خيانة ليس إلا ..

د. خليل قطاطو

08/10/2009


عندما شاهدت ممثل السلطة الفلسطينية ابراهيم الخريشة يدافع ـ بحرارة زائدة ـ عن ضحايا غزة ويصف الجرائم الاسرائيلية بانها جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية، ويؤكد ان اسرائيل يجب ان لا تفلت من العقاب هذه المرة، حسبت انني في حلم جميل، فركت عيني عــــدة مرات، وبعــد ان تأكدت انني لست نائماً قلت في نفسي ان الحياء والخجل عادا الى وجنات هذه السلطة، وانها الآن تقف في نفس الخندق مع شعبها لا في الخندق المقابل، عادت السلطة وتابت والعود احمد، وندمت عن كل ما كتبت سابقاً عن مؤامرات هذه السلطة على شعبها وخياناتها لقضاياها المصيرية وقلت في نفسي ان بعض الظن اثم، وسمعت الكثيرين يقولون ان الدم لا يصير ماء ـ حقاً.


لم تدم فرحتي 24 ـ 48 ساعة، اذ كنت امارس هوايتي الوحيدة، مشاهدة الأخبار، الهواية التي امارسها يومياً منذ أربعة عقود ويمارسها ملايين العرب العاجزين عن اي فعل آخر ـ وكان لي ان افرك عيني ثانية، فقد تأكدت ان ما شاهدته قبل يومين لم يكن حلماً، اذن فما اشاهده الآن هو بالتأكيد كابوس او اضغاث احلام وتهيؤات ليس الا، ولكنه لم يكن الا حقيقة. استجمعت افكاري ووضعت الامور في سياقها الزمني حتى افهم ما يحدث!


المندوب الباكستاني كمتحدث عن المجموعة العربية والاسلامية والافريقية (ولم استوعب كيف تكون الباكستان الاسيوية متحدثة باسم افريقيا) (انه امر جلل يتفق العرب والمسلمون معاً، وآسيا وافريقيا) هذا المندوب يطلب من لجنة حقوق الانسان التابعة للامم المتحدة بتأجيل عرض تقرير لجنة غولدستون على مجلس الامن ومن ثم محكمة الجنايات الدولية، ثم أتت الاخبار متسارعة، هذا المندوب يفعل ذلك بناء على طلب الوفد الفلسطيني، نعم نفس الوفد، خريشة نفسه الذي سمعته قبل يومين، والتأجيل ليـــس ليوم او اسبوع او شهر، و لكن للدورة القادمة للمجلس في آذار (مارس) (ستة أشهر)، وجيء برجالات السلطة ليعطونا دروساً في الاستراتيجية والتكتيك السياسي ومبررات التأجيل للحصول على الدعم الكامل في مجلس الامن بعد ستة اشهر، ولأعطاء فرصة لعملية السلام، ولم يقنع رجال السلطة احداً بهذا الكلام ولا حتى أنفسهم. الآن اكتملت القصة فهذا ما نتوقعه من السلطة التي ما عادت فلسطينية ابداً. السيد خالد مشعل كان مهذباً عندما وصف ما حدث بالعيب وآخرون وصفوها بالجريمة والمؤامرة. دعونا نسميها خيانة عظمى، وما يترتب على ذلك من تبعات جنائية وقانونية.


اشارت وسائل الاعلام الى استقالة وزير الاقتصاد الفلسطيني باسم خوري من وزارة فياض غير الشرعية احتجاجاً على ما حدث، على الأقل واحد من ثلاثين طاقم الوزارة ما زال فلسطينياً. المتفائلون يتوقــــعون استـــقالة الوزارة كلها (ربما ما عدا فياض نفسه) وأنا حزين على فلسطين التاريخ والعراقة والاباء، انها لا تستحق ابداً ان يحكمها مثل هذه السلطة غير الفلسطينية وعلى رأسها عباس لم تفـــقد البوصلة والبصيرة فحسب بل فقدت الاحساس والحياء منذ اوسلو او ربما قبل ذلك. لا تنعتوها بأقبح الاسماء والصفات والافعال والاحوال، ولا تخشوا انكم بفعلكم ستجرحون مشاعرها، ولا احسب ان الشاعر قال ما لجرح بميت ايلام الا بمثل هؤلاء.

