإعادة بنـاء للتركيبة القيادية من نقطة انطلاق صحيحة .
وفي قول للإمام علي بن أبي طالب كرَّمَ الله وجهه يقول : [ من أخطأ نقطة الانطلاق فلن تزيده السرعة إلا بعدا ] .
وأختم بقول الله سبحانه وتعالى : " إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ "
05/10/2009