خيانة ليس الا

السلطة غير الفلسطينية، تمارس في الضفة قمعاً، وابتزازاً وحكماً عسكرياً محاولة كتم كل الاصوات المعارضة لسياساتها التي تضر بمصالح الشعب الفلسطيني حتى من داخل حركة فتح نفسها. ان سياسات هذه السلطة هي خيانة لم يعد لها تسمية أخرى، ولم تعد المبررات الهزيلة التي تسوقها تنطلي على أحد، السلطة تمول من امريكا وتدير الضفة مدنيا كأنها دكان لحسابها، وكل معارض يفصل من وظيفته، يضيقون على الناس في لقمة عيشهم، شعبنا ضحى وما زال يضحي ولا اعتقد ان فلسطينيي الضفة سيصمتون عن هذه المهزلة، فما زال في فلسطين احرار لا يخافون لومة لائم.

المقالات، والاعتراضات، والادانات لا تكفي، المطلوب من أهلنا في الضفة ان يهبوّا لنصرة دماء أطفال غزة، وأجساد رجالها ونسائها التي فتتها الفسفور الأبيض، هذه السلطة اعطت صك براءة لاسرائيل بعد ان استيقظ العالم وكان يقدمها للمحاكمة، ويضع قادتها في قفص الاتهام كمجرمي حرب.

أهالي نابلس جبل النار، وجنين التي ما انحنت ابداً والخليل الابية، وبيت لحم الصامدة، والقدس المرابطة، وطولكرم وقلقيلية التي لا تعرف الخنوع ورام الله واريحا اللتين تحسبهما نائمتين، ولكنه الجمر تحت الرماد، وباقي المدن والقرى والبلدات، جميعا مطالبة بانتفاضة جديدة، هذه المرة ليست ضد الاحتلال، ولكن ضد من هم أخطر، تجار وسماسرة القضية في المقاطعة، انتفاضة لا تنتهي الا بتنحيهم وتقديمهم الى محاكمات بتهم الخيانة العظمى، واذا لم تكن هذه خيانة، فما الخيانة؟!
ما حدث كنا نتوقع حدوثه ولكن هذا لن يمنع ان ترتفع الاصوات برفضه، ولننس ردة الفعل السريعة والمؤقتة ولتستمر الحملة حتى يتحمل الجناة المسؤولية الكاملة عن جرائمهم، ولتستمر الحملات في الداخل والخارج ولا تهدأ الا بسقوط عباس وفياض وكل الزمرة التي لا تنتمي لهذا الشعب العظيم.

عباس يتخبط كمن اصابه المس، في البداية انكرت حكومته ان ممثل فلسطين هو الذي طلب التأجيل، ثم ادعى ان ذلك جرى بالتنسيق مع الوفود العربية والاسلامية، ثم هو ذا يكوّن لجنة تحقيق في ملابسات التأجيل، الأمر لا يحتاج الى لجنة. عباس مطالب يتحمل المسؤولية كاملة، ويتنحى، لا تكفير لهذا الذنب الا بالتنحي والمثول امام المحكمة.

الشعب الفلسطيني مطالب بأن يمارس حريته في التعبير، ويرفض ما حدث، المظاهرة المتواضعة التي جرت في رام الله يجب ان تتسع وتمتد الى مدن الضفة كلها، بمدارسها وجامعاتها ومساجدها وكنائسها واسواقها، ضحايا غزة الذين جرى بيع دمائهم بلا ثمن، هم ابناء واخوة فلسطينيي الضفة.

المؤسسات الفلسطينية لها ان تثبت الآن انها ذات قيمة وكيان وفاعلية، المجلس التشريعي اللجنة التنفيذية للمنظمة، اللجنة المركزية والمجلس الثوري لفتح، والمجلس الوطني الفلسطيني، فليجتمعوا على عجل، وليسائلوا عباس عن الجريمة والخيانة وليعزلوه عن كل مناصبه اللهم الا اذا كانوا شركاء في الجريمة. الصمت الآن خيانة، فلترتفع الاصوات الحرة، وليكشف النقاب عن المجرم الحقيقي، سواء كان عباس او غيره.

كاتب فلسطيني مقيم في امريكا